مميز
التاريخ:

بنو قُدامة وحيُّ الصالحية

معالم الشام
بنو قُدامة وحيُّ الصالحية
549ﻫ - 1154ﻡ
إعداد الباحثة : نبيلة حسن القوصي
"هذه قصة لاجئين من فلسطين، ملؤوا الشام علماً، نشأ منهم أفذاذ، ما أظن أن أسرة في الشرق والغرب أخرجت أكثر منهم: ابن قدامة الكبير، أبو عمر، والموفق، والضياء، والحافظ عبد الغني، وهم في الفقه والحديث كأسرة قتيبة والمهلب في القيادة، وجرير في الشعر، وقد دخل عبد الغني صاحب العمدة مصر، ونشر المذهب الحنبلي فيها .. والمختارة للضياء التي تعد من أصح الكتب المؤلفة في زوائد الصحيحين، وكتاب المغني للموفق أعظم كتاب في فقه الحنابلة، وكان من نسائهم نابغات لا يدركهن العد، مضوا ولكنهم خلفوا آثاراً لا تفنى، ومن آثارهم حي الصالحية.
وبعد، فهل يليق بأهل دمشق وهي دار الوفاء، وبأهل الصالحية خاصة، أن ينسوا هؤلاء العباقرة الأعلام، فلا يذكرهم ذاكر، ولا يعرف سيرتهم أحد، ولم يسم بأسمائهم مدرسة في الصالحية ولا شارع".
توقيع الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله
في كتابه / دمشق...صور من جمالها وعبر من نضالها
مدينة دمشق العريقة أقدم عاصمة في العالم والتي منها نشأت حضاراتٌ شتى ودار بها ما دار من أحداثٍ ومتغيراتٍ ومرت العصورُ وتعاقبت الأجيالُ وكلٌ قد ترك بصمةً له على أرضها وتركوا خلفهم الآثار التي لو استعرضناها لوجدنا قدراً كبيراً من التنوع المدهش الذي يدفعنا لوصف مدينة دمشقَ بالمتحف الشامل لجميع الحضارات.
وعندما نقرأ تاريخ دمشق في القرن الخامس الهجري سنجد تشابهاً في الظروف والصعوبات التي مرت بعصرنا الحالي، فالصليبيون احتلوا القدس الشريف والعديد من المدن الفلسطسنية مستغلين ضعف العالم الإسلامي وانقسامه لدويلات وإمارات صغيرة...
وبعد سيطرة الصليبيون على القدس وبطشهم بسكانها وسرقة خيراتها اضُطر أهلها للهجرة لمدينة دمشق التي كانت وما زالت ملاذاً للاجئين من الظلم, وقد كانت دمشق ترتبط مع مدن فلسطين كنابلس وغيرها بارتباطاتٍ علميةٍ وفكريةٍ واقتصاديةٍ فوجد فيها كبار المهاجرين من أعلام وأعيان إغراءً ليسطروا في تاريخ دمشق سطوراً تجسد المعنى الحقيقي لخلافة الله في أرضه بما يحب ويرضى.
ومن أوائل المهاجرين أسرة بنو قدامة الذين وجدوا في شخصية نور الدين الزنكي مطلبهم ومبتغاهم، فقد كان نور الدين ذائع الصيت كوالده عماد الدين الزنكي في محاربته للصليبيين وقد شارك بنو قدامة مع نور الدين في حروبه ضد الصليبيين وأكملوا من بعده مع القائد صلاح الدين الأيوبي.
شكل آل قدامة الجماعيليون النواة الأساسية لحي الصالحية فالشيخ الكبير أحمد بن قدامة خطيب بلدة جماعيل عندما قدم دمشق نزل بباب شرقي أولاً ثم أخذ يبحث لعائلته عن مكان آخر حتى لا يزعج أهل دمشق ممن نزل عندهم وقال: "هل هاجرت لأنافس الناس على دنياهم ما بقيت لأسكن ههنا" وأخذ يردد حديث رسول الله: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرأ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله).
وكان الشيخ على عادة أهل دمشق يزور قاسيون ففيه عدة مغاور وآثار للأنبياء كمغارة الدم ومقبرة لأربعين من الأولياء الصالحين, وكانت مدينة دمشق محصورة داخل السور فقط وسفح قاسيون مقفراً خالياً إلا من بقايا ديرٍ لناسك عابد توفي من آلاف السنين ,ثم إن الشيخ توضأ من نهرٍ يمر في سفح الجبل وجعل على ضفته حجراً في جهة القبلة وصلى ثم قال: "ما هذا إلا موضع مبارك".
وهنا نقف وقفة تربوية ,فمن منا توضأ وصلى في استخارة بين يدي الله؟
إنَّ نية الشيخ الصادقة مع الله عز وجلَّ وفقته ليبني فوق سفح قاسيون المقفر بيتاً بجانبه مسجد ومدرسة، وكان لا يملك المال ليستأجر عمالاً بل قام مع أبناءه ليعمروا الأرض بالخير والحُبِّ والرحمة.
وتخبرنا المصادر أنَّ هذا الحيّ -حيّ الصالحية كما سمي فيما بعد- بعد ما يقارب المئة عام أصبح يحوي ثلاثمئة مدرسة فنشأ كنموذج عنوانه النهضة العلمية والفكرية.
وظهر للمرأة في عصرهم دور كبير فنجد الألقاب التي ظهرت في تلك الفترة ﻜ: ست الناس وست الفقهاء وست العلماء وست العرب وست الكل....
لقد أحيوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم يُنتفع به أو ولد صالح يدعو له).
لقد ترك الشيخ أحمد بن قدامة أبناء وأحفاد من العلماء والقضاة والخطباء الذين يحملون في قلوبهم أسرار المحبة الإلهية والمحمدية وهي العلم والتطبيق.
بعد وفاة الشيخ أحمد 558ﻫ ودفنه في سفح قاسيون أخذ أبناءه وأحفاده يسطرون عناوين رائعة لمسيرتهم وما زالت كتب التاريخ تذكرهم وتدعو لهم وتتسائل أي عن السر الذي حملوه.
■ أبناء وبنات الشيخ أحمد
الابن الأول: أبو عمر محمد بن أحمد
والذي عُرف بالمُقرئ والمحدث والفقيه ,وُلد في جماعيل 528ﻫ ,وقد بنى المدرسة العمرية المعروفة ﺒ"الشيخة" أو أول جامعة إسلامية على الأرض.
وكان له من الأولاد والبنات عبد الله الإمام وعبد الرحمن قاضي القضاة وآمنة المقرئة.
الابن الثاني: أبو محمد عبد الله بن أحمد الموفق
وهو العلامة المجتهد صاحب كتاب المغني ,وُلد في جماعيل 541ﻫ ,و كان عالم وفقيه أهل الشام بزمانه وله مؤلفات عديدة ﻜ "عمدة الفقه" و"المقنع" و"الكافي".
وأبنائه مجد الدين عيسى خطيب وإمام الجامع المظفري ,و محمد ويحيى وصفية وفاطمة.
الابنة الثالثة: أم أحمد رقية بنت أحمد
كان لقبها العالمة الدينة ,تزوجت من الإمام عبد الواحد بن أحمد ,و لها من الأبناء :
الضياء محدث بلاد الشام في زمانه والشيخة آسية والشيخة زينب.
الابنة الرابعة: أم محمد رابعة بنت أحمد المحدِّثة
حافظة كتاب الله ومحدِّثة بحديث نبيه ,تزوجت الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي وأنجبت المحدِّث عبد الله والمحدِّث عبد الرحمن والداعية فاطمة.
٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭رحمهم الله تعالى لقد نالت هذه الأسرة الكريمة عناية من الله عزَّ وجلَّ, والأسرة نواة المجتمع إذا صلحت صلح المجتمع بأسره وهؤلاء الصالحين الذين لُقبوا ﺒ "المقادسة" كانوا نتاج نية صادقة مع الله عزّ وجلَّ.
فليراجع كل منا نيته مع الله عزَّ وجلَّ عند الزواج هل كان صادقاً مع الله أم اختلطت النوايا والسؤال الثاني ما هي نيته في الإنجاب ,هل مقصده المباهاة أمام الناس أم أمام النبي محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة الذي قال: (تناكحوا تكاثروا فإنني مباهٍ بكم الأمم)
صدق النوايا مع الله تعالى يوصلنا لنصف الحلول ,نسأل الله بإنابة وحرارة وإلحاح أن يلهمنا ويثبتنا على ما يحب ويرضى.
ونأتي في الختام على الدعاء لبنو قُدامة اللهم اجزهم عنا كل الخير فقد أحيوا قلوبنا بطيب ذكراهم وأعمالهم.
ودعاء خاص للشهيد أسامة المرابط رحمه الله الذي كان سبباً من أسباب وقوفنا على سيرة هؤلاء الصالحين الذين سبقونا بالإيمان ,ونرجو من الله التوفيق في فهم معاني سيرة هؤلاء الصالحين ونسأله حُسن الاتباع بالعمل والتطبيق.
المصادر :
سير الأعلام للذهبي
البداية والنهاية لابن كثير


تشغيل