مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 15/01/2014

مشكلة الجدلية المضنية بين المعلم والتلميذ

بحوث ودراسات

لو أتيح لأحدنا أن يجلس فيعلم نفسه، لاستراح وأراح، ولما برزت المشكلة التي أصبحت اليوم بحاجة إلى حل، وهي: المعلم والتلميذ، أيهما التابع وأيهما المتبوع؟

ولكن، نظراً إلى ثقتنا المطلقة بالله وبحكمته، فقد أيقنَّا أن الخير كله فيما قضى الله وقدَّر.. أيقنا أنه لا بدَّ لسعادة الجنس البشري من التآلف.. ولا تآلف بدون تعاون. ولا يتحقق التعاون إلّا عند الاحتياج. ومن أبرز مظاهر الاحتياج ما لا مناص منه، من حاجة الجاهل إلى المعلم!..

إذن فلا بدَّ إن كانت السعادة مطلبنا الحقيقي، من الاستسلام لهذا التدبير الرباني، بل لا مفر من الثقة المطلقة بأن في ذلك الخير كلّه.. لا بدَّ لعملية التعلم من ركنين أساسيين: معلم ومتعلم. ولا بدَّ أن يؤدي كل منهما ضريبة النظام الرباني، في علاقة ما بين هذين الطرفين، وهي تتلخص في أن يخلص الأول منهما في عملية البيان والتعليم والإرشاد، وأن يوليه الثاني في مقابل ذلك كامل ثقته.

ولا فرق في هذا بين أنواع العلوم، بل هي سنة ماضية في علوم الدنيا والآخرة مهما تعددت أو تنوعت.

غير أننا نشهد في هذا العصر جدلية عجيبة في طريقة التعلم والمعرفة، لا سيما في نطاق المعارف الدينية وأصول الدعوة الإسلامية، ففي الذي يُطلب من المعلم أو الداعي أن يعلَّم الناس وينشر الدعوة الإسلامية على أصولها السليمة، يطلب منه أيضاً أن يستلهم قواعد هذه الأصول وضوابطها من العامة الذين يعلمهم أو يثقفهم ويرشهم!..

ومهما كانت منطلقات العامة ومقاييسها في الفهم والحكم واتخاذ القرارات، مزاجية ونفسية، ومهما كانت بعيدة عن المنطق وقواعد الدين، فإن على المرشد أو المعلم أن يتبع ما تحكم به أمزجة هؤلاء العوام وتتشهاه أهواؤهم النفسية!..

والثقة هنا أيضاً واردة ومطلوبة، ولكن عن تنعكس فتتحول إلى ثقة العالم بالعامة الذين يعلّمهم، بدلاً من أن تكون ثقة الجاهل أو العامي بالعالم الناصح الذي يتلقون منه!..

وواضح أننا إنما نتكلم هنا على العالم الذي ثبت فعلاً أنه عالم واتضح فعلاً إخلاصه في تعليم الناس ودعواتهم إلى الله عزّ وجلّ، وتبيّن أنه لا يمتطي عمله هذا في السعي به إلى مغانم أو ليفرّ به من مغرم. أقصد المغانم والمغازم الدنيوية طبعاً.

ترى كيف يمكن أن تسير عملية التعريف بالإسلام ودعوة الناس إليه على نهج سليم، عندما تخضع لهذه الجدلية المقلوبة؟

وإذا ثبت بطلان الأخيلة الجدلية في عالم المادة وتطوراتها، فكيف يمكن لهذا البطلان أن يتحول إلى حق، عندما تتسرب هذه الأخيلة إلى نطاق بث الدعوة الإسلامية والتعريف بالإسلام وحكمه؟!..

ولكن، مما لا ريب فيه أن مشكلة الخضوع لهذه الجدلية المتناقضة، تقع في بعض الأحيان علي عاتق العلماء أنفسهم.. فقد استقر لدى هذا البعض منهم أن يحترم العامة وتبجيلهم لهم، يجب أن يكون رأس مال حياتهم الحياة الاجتماعية، بل ينبغي أن يشكَّل الدعامة الأولى للقيمة العلمية التي يحملونها ويتعاملون بها بين الناس!..

ومن المؤلم حقاً أن هذا التطلع أو التصور، لا يحوم إلّا في أذهان بعض علماء الدين!..

فأنت لا تجد، ولعلك لم تسمع بأن عالماً من علماء الطبيعيات، أخلص لرغبات الناس وأمزجتهم، بدلاً من أن بخلص لحقائق علمه، وما أظن أنك قد رأيت أو سمعت قط، عن أحدٍ منهم جعل من أهواءهم الناس وأمزجتهم سلَّم الصعود إلى السُّمو والمجد.. بل كان الناس ولا يزالون هم الذين يخضعون رغباتهم وأهواءهم لقرارات هؤلاء العلماء وأحكامهم دون العكس.

ترى ما سرُّ هذه المفارقة، بل هذا التناقض بين موقف علماء الطبيعة والدنيا، وموقف بعض علماء الدين الإسلامي؟ لماذا يخلص أولئك لعلومهم بمقدار ما بخلص هؤلاء لأمزجة الناس وأهوائهم؟! وكلمة (الناس) هنا تشمل –كما هو واضح- فئاتهم وطبقاتهم جميعاً بمن فيهم من القادة والحكام.

لست أدري لذلك، إلى الآن، إلّا سراً واحداً،هو أن ثمرات الإخلاص للعلوم الدنيوية ماثلة وجاهزة.. ومن ثم فلا موجب لأي تفريط فيها أو تضحية بها، حتى ولو أثمرت هذه التضحية بها، حتى ولو أثمرت هذه التضحية سمعة طيبة بين الناس. أما ثمرات الإخلاص لعلوم الدين وأعمال الدعوة والإرشاد، فمؤجلة ومخبوءة في تلافيف الغيب عند الله.

وكما قلت لك، إن الناس الذين أعينهم هنا هم كل الناس بمن فيهم القادة والحكام والمواطنون من عامة الشعب.

والقرار العلمي الحق في ذلك كله، هو أنه ما ينبغي للعالم، أياً كان، أن بصانع أياً من فئات الناس، على حساب الحقائق العلمية، دينية كانت أو دنيوية. وما ينبغي أن يصطنع البطولة في إغضاب أيّ منهما لإرضاء الآخر.

ويقيننا الذي لا ريب فيه، أن الذين يتقربون إلى عامة الناس، باستثارة الحكام والطعن فيهم، ليسوا أقل سوءاً ممن يتقربون إلى الحكام بظلم الناس أو الإساءة إليهم، وما دام القصد في الحالين شيئاً غير مرضاة الله عزّ وجلّ، أو غير الانتصار للحق من حيث هو.. ذلك لأن الخطأ لا تتفاوت خطورته باختلاف مصدره، كما أن الصواب لا تتناقص قيمته من أجل السبب ذاته.

وإذا تأملت في حال الكثير ممن يصطنعون البطولات في مواقفهم السلبية أو خصوماتهم مع الحكام، علمت أنهم إنما يصبّون بطولاتهم هذه في مواقفهم الاسترضائية من عامة الناس.. فأي رصيد يبقى لهذه البطولة التي لا تكتسح في طريقها إلّا الحقيقة العلمية، التي تتم التضحية بها من خلال مناورة بسيطة، استرضاءً للرغبات، واستدراراً لثناءات الناس؟!..

وانظر، لتزداد هذه الحقيقة جلاء أمام بصرك وبصيرتك، إلى فرق ما بين هذين الموقفين التاليين في مثاليين واقعيين:

1- كنا نناقش في أمر من أمور الدعوة الإسلامية وأصولها، وكنت أبرر هذا الموقف وأدعو إليه موقناً بأنه الحق..فقال لي صاحبي –وهو واحد من رجال الدعوة والعلم-: يجب أن نراعي رضا الناس، ونكون على حذر من سخطهم وانتقادهم!.. وواضح أنني لم أجد سبيلاً، بعد أن قال هذه الكلمة، إلى مناقشته، أو أملاً في تغيير رأيه.

فهذا الموقف الأول، وإليك الموقف الثاني:

2- في نهاية لقاء جماهيري كبير، سئل أحدهم –والمسؤول هنا أيضاً واحد من رجال الدعوة وأهل العلم- عن موقفه من أزمة معينة استأثرت باهتمام الناس.

فقال مجيباً: إن كان هذا السؤال امتحاناً لي، كي تصنفوني، في النتيجة، في قائمة المرضِّي عنهم، أو المغضوب عليهم، فليضعني السائل سلفاً في أي القائمتين شاء. وإن كان السؤال صادراً عن رغبة في المعرفة وعن استعداد للاستفادة، فبوسعي أن أجيب عن كل ما هو مطلوب، إذ هي وظيفتي التي أقامني الله عليها في هذه الحياة. *

فانظر إلى بعد ما بين هذين الموقفين، بل تأمل في الأثر الاجتماعي الخطير الذي يحدثه كل منهما.

ولكنا نعود فنقول: فهب أن واحداً من هؤلاء العامة، اعتذر بأنه لا يستطيع أن يقصي عواطفه المحبة أو الكارهة، عن مجال الحكم على مواقف العلماء والدعاة الإسلاميين، نظراً إلى أن الشأن في كثير من الأحداث والمشكلات الجارية، أن تجمِّع في قاع النفس البشرية، عند جمهرة كبيرة من الناس، كثيراً من مشاعر المرارة أو الكراهة تجاه أشخاص أو أحداث أو مواقف. ومهما خالف المنطق هذه المشاعر، فلا مناص من التأثر بها أو الخضوع لها، كما أنه لا سبيل إلى التحرر منها.

ولذا فهما اتخذ الدعاة والمرشدون مواقف مخالفة لمشاعرهم هذه، لا بدَّ من أن تكون الغلبة لما توحي به مشاعرهم تلك، لا للحق أو المنطق الذي يقرره أولئك المرشدون والدعاة.. فما العمل، وما السبيل في هذه الحالة للقضاء على سلطان هذه المشاعر؟

وأقول في الجواب: إن المشكلة في أصلها إنما تكمن في تغليب مشاعر النفس وأهوائها على موازين العقل وأحكامه، وهي مشكلة قديمة ومستعصية.

ولكن، ما أيسر أن تقضي التربية الإسلامية الصحيحة عليها. وما أكثر ما تحدَّث القرآن عنها، وحذّضر منها، ألم يقل الله عزَّ وجل: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السّموات والأرض) أو لم يقل أيضاً: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)

إن سبيل حل هذه المشكلة ميسر ومفتوح، وهو سبيل التشبع بالإسلام وهديه، وشعور القلب بعظمة الله تعالى والمخافة منه.

وانت تعلم أن الانتماء إلى الإسلام شيء والتشبع أو الاصطباغ بهدي الاسلام شيء آخر. فما لم يصطبغ المسلم بحقائق الإسلام، حباً ومهابة وتعظيماً، فلسوف تظل الأهواء هي الحاكمة على العقل. وما أيسر، عندئذٍ، أن يحتال الإنسان للتوفيق بين مقتضيات أهوائه ومظاهر إسلامه.. بل ما أيسر أن يجعل من إسلامه محامياً عن مطالب أمزجته وأهوائه.

فلئن كان هؤلاء الناس يعرفون بأن رواسب الأهواء هي المشكلة التي تأسرهم وتقود مشاعرهم، فما عليهم، بادئ ذي بدء، إلّا أن يعترفوا بهذا الذي يعرفون، حتى لا يلبّسوا على أنفسهم ولا على الناس، ولا يصوروا لهم الباطل حقاً والحق باطلاً.. ثم عليهم بعد ذلك أن يأخذوا أنفسهم بتربية إسلامية جادَّة، طبقاً لما هو مرسوم في كتاب الله وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم.. فإن من شأن ذلك أن يحررهم من سلطان أهوائهم وعصبياتهم، وأن ييسر لهم الإصغاء إلى صوت العقل واتباع أحكامه.

وقد يبدو هذا الأمر عسيراً. ولكن مهما يكن فإن من اليسير أن ينطق أحدنا لسانه بالحق الذي يعرفه، وإن كان لا يستطيع التعامل معه.. وهذه خطوة مباركة كبيرة، وهي كافية مبدئياً لحل المشكلة.

بل إنه لجهاد مبرور أن يعرض أحدنا عن نداء غرائزه وأهوائه، ليذعن لقرارات عقله وأحكام دينه، وإن لم يتجاوز الأمر مرحلة الاعتراف والإذعان.. ولا شك أن الثبات والاستمرار في الإذعان للحق، مع الاستعانة بذكر الله ومراقبته سيخمد أخيراً جذوة تلك الأهواء، وسيهيمن صوت العقل والحق، ويتحول الصراع إلى سكينة ورضا.

ولكن، أين هو ذكر الله، وأين هي مواقيته، من حياة أكثر المرشدين والدعاة إلى الله، قبل أن نقول: من حياة هؤلاء العوام من الناس؟.. لقد قلت، ولا أزال أقول: إنه الجانب المنسي في حياة كثير من المسلمين اليوم.

بقي أن نعلم الواجب المترتب، في حلّ هذه المشكلة، على الطرف الآخر.. أي على العالم المهتم بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الله عز وجل.

إن الواجب على العالم المهتم بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الله عز وجل، أن يتحقق فيه أولاً العلم بعقائد الإسلام وأحكامه، وبآداب الدعوة إلى الله والمنهج الشرعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم التقيد بذلك كله.

ومن المعلوم أن كلمة (العالم) أو (مرشد) أصبحت اليوم ثوباً فضفاضاً يتسع لأشكال وفئات شتى من الناس، فيهم العالم فعلاً والجاهل وأنصاف العلماء، والمتذرعون بمهنة التعليم والإرشاد إلى غايات وأهداف دنيوية مجردة.

والمطلوب منه ثانياً أن يخلص في دعوته إلى الله عز وجلّ، فلا تتغلب عليه رغبة في مال أو شهوة أو زعامة أو منصب.. ولا تقوده في طريقه هذا مخافة من غير الله ولا مطمع في غير مرضاة الله. وسيان أن يكون هذا (الغير) متمثلاً في سطوة القادة والحكام، أو في انتقاد الناس وسلاطة ألسنتهم.

والحق أن الإخلاص لوجه الله سرٌّ يضعه الله عز وجل في قلب من أحب من عباده، فلا يُنال بالمصانعة والتكلف. ولكن يمكن أن يناله الإنسان بالإكثار من مراقبة الله وذكره، وبدوام التضرع والالتجاء إليه.

والمطلوب منه ثالثاً أن يسلك مسالك الحكمة في كل ما هو بصدده، ومع فئات الناس كلهم.

والحكمة في سلوك أقرب الطرق إلى بلوغ الغاية، على أن يكون هذا الطريق مشروعاً غير محرم.. وهذا يعني أن الحكمة غير محصورة في مسالك الرقة واللين، كما أنها ليست متناقضة مع مسالك القسوة والشدة دائماً. وإنما العبرة في مشروعية موافقتها أو مخالفتها لكل من اللين والقسوة، ملاحظة مدى القرب أو البعد من الغاية المطلوبة.

ومن المعلوم بداهة أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حكيماً في دعوته المسالمة إذ كان في مكة، وكان حكيماً في جهاده القتالي عندما استقر في المدينة.

ومن المهم أن نعلم أن الحكمة في الدعوة –بعد الانضباط بأحكامها وقواعدها- لا تنبثق من قواعد محددة وأصول معينة مرسومة.. ومن قم فهي لا تخضع لإمكان النقاش في ضوابطها والتعريف بالكيفية الدقيقة في ممارستها. كل ما في الأمر أن الساحة التي نتحرك فيها يجب أن تكون خالية من المحرمات والمنهيات الشرعية، وأن العمل ينبغي أن يكون منضبطاً بموازين الشرع وأحكامه.

[لقراءة البحث كاملاً اضغط الملف أدناه]

تحميل