مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 09/02/2014

مأساة السلوك الخلقي في مجتمعنا

مقالات

مأساة السلوك الخلقي في مجتمعنا
العلامة الشهيد البوطي
والتربية الخلقية ليست دراسة علمية في كتاب، ولا هي بالقواعد العلمية للدين، ولا هي بتلك النظريات الفلسفية الفارغة التي تسمى "الأخلاق"، إنها شيء فوق كل ذلك، وأقدس من كل ذلك، وهي مع هذا المادة الوحيدة التي لا تتعرف مدارسنا على شيء منها.
من أهم مآسينا الاجتماعية اليوم مأساة التربية الخلقية لدى ناشئة البلاد، إنها المأساة الوحيدة التي لم تستطع المعالجة أن توقفها عند حد، بل وما قدرت المعالجة سوى أن تنفخ في ضرامها، ثم تصبح هي الأخرى مأساة ثانية إلى جانبها.
ولعل معالجتها - من أجل ذلك- لا تزال إلى اليوم أهم مشكلة تستدعي الحل السليم الدقيق، ولعل من الخير أيضاً أن نصارح بأننا لا نزال مع الأسف نعالج هذه المأساة معالجة بدائية غير ذات جدوى، إذ إن أمرها موكول في معظم الحالات إلى شعبة الأمن والآداب في البلاد، وما كانت لدى شعبة الأمن يوماً ما أي سلطة لمعالجة أي انحراف سوى سلطة الجزاء والتلويح بعصا الإرهاب، وما كان الزجر والإرهاب في يوم ما سبيلاً إلى تربية أية أمة، وما عهد العلم والتاريخ أنهما أثمرا في يوم ما أي سلوك داخلي مستقيم.
إن من الواجب أن نعلم بأن معالجة الخلق والسلوك لها ميدان غير هذا، إن ميدانها الأول هناك على ثغر الطريق، حيث يبزغ النشء ويترعرع، ثم يدرج مقبلاً نحو نهر هذا المجتمع وصخبه، أما مجالها الثاني فهو المحافظة على نظافة المجتمع، ومكافحة الأوباء الخلقية التي قد تظهر في بعض جهاته وجوانبه.
وثغر الطريق إلى هذا المجتمع إنما هو المدرسة، فهل يتلقى النشء في المدرسة شمة من رائحة التربية الخلقية؟
إنها شيء يؤخذ به التلاميذ أخذاً، وتشرب به طباعهم عن طريق المران التطبيقي على النماذج الخلقية السامية، وعن طريق صبغ مواد الدراسة عامة بالصبغة الخلقية والدينية، كما يحصل على قسط كبير منها عن طريق "القدوة الحسنة"، بأن يكون التلاميذ دائماً أمام نماذج سامية من الأساتذة والمعلمين خلقاً وديناً، إذ إن طبيعة التقليد في الصغير -حتى سن المراهقة- تعتبر من أهم العوامل النفسية غير المقصودة التي تنغرس بتأثيرها معظم العناصر الخلقية في نفسه.
ولصلاة واحدة يحمل على أدائها الطلاب -سواء في المرحلة الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية- عن طريق طبيعي كالقدوة الحسنة التي ذكرناها، أبلغ فائدة من عدة دروس في الأخلاق والدين، يقذف فيها إليهم المدرس بالحقائق العلمية الغزيرة، فكيف إذا رسم ذلك طريقة لهم، وعهد إليهم أنفسهم بتعهد المصلى مثلاً وتنظيفه، وبالإمامة والأذان والخطابة في معظم الأحيان، وعهد إليهم بين الفينة والأخرى بإقامة تمثيليات تتراءى في أبطالها نماذج خلقية عالية، في ثوب زاه محبب إلى نفوسهم، وعهد إليهم بإخراجها وتمثيلها تحت إشراف المدرس التربوي الخاص؟
إن هذا -ما من ريب- لو طبق تطبيقاً منظماً تحت إشراف مدرس خاص بهذه المادة -مدرب التربية البدنية مثلاً- لما وقعنا في كل هذا المروج والاضطراب حيال هذا التيار الخلقي الملتوي، ولعمري إن ههنا فقط مركز الثغرة الحساسة الأولى التي إن أهملت تسرب منها إلى المجتمع وباء خلقي ما مثله وباء، وإن أغلقت وعولجت هانت من بعدها معالجة كل شيء، وعاش المجتمع مع مقوماته المادية والمعنوية في أمان من كل ما يهددهما.
ولقد بلغ ذلك القسيس الإنكليزي "دنلوب" منتهى الخبث، حينما لعب لعبته في الإقليم الجنوبي من جمهوريتنا العربية المتحدة أيام الاحتلال الإنكليزي لها، وذلك بوصفه مستشاراً للمعارف إذ ذاك، حيث عمد على جهاز التربية فيها، فكشط عنه الصبغة التطبيقية للتربية الخلقية والدينية، ثم ألبسه لباس التعليم الجاف، وبالغ ما استطاع في حشو عقول الناشئة بالحقائق الجافة التي تبلد العقل وتغلظ الحس، ولم يدع في المنهج الدراسي متنفساً يشم منه الصغار المعنى الروحي الواقعي لمفهوم الأخلاق العامة الذي يسود مجتمعهم ويقوم حياتهم؛ عمل ذلك لكي لا ينتج ذلك الجهاز سوى إمعات من الرجال ذوي نفوس متداعية، لا يصلحون إلا مستخدمين في وظائف، أو كتاباً في دواوين يأكلون ويشربون وينامون.
ومن المؤسف جداً أن نقول: إن حالتنا الراهنة اليوم قائمة تماماً على النهج الذي كان يتمناه "دنلوب"، مع أن الاحتلال الإنكليزي والفرنسي قد ولى.
ومن المؤسف أيضاً أن نقول: بأننا لم نكن خيراً بكثير من "دنلوب" و"فرنسة" في رعاية شؤوننا التربوية والدينية، مما جعلنا نقذف إلى المجتمع بشباب لم ينضج فيهم الوعي الخلقي الكامل الذي يربطهم بتاريخهم العربي والإسلامي، ثم نحاول بعد ذلك معالجة الوضع، ولكن أنى للعلاج حينئذ أن يفيد، وأنى للمنطق والتهديد أن يجدا وسيلة إلى تقويم ما استصلب ملتوياً معوجاً؟
ولقد جمعتني المصادفات بواحد من هؤلاء الذين نشؤوا وتخرجوا في شوامخ هذه المدارس، ولكنها لم تقدر أن تملكهم أخيراً أي سلاح من الحصانة الخلقية والدين، وراح يشكو إلي بصراحة تامة آلامه النفسية التي لا يجد مفراً منها، فاسمعوا ما قال:
قال لي: إنني أحب الفضيلة، وأهتز طرباً للمثل العليا والمتمسكين بها، وما أكثر ما أقعد لأتخيل نفسي بطلاً من أبطال الفضائل، وحامياً من حماة الأخلاق، وكم أنسج في غمرة هذه الأخيلة أحلاماً مختلفة، أروي بها ظمأ قلبي لهذه المثل والفضائل، ولكني -ويا للأسف- لا أستطيع أن أحقق شيئاً من هذه الأحلام، فقد ربيت دون أن يبصرني أحد بالطريق المؤدي إلى الفضيلة، ويدربني عليها ويوضح أمامي معالمها.
أما هؤلاء المعلمون، فقد كانوا يضعون أمامي عن الدين والفضيلة ألفاظاً مغمضة صماء، لا أجد في ناحية منها أي نافذة تهديني إلى تحليلها أو معناها، فكنت أتلقى هذه الألفاظ كما تتلقى صندوقاً أُقْفِل على ما شئت من لآلئ وجواهر دون أن تتسلم له مفتاحاً، أو تهتدي لفتحه إلى دليل، فإن استطاع هذا الصندوق أن يَرْشَح لك ظاهره بالذهب الذي في جوفه استطاعت تلك الألفاظ أيضاً أن تجمعني بالفضيلة التي أبحث عنها.
وهكذا أعيش اليوم! أتعشق الفضيلة ولا أهتدي إلى صميمها، وأبغض الرذيلة ولا أقوى على الخلاص منها، ذلك لأنني أقرأ عن الرذيلة كل يوم مئة درس تطبيقي عملي في الأزقة والشوارع، فلماذا لا أندفع إليها وأنطبع بها؟ ولا أعثر على واحد من هذه الدروس في المعاهد فضلاً عن الأزقة والشوارع، فأين أعثر عليها؟ وكيف أهتدي إليها؟
ماذا تتوقع من أساليب المعالجة التربوية المفيدة لمثل هذا المسكين، بعد أن اجتاز الطريق وتوسط أمواج هذا المجتمع وعبابه؟
أما أنا فقد رأيتني أثقل عليه من شروره التي يتأفف منها، إن أنا قعدت أدندن حول رأسه عن طريق (قال الله، وقال رسول الله) بعد أن تطبعت نفسه على ما شاء أن يطبعها عليه هذا المجتمع دون أن يكون له إذ ذاك من واق أو حافظ.
إن هذا الإنسان زجته المقادير في بحر خضم، وبين أمواج متلاطمة، دون أن يجد قبل ذلك من يعلمه السباحة ويدربه عليها، فماذا يغنيه وهو يغوص بين أمواج الموت أن تصيح به قائلاً: خبط برجلك، شق بيديك الماء، انفخ بفمك، لا ريب أنه سيختنق بكلامك هذا قبل أن يخنقه زبد البحر وأمواجه.
أما عثرات هذا المجتمع، أما الصخور الراسية القائمة في جنباته، التي من شأنها أن تصدع هذه الروح التربوية، حتى بعد تعهدها وممارستها في المدارس، فلا ننكر خطورة ذلك وأثره في زلزلة الكيان الخلقي لدى الشباب، ولكنا نرى أن معالجتها تأتي في الخطوة الثانية بعد الأولى، ولا شك أن تلك العثرات - بعد ذلك - أمر لا يجوز الغض عنه أو التساهل فيه، ولا بد من العمل على توافق روحي المدرسة والمجتمع، والتفاعل بينهما، إذ الطفل ابن لمجتمعه قبل أن يكون ابناً لأسرته أو مدرسته، ومعنى ذلك أنه لا بد أن تنطبع في نفسه تقاليد ذلك المجتمع وعاداته رغم أنف المدرسة والأسرة، ورغم أنف مجهودهما، بل ما من شك في أن المجتمع ينقض كل ما نسجته الأسرة والمدرسة، ويجعله أنكاثاً إذا لم يتطابق معهما في روحه وتقاليده، بل إذا نزلنا عند رأي العالم الفرنسي "أميل دوركايم" وأعضاء مدرسته، نجد أن البيئة الاجتماعية هي العامل الوحيد في تربية الطفل، وأن ما أبرمته هذه البيئة حيال ذلك لا يمكن لأي عامل من العوامل التربوية الأخرى نقضه أو تغييره.
ولذلك، فقد كان أمراً مفروغاً منه وجوب كنس كل ما في جوانب هذا المجتمع من أقذار وأوباء خلقية، إن أريد للروح التربوية أن تسير في نفوس النشء سليمة هادئة إلى آخر الطريق.
وماذا نرى في مجتمعنا اليوم؟
إننا نرى فيه حمماً من الأوبئة والأقذار والمفاسد، بعضها يتجسد ويسير تحت راية "الحرية"، وبعضها الآخر يشق طريقه من وراء امتياز "الفنون والآداب"، والبعض منها يخب باسم التقدمية والتمدن، والجميع ينقلب في نهاية الطريق إلى وقود يزيد من أوار هذه المأساة ولهيبها، وتبحث هنالك عن رسالة تلك الفنون والآداب والتقدمية، أين بقيت وماذا فعلت؟ ولكنك لا تبصر إلا ناراً تضرم.
ففي ميدان الأدب تجد معظم أدعيائه لا يحلو لهم سوى أن يجعلوا منه غلالة رقيقة يلبسونها لقضايا "الجنس"، ثم يعرضونها أمام الأبصار، كأن شؤون الجنس قد منيت بيننا بزهد فيها وإدبار عنها، فهي تحتاج إلى الإطراء لها والدعاية إليها.
ومن تحت لائحة "الحرية" تبصر خليطاً متلاطماً من مئات الأشكال والأزياء التي فجرتها أخيلة الرذيلة وأظهرتها النزوات الملتهبة.
هذه فتاة هجمت إلى الشارع، وقد كشفت للناس من منكبيها إلى أقصى فقار ظهرها.
وتلك قد اخترعت أمكر صورة من العري الفني، حيث كشفت للناس عن معظم جسمها، ولَفَّتْ سائره بِمِزَقٍ رقيقة عصرت نفسها فيه عصراً، ثم راحت تنقر الأرض نقراً في مشية متعثرة بين الغادين والرائحين.
وهذه واحدة أخرى قد غمست شعرها ووجهها وفمها وعيونها وأهدابها بشتى الأصباغ المتضاربة المختلفة التي لا يفوح منها إلا رائحة النهم الجنسي الصارخ.
ومن وراء صيحات "التقدم والمدنية" تبصر مظاهر شاذة غريبة لمفهوم الروح الاجتماعية في بلادنا -بصفتها بلاداً عربية مسلمة لها مبادئها الراسخة الخالدة- فهي مفاهيم لا تجد نظيرها إلا بين الأمم الأجنبية عنا، هذه الأمم التي نعتبر أنفسنا في حياد إيجابي عنها
وبعد هذا كله فالغريب أن نثور ضد النتائج الطبيعية لهذه المظاهر الاجتماعية الشاذة عنا، ونعترف ونقر أننا في مأساة يجب أن نتداركها ونقضي عليها.
إن القضاء على النتائج يتطلب قضاء على المقدمات، ولذا فلا بد من القضاء أولاً على المفاهيم البشعة المعكوسة للآداب والفنون بيننا، ولا بد من الضرب الشديد على أيدي الذين يحلو لهم هذا الافتراء على الأدب والفن.
أما المرتزقة الذين يبحثون بذلك عن الطعام و"العيش" كما يقولون، فعليهم أن يفتشوا عن سبيل غير هذا لتجارتهم وطعامهم و"عيشهم".
ولا بد أيضاً من وضع حدود إلزامية يتوحد عندها زي المرأة، ويمنع عنها كل ما هو غير لائق بمكانتها بصفتها امرأة عربية، وبمكانة المجتمع بوصفه مجتمعاً عربياً شريفاً. ولسنا نقصد بذلك إلزامهن بالاحتجاب من الفرق إلى القدم، ولكنا نوجب أن يلتزمن الحشمة التي تعبر عن كرامتهن، ولا تثير أنظار الشهوة نحوهن.
وليس لأحد أن يزعم أنه حر في شأن أهله وعائلته، ولا لواحدة أن تزعم أنها حرة في شأن نفسها، إلا إذا صح لأحد أن يَزعم أنه حُر في أن يَتصرف بقانون السير والمرور كما يشاء.
فالعربة التي يسوقها صاحبها في عرض الشارع ويلتوي بها ذات اليمين وذات اليسار، وذلك الذي يمشي وهو يزرع الشوارع العامة بما شاء من أقذار وأوساخ، وأولئك الباعة الذين يتخذون من قارعة الطريق العام مخزناً تجارياً لبيعهم، وتلك التي تسير في هذه الشوارع وبين أنظار الشباب متعرية متكشفة لتستقبل الأنظار فن ميوعتها ولتخلف من ورائها آثار فتنتها، كل ذلك مظاهر للفوضى البشعة، ومنابع للأضرار الجسيمة التي لا يجوز المكابرة في اختلاق الفروق بين بعضها والآخر.
وليس لواحد أو واحدة أن تزعم أيضاً أن ذلك قيد تأباه الديمقراطية التي يجب أن ننعم في رحابها، فالذين درسوا الديمقراطية بمعناها الواضح البسيط يعلمون العلم اليقين أن الديمقراطية لا تخلو من قيود، بل لا بد لاستقامتها من وجود القيود، غير أن الفرق بين القيود التي يفرضها الوضع الارستقراطي والتي يفرضها الوضع الديمقراطي أنها في الحالة الأولى تكون لمصلحة القادة فحسب، وفي الحالة الثانية تكون لمصلحة الأمة والأفراد.
وليس لأحد أن يتأفف من هذا التنظيم بحجة أن في ذلك خدشاً لقدسية التقليد الأصم الأبكم، وانحرافاً عن جادة الغرب وحضارته، ذلك لأن الأساس الذي أقام عليه الغرب حضارته أساس لا يطيق هذا الشرق العربي إرساء مثله، فهو أساس كونت عناصره كما قلنا قبل هذا الفصل من أمشاج مِن الأمهات والأطفال والأزواج الذين ضلت بهم المدنية عن مثابة الأسرة وحبل النسب، وحينما يقبل حضرات المتأففين هذا الأساس لحضارتهم ومدنيتهم، فإننا نكون حينئذ في غير حاجة إلى التربية الخلقية، وقوانين التربية الخلقية التي نوجع رأسنا اليوم بالحديث عنها. ويقيننا أنه لن يسود هذا الرضا والقبول في مجتمعنا ما دام هنالك متمدنون مثقفون يجيبون على معاكسة المثقفين لزوجاتهم في الشارع بالرصاص يُطلقونه عليهم
وبعد فهذه هي الأسس المنظمة السليمة لمعالجة هذه المأساة في حياتنا الاجتماعية، وهذه هي الطريق المؤدية من غير شك إلى نتائج مرضية للذين يبحثون لهذه المشكلة عن حل، أما إذا كنا نأبى أن نعالج هذا إلا بتلقف الحوادث والجرائم والترصد لها لنعاقب الواقعين فيها والمندفعين إليها، فما أطرفها من معالجة يضحك منها المنطق السليم والبدهيات الواضحة.
أن أشد عصابة على عينيك، وأضع في طريقك الشِّباك، وأحفر في مواقع قدميك الحُفَر، ثم أترصد لك، حتى إذا تلقَّفتْك الشِّباك أو هويت في الحفرة هرعت نحوك مؤدباً ومعاقباً ومربياً! وأن تكون في أشد حالات الظمأ يلتاع كبدك شوقاً إلى جرعة ماء، فأعرض أمام عينيك الملتهبتين قدحاً بديعاً رقراقاً يشف عن ماء بارد زلال، رؤيته وحدها تثير العطش، وأدنيه منك وأديره حول بصرك، وأغريك بالانقضاض عليه، ولكني أجعله مع كل ذلك فوت فمك ودون غايتك، لأنه ماء لا تملكه أنت ولا جدك ولا أبوك، فليس لك أي حق في الارتواء منه! فقل لي أيها العاقل وحدثني، ماذا يصنع هذا المسكين المحترق عطشاً؟ أليس بدهياً من البدهيات أن يفقد أعصابه وينقض على ذلك الذي يذود عن هذا الماء ليرتوي من دمه قبل أن يرتوي من الماء الذي يشتاق إليه، ثم ينقلب فيلعن الشرائع التي تحرم، والأخلاقَ التي تمنع وتتحكم؟ مع أن الشرائع ما جاءت في يوم ما لتجتث طبيعة أو تخنق رغبة، وإنما جاءت لِتُقَوِّمض هذه الطبيعة في الأفراد، وتحقق سبل الرغبة المنظمة للجميع.
المصدر: كتاب "البدايات" للعلامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي