مميز
الكاتب: مخلص حميد الدين
التاريخ: 02/02/2014

نجتهد فيما ضمن لنا ونقصر فيما طلب منا!!

مشاركات الزوار

نجتهد فيما ضمن الله لنا من الاستخلاف
ونقصر فيما طلب منا من العبودية
ونطالب مولانا بالنتائج
مخلص حميد الدين
يقول العلامة الشهيد البوطي في كتابه شرح الحكم العطائية:
يقول الله عز وجل: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)
وتتأمل في حال فريق كبير من الناس، وإذا هم معرضون عن وعد الله بهذا الاستخلاف إن هم أنجزوا أوامره ونفذوا وصاياه وأحكامه، ويبحثون للوصول إلى هذا الاستخلاف والحكم في الأرض، عن كل ما يتخيلونه من الوسائل والأسباب الأخرى، وربما وضعوا أنفسهم موضع المهانة في استجداء هذا الذي وعدهم الله به، من أعدائهم ومن الأمم أو الدول المتسلطة عليهم !!..
والغريب أن تجربة هذا الإعراض عن الوفاء بعهد الله، مقابل ما ألزم الله به ذاته العلية من الوفاء بعهدهم، يتجلى للعيان سوء نتائجها، وخيبة آمال أصحابها بها، ومع ذلك فإنهم يمعنون، في هذا الإعراض عما كلفهم الله به من الوظائف، ويواصلون المضيّ في تجاربهم الفاشلة، التي تنقلهم من ذل إلى ذل، وتزيدهم بعداً عن الهدف الذي يطمحون إليه، فهل في التصرفات التائهة ما هو أعجب من هذا التصرف؟
ولو أن أحداث التاريخ لم تكن شاهداً عملياً لصدق وعد الله لعباده إن هم صدقوا معه فيث إنجاز ما قد كلفهم به، لربما كان في الوعد النظري ما يبعث على الريبة والشك، نظراً لضعف ثقة المسلمين اليوم بوعود خالقهم ومولاهم.
ولكن تاريخ هذه الأمة، ينطق واقعه بشهادة تجلجل على أسماع الدنيا كلها، بصدق وعد الله عز وجل فيما أخبر والتزم !..
كان المسلمون في صدر الإسلام حفنة من عرب الصحراء، فلما أصغوا إلى خطاب الله لهم، وتبينوا الوظيفة التي حمّلهم الله إياها، وآمنوا بألوهيته ووحدانيته، ووثقوا بوعده وحكمه، وسعوا سعيهم الجاد إلى أداء وظائفهم التي كلفوا بها فمارسوا عبوديتهم لله بالسلوك الاختياري، كما قد فطروا عليها بالواقع الاضطراري، أنجز الله لهم عز وجل: (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) فأزاح عن طريقهم إمبراطوريات الروم والفرس واليونان، وأقام من تلك الحفنة من عرب الصحراء قادة وحكاماً لشعوب تلك البلاد، وأورثهم أرضهم وديارهم بكل ما فيها من ذخر وخيرات !..
وإن المتأمل في تاريخ ذلك الرعيل، ليعجب بالوفاء الذي بادل الله به وفاءهم، في أحداث ناطقة بهذه الحقيقة لا تحتمل أي ريب.
وإن من أبرز مظاهر هذا الوفاء وآثاره، قول عمر لأبي عبيدة، وقد وصل عمر إلى مشارف الشام مرتدياً مرقعته المعروفة التي كانت تحوي ما لا يقل عن اثنتي عشر رقعة، والتي أثارت عتباً خفياً همس به أبو عبيدة في أذن عمر:
( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما طلبنا العزّ بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله ) !..
ألا ، فلتعلم هذه الأمة، أن كل حرف من حروف هذه الكلمات، يرتل نشيد وفاء مع الله عز وجل، تجاه ما قد أنجزه لتلك الحفنة من الوعد الذي قطعه على ذاته العلية لها.. هذا بالإضافة إلى الذوق العالي الذي تتألق به هذه الكلمات وتزدان به معانيها. لو ان عمر كسا جسمه ثياب الأبهو والفخار، وأقبل إلى أباطرة الشام مزهواً بها، لكان في ذلك ما يشعر بأن العرب (وإنما عمر ممثل لهم في ذلك الموقف ) إنما انتصروا وتغلبوا، بهذه الفخامة والمظاهر وفي ذلك تزييف للسبب الحقيقي، وتناس للفضل الإلهي الذي نصرهم مع ضعفهم، وأغناهم من فقر، وأعزهم من ذل، إذن يجب أن يراهم أباطرة الشام على حالتهم التي كانوا عليها، حتى يعلموا أن اليد التي انتشلتهم وسمت بهم إلى هذا الشأو الباسق، إنما هي يد الله عز وجل. وحتى يكون ذلك بمثابة إعلان منهم، بأنهم ليسوا مدنيين في ذلك كله إلا لمنة الله وفضله !..
ذلك هو الشعور العالي الذي كان يساور عمر الذي أصرّ ألا يراه زعماء الشام وأباطرته إلا بتلك المرقعة التي تنطق لهم بحقيقتين اثنتين:
أولاهما: افتقار العرب إلى أدنى مقومات النصر وتجردهم عن كل أسبابها المادية الطبيعية.
الثانية: اليد الإلهية التي رفعت لهم شأناً وخلدت لهم ذكراً وأورثتهم (وهم يتمرغون في ضعفهم وفقرهم) أجل درجات القوة والغنى.
أما نحن اليوم، أحفاد ذلك الرعيل، فلا نحن بالوظيفة التي كلفنا الله بها ننهض، ولا بوعده الذي قطعه لنا نثق، ولا بذلك الواقع التاريخي الناطق نعتبر !.. نتطوح ذات اليمين وذات الشمال، ونطرق كل الأبواب المذلة ما عدا باب اللله المعزّ !.. وتزيدنا التجارب التائهة خسارة إثر خسارة، دون أن نعود من هذه التجارب الخائبة والمخيبة، إلى الباب الذي دلنا عليه الله، وإلى العكوف على الوظيفة التي خلقنا الله لها وأقامنا عليها !..
المصدر: كتاب شرح الحكم العطائية الصفحة 88

تحميل



تشغيل