مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 02/03/2014

وكيف يمارس العبد عبوديته لله عز وجل؟

مقالات

وكيف يمارس العبد عبوديته لله عز وجل؟
العلامة الشهيد البوطي
أولا: ينبه جميع مداركه إلى أنه مملوك لله عزَّ وجلَّ، وأن ليس تحت يده من نعمة يتمتع بها، إلا وهي وديعة من الله تعالى عنده، يُمتَّع بها إلى حين، ثم تُستلب منه عند أجل معلوم، وأن جميع الأساليب الكونية للخير والشر إن هي إلا أسباب جعلية، قرنها الله تعالى بما شاء من النتائج والآثار، فظهرت رابطة ما بينها أمامنا في مظهر السببية المطلقة.
ثانياً: يسخِّر جميع النعم والقدرات التي منحه الله إياها لتحقيق المبادئ والأهداف التي أمره الله تعالى بالسعي إليها. وقد أرسل الله تعالى إلى عباده لائحة البيانات لهذه المبادئ مع أنبيائه ورسله الذين ختموا ببعثة آخر الأنبياء والرسل محمد عليه الصلاة والسلام. وليس في هذا المجال متسع لشرح شيء عن هذه البيانات، وما تتضمنه من المبادئ والناهج المرسومة لسلوك الفرد والمجتمع؛ فإن لشرح ذلك مجالات أخرى ومراجع خاصة.
ثالثاً: لا ينسى، وهو يسير في رحلة حياته الدنيا، ويتقلب بين خيرها وشرها، إن هذه الحياة ليست إلا مرحلة، وما هي إلا حسر منصوب بين ماضٍ من العدم المطلق، وآتٍ من الحياة الخالدة بتخليد الله تعالى وقضائه؛ فما ينبغي أن يغترّ منها بظل ظليل، فيميل إليه ويستوطن فيه، وينسى منهج الرحلة ونظامها؛ فإن الوقت إذا تداركه أيقظه دون أن يرحمه، وخلَّف له الحسرة والندامة فقط. وليذكر – ليتأكد مما أقول _ بيان الله عزّ وجلّ : {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}الحديد20
فإذا أيقن ذلك، فليعلم أن عليه أن يجند كل عمله وطاقاته وملكاته، ليعتصر من الدنيا أسباباً يحقق بها المبادئ والقيم التي أمره الله تعالى أن يقيم المجتمع الإنساني على أساسها.
رابعاً: لا ينبغي أن يُخضع الإنسان هذه الحقائق لتطوير أو تناسخ وتبديل، مهما تقدم العلم وكثرت المخترعات، وطار الإنسان في جنبات الفضاء؛ فإن محور هذه الحقائق ومناطها ثابت، أل وهي عبودية الإنسان لله. فإذا كان محورها باقياً فما ينبغي لأنظمتها الدائرة من حولها والمتسقة معها أن تتبدل أو تتطور.
تلك هي المعالم الكبرى لوظيفة الإنسان في هذه الحياة، وغن من وراء ذلك تفاصيل ليس هنا محل بحثها.
ولن تجد أي منطق علمي يرد على شيء مما ذكرناه، أو يملك إدخال أي ريبة أو شك عليه؛ فالإنسان عبد لله عزّ وجلّ أيقن ذلك أو جحد به.
والعبد يجب أن يتسق سلوكه مع طبيعة كونه عبداً، وسيد هذا العبد قد أنزل إليه بياناً أخبره أنه مقبل بعد الموت على حياة أخرى، وحذّره من أن أي انحدار من هذا العبد اليوم عن خط الالتزام بصراط الله عزّ وجلّ – صادر بنية خالصة لبلوغ مرضاته عزّ وجلّ- سينال صاحبه عليه الأجر العظيم الذي قد لا يحلم به اليوم.
الكلام وعدُ بغيبٍ كما ترى، ولكنه صادرممن بيده نواميس الكون، أي ممن هو سيد القدر في حياة الإنسان، وقد انتهينا من إثيات ذلك بالمنطق والمنهج السليم، فلا نعيد ما قلناه.
إذاً فلا بد من حياة ثانية يتحقق فيها كل إخباراته عزّ وجلّ، وحسبك ان تتأمّلَ مليّا في هذا الكلام الذي هو تنزيله وكلامه {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}آل عمران185
هذا الحق الذي أعرضه لك، لن تجد أي منطق حر يملك السبيل إلى مناقشته.
ولكن الذي يرفضه أو يناقشه دائماً، إنما هو منطق العواطف والأحلام، وحديث الرغبات والشهوات وردود الفعل!
إنه مثلاً، منطق من يقول: إنسان القرن العشرين غزا القمر، وكاد أن يتخذ من دنياه وطناً ثانياً له، وأُولو الأفكار العتيقة ما يزالون يركنون إلى أَسر التديُّن للمجهول والعبودية للغيب!
فعلى أي أرضية من المنطق والمنهج العلمي يقف هذا الكلام، حتى تقف معه عليه فتناقشه من منطلق قدرٍ مشترك؟ إنك لترى أنه حديث نشوة أكثر من انه ينتمي إلى منطق علم.
إنّ من اليسير جدّاً أن تقول لصاحب النشوة العارمة، بعد أن تهزّه هزّاً رقيقاً ليصحو إليك:
إن أولئك الذين اتخذوا من القمر وطناً ثانياً لهم، لم يستطيعوا أن يعتقوا أنفسهم بذلك من أي مظهر من مظاهر الضعف البشري الاصق بهم، ولم يستطيعوا ان يجعلوا من القمر معقلاً لهم ضد الموت، أو دواء لهم ضد الهرم، أو سبيلاً سائغة لانعتاق الإنسان عن حاجاته الفطرية إلى الأرض!
إن إنسان القمر لا يزال يموت –كما قلنا– بنفس الطريقة التي تموت بها أيّ ذبابة ضعيفة في الكون. إنه لا يزال أسيراً لكل السنن الكونية التي تطبعه بطابع الضعف، وتأسره لجملة القوانين الكونية التي تحكم حياته كلها.
إنه لا يزال، إذاً، أسيراً لما يسميه بالمجهول، عبداً لما يسميه بالغيب.. والزمام لا يزال مطوّقا به، وطول الزمام لم يغير من واقع الأسْر وحقيقته شيئاً.
أو هو منطق من يقول: فيم يخضع الإنسان –في عصر الحرية– لقيود العبودية وآصارها، وهو إن كان شيئا سائغاً بالأمس، فإنه لأمر مستهجن لا يتفق وحرية الإنسان اليوم، وإن الإله لغني كل الغنى عن عبادة الإنسان له!
وهذا أيضاً كلام من يريد أن يؤلف أنشودة في مدح الحرية، فيستنهض لذلك كل عواطفه ووجدانه إلا المنطق والعقل!
إنّ من اليسير أن تقول لهذا الشاعر: أرأيت إلى الإنسان في عصر الحرية، فيم يظل يذل نفسه، ويستعبد كيانه للحصول على لقمة طعام أو جرعة شراب؟.. سيقول: إن تكوينه البشري يحوجه إليهما ويضطره للحصول عليهما بأي شكل.
قل له إذاً: إن تكوينه البشري قد قضى عليه بالعبودية في واقع الأمر وحقيقته، وما من شك في ان السلوك الاختياري يجب أن ينسجم مع الواقع الاضطراري.
إن العبد لا يُسأل ولا ينبغي أن يُسأل: لماذا يتصرف مع سيده تصرف العبيد، ولكنه يُسأل عن العكس من ذلك: لماذا يتصرَّف ترُّف الأحرار وهو عبد.
إذا كنت –حقاً– تريد ان تتبرم وتثور على التزام مسلك العبودية لله، فتعال فأعلن الثورة أوّلاً على الواقع الأساسي الثابت الذي يدمغ البشرية كلها بطابع العبودية له.
فإذا أسعفتك الحرية في الانفلات منه، فلا عليك أن تحطم سائر القيود السلوكية التي جاءت ثمرة ونتيجة له.
أما إذا خانتك حريتك المزعومة هنا، وتخلَّفت عنك قوتك الضاربة، ورأيت نفسك أسيراً لطبيعة العبودية في كيانك، فإن من الرشد الذي لا مرية فيه، أن يكون سلوكك الاختياري متفقاً مع وضعك وواقعك الاضطراري.
وإن من المشاكسة والتناقض مع منطق الأمور أن تخالف بين المقدمات ونتائجها.
أسمعت عن أجير تحركت فيه نوازع الحرية، فقعد عن التزاماته تجاه من قد استأجره، قبل أن يعمد إلى العقد الذي بينهما فيبطله ويلغيه؟!..
أم هل سمعت عن شاب تبرّم بتبعات بنوَّته لأمه وأبيه، فتجاهل هذه التبعات أو استعلى فوقها، وهو يعلم أنَّ نسب بنوَّته إليهما حقيقة لاصقة به أينما حلّ أو ارتحل؟
ليس الشأن الذي يكسبك أي فخر أن تحرر جبهتك من السجود للخالق عز وجل، وإنما الشأن الذي يكسبك ذلك أن تحرر ذاتك من سلطانه عليك، ومن قانونه المتحكم في حياتك، ومن الزمام المثبت بإحكام حول عنقك.
فإذا كنت أعجز من أن تأتي بأي محاولة ناجحة في هذا التحرر، فسيان: أن تسجد لخالقك عز وجل على تراب الأرض وحصبائها، أو أن تنطح بجبينك هام الجوزاء وما فوقها، فإنما أنت على كل حال عبد.
إن أنكرت ذلك بسبب على تتباهى به اليوم، فسيقر بذلك النسيان الذي سيتغشاك غداً.
وإن جحدته قوتك اليوم، فلسوف يذعن له ضعفك المستخذي غداً.
وإن استكبر عنه غناك الذي تتمتع به اليوم، فسوف يذل له فقرك الشديد غداً.
نعم .. غداً .. وإن غداً لناظره قريب.
طارت نملة في الهواء، وقد ظنَّت أنها تعدَّت عن حقيقتها وانخلعت عن مهانتها وضعفها، فمضت تحلق في الفضاء مستأسدة مستضرية، تبسط في جو السماء كله سلطان جناحيها. وفيما هي كذلك إذ بطرَفَيْ منقار عظيم انغلقا عليها! فلما أيقنت الهلاك وعلمت أنه الموت، استسلمت له قائلة: خذها مني قصاصاً وحقاً، فليس ذلك شططاً، ولا ظلماً على من أُوتي جناحين ليدرك بهما حدود طاقته، فانطلق يصارع بهما ملكوت الله وقضاءه فيما انطبع به من الضعف والهوان!!!
المصدر: كتاب "من هو سيد القدر في حياة الإنسان".