مميز
الكاتب: د. عبد الله الشامي
التاريخ: 19/01/2014

ردُّ فتوى مزيّفة

مقالات

في سبيل تحصين العقيدة والمنهج (3)
ردُّ فتوى مزيّفة
د. عبد الله الشامي
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شهدت الساحة العربية فتاوى كثيرة تتعلّق بهذه الحراكات التي لا زال البعض يصرّ على تسميتها بالرّبيع العربي، صدرت من علماء وأنصاف علماء أرباع وأعشار، ولن أقف عند كل تلك الفتاوى، بل سأقتصر هنا على مناقشة فتوى واحدة فقط، وهي تلك التي تؤيّد التظاهر، وتدعو الناس إلى الخروج في السّكك والساحات لإرغام الحكام على فعل الإصلاحات.
وحتى نكون لا نخرج عن دائرة الإنصاف، لا بدّ أن نقرّ بأنّ خروج من خرج في المظاهرات كان سابقاً على كلّ فتوى، ولم يكن تلبية لها، وإنّما جاءت الفتوى تسويغاً لأمر واقع، ومحاولة لإضفاء المشروعية عليه .. ولن أنصِّب نفسي قاضياً لأبرّئ من أفتى أو أدينه، ولا لأثني أو أزيّف وأجرّم، فليس ذلك من غرضنا، ولكنّ الغاية هي تقويم الفتوى بموضوعية، وبيان موقعها ممّا استقرّ عليه منهج أهل السّنة و الجماعة، حتى لا يُحَمَّل تبعة فتاوى خارجة عليه.
لقد استدلّ من أفتى بمشروعية التّظاهر ضدّ الحاكم، بدليلين.
أوّلهما هو فعله صلى الله عليه وسلم، كما هو مذكور في كتب السيرة، أنّه حين أسلم سيدنا عمر بن الخطاب وسيّدنا حمزة بن عبد المطّلب رضي الله عنهما، خرج المسلمون من دار الأرقم -الذي كان المسلمون اتّخذوه مكاناً لتجمعهم وتلاقيهم يوم كانت الدّعوة الإسلامية سرّيّة- ومشوا في صفّين يتقدّم أحدَهما سيدنا عمر والآخرَ سيدنا حمزة، وفيهم سيدنا رسول الله، إلى أن دخلوا الحرم الشريف .. وقالوا: فهذه مظاهرة أعلن فيها المسلمون عن دينهم، وكانوا يطلقون شعاراتهم الإسلامية التي تعبِّر عن عقيدتهم وشعائرهم، وذلك على سمع وبصر صناديد الشرك ورؤوس الكفر، بعد أن كانوا يتخفّوَن بإسلامهم، ولا يظهرونه خوفاً من الاضطهاد والتعذيب الذي كانوا يتعرّضون له على أيدي المشركين.
ودليلهم الثاني: هو أنّ التظاهر –على افتراض عدم وجود دليل شرعي على مشروعيّته- يدخل فيما يُسمّى بالمصالح المرسلة، وهي كل مصلحة لم يرِد في الشرع ما يشهد لها بالاعتبار ولا بالإلغاء، وقد أثبت الواقع والتجربة نجاعة هذا المسلك، وتحقيقه للمصلحة، فيكون اللّجوء إليه جائزاً، بل مطلوباً؛ لأنّه كما قال العلماء: (حيثما تحقّقت المصلحة فثَمَّ شرع الله) .. وقالوا إنّ هذه المظاهرات، وإن كانت غربية الولادة والمنشأ، وواحدة من مفرزات النّظم الديمقراطية، وحصيلة تجاربهم في سبيل إصلاح مجتمعاتهم، وتحريرها من الاستبداد؛ فإنّها لا تعارض الشرع، لأنّها ليست غايات في ذاتها؛ ولكنّها وسائل إلى الغايات، و للوسائل حكم الغايات، فهما كانت الغاية شريفة ونبيلة ومشروعة؛ اكتسبت وسيلتها أوصافها؛ فغدت وسائل شريفة ونبيلة ومشروعة .. ولمّا كانت الحريّة مطلباً إنسانيّاً، بل شرعيّاً؛ فقد كان لِزاماً على الناس السعي في سبيل تحصيلها، والتظاهرات من أفضل السّبل التي تفضي إلى تحصيلها.
فلنعرض هذا الكلام على الميزان العلمي الحيادي، لنتبيّن إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء، أو أنّه بخلاف ما زعموا.
أولاً- هل يصلح المثال الذي ذكروه دليلاً على جواز التظاهر مطلقاً، وهل يصحّ قياس مظاهرات ما يُسمّى( الربيع العربي) عليه؟. لا أحسب أن الفارق، بل الفروق الكثيرة والكبيرة بين هذه وتلك ممّا يخفى على مَن أعمل عقله وتدبّر؟.. إنّ الخروج من دار الأرقم كان بعد تشاور من أهل الرّأي، تمّ تحت إشراف قيادة محدّدة معروفة، هي أرشد وأنزه قيادة، وقد صدرت أمّة الإسلام آنذاك –وهم من كان في دار الأرقم- عن اتِّفاق، وقبِلوا جميعاً بما يترتّب على ذلك من النتائج، و كانوا جميعاً بالغين راشدين .. ثم هم خرجوا يسعَون من أجل إعزاز دينهم أمام عدوِّهم الكافر الحربي، وليس لغرض آخر، ولم يخرجوا لمواجهة الحاكم المسلم .. كما أنّ الجماعة المسلمة كانت على قلب واحد، وكانت محصَّنة بأخلاقها وصدقها وانقيادها لقيادتها الحكيمة، ومن ثمّ لم يكن ثمّة خوف من أن تُخترق من قبل أيّ متربّص يريد أن يندسّ بين صفوفها ليخرِّب ويفسد! .. فأين هي المماثلة بين الحالتين حتى يصحّ قياس هذه على تلك؟. أين هي قيادة هذه المظاهرات، ومتى وكيف حصل التّشاور والاتّفاق الواعي بين أهل الرّأي منهم، هل عُرِف أحد منهم، وهل خرجت للغرض ذاته من إعزاز الدّين، وهل أمِن الخارجون ألا يندسّ بين صفوفهم المخرّبون، ليزجّوا بالناس والبلاد في فوضى، لا يستطيع أحد أن يتكهّن بعواقبها، وهل كان الناس فيها على قلب واحد، وهل كانوا جميعاً على سويّة أخلاقية وتربوية مقبولة؟!.. إنّ كل واحد من هذه الفوارق التي ذكرتها كفيل بأن يظهر فساد قياس خروج الدّهماء في هذه الحراكات الغوغائية الطّائشة، على ذلك الخروج العزيز البطولي الواعي الحكيم من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضي الله عنهم .. وإذا كان هؤلاء الذين نصّبوا أنفسهم مفتين للأمة يجهلون هذه الحقائق، وكانوا جاهلين أيضاً بالبنية الهشّة لمجتمعاتنا - التي تعاني من شحّ قتّال في الوازع الدّيني والأخلاقي- فهم إذن ليسوا أهلاً للفتيا، وإن كان لهم اسم وشهرة؛ لأنّ من شرط الفتيا العلم بالحكم الشرعي، وكذلك معرفة الواقع الذي يفتى فيه، وهؤلاء المفتون لا أحسنوا هذا ولا هذه.
ثانياً- أمّا محاولة تخريجها على قاعدة المصالح المرسلة، فيجاب عنها بأنّ المصلحة المرسلة هي تلك المصلحة التي لم يشهد لها نصّ شرعي بالاعتبار ولا بالإلغاء، فهل الخروج على الحكّام الجائرين في ما يُسمّى بالمظاهرات السّلمية مصلحة، وهل سكت عنه الشارع؟. ألم ينهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن خلع اليد من طاعة ولاة الأمر، ولو كانوا فسقة ظالمين آكلين للحقوق؟. وذلك في أحاديث صحيحة كثيرة جدّاً، من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام عند مسلم، من رواية عَوْفِ بن مَالِكٍ عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عليهم، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ. قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟. فقال: لَا ما أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ، وإذا رَأَيْتُمْ من وُلَاتِكُمْ شيئا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، ولا تَنْزِعُوا يَدًا من طَاعَةٍ". وعند البخاري ومسلم: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا. قالوا: فما تَأْمُرُنَا يا رَسُولَ اللَّهِ؟. قال: أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ" ولم يقل عليه الصلاة والسلام: ثوروا عليهم سلميّاً، ولا بالسلاح .. وفي الحديث الآخر المتّفق عليه، الذي يرويه حُذَيْفَةَ بن الْيَمَانِ يقول: "كان الناس يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عن الشَّرِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي. فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كنّا في جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا الله بهذا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هذا الْخَيْرِ شَرٌّ؟. قال: نعم. فقلت: هل بَعْدَ ذلك الشَّرِّ من خَيْرٍ؟ قال: نعم وَفِيهِ دَخَنٌ. قلت: وما دَخَنُهُ؟. قال : قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ منهم وَتُنْكِرُ. فقلت: هل بَعْدَ ذلك الْخَيْرِ من شَرٍّ؟. قال: نعم، دُعَاةٌ على أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، من أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فيها. فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لنا. قال: نعم، قَوْمٌ من جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قلت يا رَسُولَ اللَّهِ فما تَرَى إن أَدْرَكَنِي ذلك؟. قال: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ. فقلت: فَإِنْ لم تَكُنْ لهم جَمَاعَةٌ ولا إِمَامٌ؟. قال: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ على أَصْلِ شَجَرَةٍ، حتى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ على ذلك" قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم:12/237: "في حديث حذيفة هذا لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ووجوب طاعته؛ وإن فسق وعمل المعاصي، من أخذ الأموال وغير ذلك، فتجب طاعته في غير معصية"، وقال ابن بطال رحمه الله في شرحه على صحيح البخاري:10/33: "هذا الحديث من أعلام النبوة، وذلك أنه -صلى الله عليه وسلم- أخبر حذيفة بأمور مختلفة من الغيب، لا يعلمها إلا من أوحى إليه بذلك من أنبيائه الذين هم صفوة خلقه، وفيه حجة لجماعة الفقهاء فى وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك القيام على أئمة الجور، ألا ترى أنه -صلى الله عليه وسلم- وصف أئمة زمان الشر فقال: (دُعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها) فوصفهم بالجور والباطل والخلاف لسنّته؛ لأنهم لا يكونون دُعاةً على أبواب جهنم إلا وهم على ضلال، ولم يقل فيهم: "تعرف منهم وتنكر"، كما قال فى الأولين، وأمر مع ذلك بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ولم يأمر بتفريق كلمتهم وشق عصاهم". فهل بعد هذا البيان من هؤلاء الأئمة الأثبات الثِّقات من بيان؟.
ثمّ على فرض أنّ التظاهر ضدّ الحاكم ممّا لم يرد الشرع بإنكاره وإلغائه، فهل هو ناجع ومحِّقق للمصلحة فعلاً؟. هل يجوز أن نغمض أعيننا عن الواقع الذي يُراد أن تطبّق فيه هذه التجربة، هل يُعقل أن تبلغ السّذاجة بمن ينتسب إلى العلم، ويعيش على كوكبنا هذا الذي نعيش فوقه، إلى حدِّ أن يغفل عن الحقيقة التي لا تخفى على من عنده أدنى معرفة بواقع الحياة اليوم، وهي أنّ بلداننا متخمة بجواسيس وعملاء ومخابرات لعشرات الدّول، التي تتربّص بنا سوءاً، ناهيك عن العدو الغاصب الأشدّ حقداً على المؤمنين، وهي إسرائيل التي تتربّص بالمسلمين، وبخاصة دول الطّوق؟ .. وكيف يجهل هؤلاء المفتون أنّ هذه المظاهرت الغوغائية تقدِّم أفضل خدمة للعدو، إذ تجعل من البلاد ساحة مفتوحة له، ليدخل من الأبواب العريضة –إن كانت بقيت هناك أبواب- بعد أن كان يتسلّل من الشّقوق؟!.
ولأختم حديثي بكلام أحد أئمة السادة المالكية، وهو أبو بكر الطّرطوشي، لنتبيّن الفرق بين العلماء الذين هم علماء بحقّ -أولئك الذين يفهمون الشرع، ويعلمون واقع المجتمعات الإنسانية والنّفس البشرية- وبين أدعياء العلم الذين يفتون على غير هدى ولا بصيرة، وسأتركك بعدها لتعيش مع أبعاد كلامه وأسراره وما انطوى عليه من الحِكَم، يقول رحمه الله: "ومثالُ السلطان القاهر لرعيّته ورعيةٍ بلا سلطان، مثال بيت فيه سراج منير، وحوله قيام من الناس يعالجون صنائعهم، فبينما هم كذلك إذ طفئ السراج، فقبضوا أيديَهم في الوقت، وتعطّلَ جميعُ ما كانوا فيه، فتحرّكَ الحيوان الشرّير وتخشخش الهوام الخسيس، فدبّت العقرب من مَكْمَنها، وفسقت الفأرة من جُحرها، وخرجت الحيّة من معدِنها، وجاء اللِّص بحيلته، وهاج البرغوث مع حقارته، فتعطّلت المنافع، واستطالت فيهم المضار. كذلك السلطان إذا كان قاهراً لرعيته وكانت المنفعة به عامة، وكانت الدِّماء به في أُهُبها محقونة، والحُرَم في خدورهنّ مصونة، والأسواق عامرة والأموال محروسة، والحيوان الفاضل ظاهراً، والمرافق حاصلة، والحيوان الشرير من أهل الفسوق والدعارة خاملاً، فإذا اختلّ أمر السلطان دخل الفساد على الجميع، ولو جُعِلَ ظلمُ السلطان حَولاً في كِفّة؛ كان هرج الناس ساعةً أرجح وأعظم من ظلم السلطان حولاً، وكيف لا، وفي زوال السلطان أو ضعف شوكته سوقُ أهل الشرّ ومكسب الأجناد، ونفاق أهل العيارة والسوقة واللصوص والمناهبة؟ قال الفضيل: جور ستين سنة خير من هرج ساعة، فلا يتمنى زوال السلطان إلا جاهل مغرور، أو فاسق يتمنى كل محذور، فحقيق على كل رعية أن ترغب إلى الله تعالى في إصلاح السلطان، وأن تبذل له نصحها وتخصه بصالح دعائها، فإنّ في صلاحه صلاح العباد والبلاد، وفي فساده فساد العباد والبلاد. وكان العلماء يقولون: إن استقامت لكم أمور السلطان فأكثروا حمد الله تعالى وشكره، وإن جاءكم منه ما تكرهون وجِّهوه إلى ما تستوجبونه منه بذنوبكم، وتستحقونه بآثامكم، فأقيموا عذر السلطان بانتشار الأمور عليه، وكثرة ما يكابده من ضبط جوانب المملكة، واستئلاف الأعداء ورضاء الأولياء، وقِلّة الناصح وكثرة المدلِّس والفاضح".
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تحميل