مميز
الكاتب: د. عبد الله الشامي
التاريخ: 05/01/2014

مَن المسؤول عمّا جرى لسورية؟

مقالات

في سبيل تحصين العقيدة والمنهج (1)
مَن المسؤول عمّا جرى لسورية؟
د. عبد الله الشامي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إنّ نزول النكبات والأهوال بالناس لهومصيبة، ولكن ما هوأعظم من ذلك، أن تكون هذه النكبات سبباً لفتنة الإنسان في دينه، وباباً يتسلّل منه الشكّ إلى عقيدة المسلم؛ ذلك أنّ مصائب الدّنيا مهما كانت عظيمة فإنّ لها نهاية، وإذا وفّق الله تعالى الإنسان للصّبر عليها، كانت كفّارة لذنوبه ورفعاً لدرجاته، أمّا مصيبة الدين فهي زيادة في الإثم، وقد تكون سبباً لشقاء أبديٍّ لا نهاية له.
وإنّ ما نراه اليوم في سورية الحبيبة لهوابتلاء عظيم، ومصيبة من أعظم المصائب في تاريخ أمّتنا، ونسأل الله تعالى أن يجعل ما كان فيها من النّقص في الأموال والأنفس والثمرات زيادة في اليقين، وأن يعوِّضنا عمّا كان فيها من نقص الأمن سبباً للأمن يوم الفَزَع الأكبر.
وقد كتبت هذه الأسطر، لأبيّن من خلالها، أن ما يجري ينبغي أن يزيدنا يقيناً بصحّة عقيدتنا، وقناعة بصواب منهج أهل الحقّ، الذين هم أهل السُّنّة والجماعة؛ فالحاجة إلى ذلك ملحّة؛ لا سيّما أن كثيراً من المسلمين ساهم في إيقاد نار هذه الفتنة، وسعى في طريقها باسم الغيرة على الدّين والدِّفاع عنه .. وإنّ هذا ما يجعل أهل الضّلال يحمِّلون الإسلام ذاته مسؤولية هذه المصيبة التي حلّت بنا، ومن هذا الطّريق ينادون ويعملون من أجل الكيد للإسلام، لإقصائه والقضاء عليه.
وها أنا أبيّن زيف دعوى هؤلاء، ببيان أنّ ما جرى لم يكن الإسلام سبباً فيه، ولكنه حدث من جرّاء مخالفة تعاليم الإسلام، وأبدأ كلامي بسوق هذا الموقف التاريخي المشهود- الذي ذكره الخلاّل في كتاب السنة- لإمام من أعظم أئمّة المسلمين، هوالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، إبّان محنة خلق القرآن، التي ناله فيها الأذى الشديد وذاق بسببها العذاب الأليم، فقد جاءه علماء وفقهاء غيارى، وأخبروه عن عزمهم على الخروج على الحاكم، وطلبوا منه أن يكون معهم في هذا الخروج، وكان من حجّتهم أنّ الحاكم قد أفرط في جَوْره، فلقد حمل الناس قسراً على عقيدة فاسدة، وأنزل العذاب بالعلماء الذين لم يستجيبوا لباطله .. وكانت غيرة هؤلاء العلماء صادقة، فلم يحرِّك فيهم نيّةَ الخروج سوى الانتصار لدين الله تعالى .. ولكنّ الإمام أحمد نهاهم عن ذلك بعد أن ناظرهم، ثمّ قال لهم: عليكم بالنّكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، انظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بَرٌّ أويُسْتراح من فاجر .. وقال لهم أيضاً: إنّ هذا – أي نزع أيديهم من طاعة هذا الإمام الجائر- خلاف الآثار التي أُمرنا فيها بالصّبر .. وقال لهؤلاء الذين عزموا على الخروج: سبحان الله! الدِّماء الدِّماء! لا أرى ذلك، ولا آمر به، الصّبرُ على ما نحن فيه خيرٌ من الفتنة، يُسْفَك فيها الدِّماء، ويُستباح فيها الأموال، ويُنتهك فيها المَحارم؛ أما علمت ما كان الناس فيه(يعني أيام الفتنة)؟ قيل له: والناس اليوم، أليس هم في فتنة يا أبا عبد الله؟ قال: وإنْ كان، فإنّما هي فتنة خاصّة (أي هي على العلماء فقط)، فإذا وقع السّيف عمَّت الفتنة، وانقطعت السُّبل.
ولا بأس أن أنقل كلاماً لابن تيمية رحمه الله في هذا؛ ذلك أنّ كثيراً ممّن هيّج ويهيّج لهذه الفتنة يدّعي الانتساب إليه، قال في منهاج السنة 3/391: "المشهور من مذهب أهل السُّنّة: أنّهم لا يرون الخروج على الأئمّة وقتالهم بالسّيف، وإن كان فيهم ظلم، كما دلّت على ذلك الأحاديث الصّحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنّ الفساد في القتال والفتنة أعظمُ من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فليُدْفع أعظم الفسادَيْن بالتزام أدناهما. ولعلّه لا يكاد يُعْرَف طائفة خرجت على ذي سلطان، إلاّ وكان في خروجها من الفساد ما هوأعظم من الفساد الذي أزالته" وكذلك أمر رحمه الله بالصّبر على استئثارهم –أي استئثار أئمّة الجَور بالأموال والمغانم- ونهى عن مقاتلتهم ومنازعتهم الأمر مع ظلمهم؛ لأنّ الفساد الذي ينشأ عن الفتنة أعظم من فسد ظلم ولاة الجور.
أكتفي بذكر هذين القولين، وهما موافقان لأقوال الآلاف المؤلَّفة من علمائنا وفقهائنا.
وها نحن نعاين ما حذّر منه هؤلاء الأئمّة، ونشاهده واقعاً، ها هي أنهار الدِّماء تجري في سوريا، وها هي الحرمات تُنتهك، وقد نزل البلاء بعامّة الناس حتى لم يسلم منه أحد، وانقطعت السُّبل حتى صار الانتقال من بلد إلى بلد -بينهما أقلّ من مسافة القصر- أشدّ من الانتقال من قارّة إلى قارّة أخرى، وأصعب من اجتياز المحيطات والأرض المُسْبِعة.
وربّما قال قائل: إنّ الأقوال التي ذكرتها إنّما تنهى عن الخروج بالسّيف والقتال، والناس لم يفعلوا ذلك، بل خرجوا خروجاً سلمياً، والحاكم هوالذي بدأ بالقتل، فاضطر الناس للدِّفاع عن أنفسهم .. نقول في الجواب على هذا الإشكال –على فرض التّسليم بأنّ ما قالوه صحيح-: إنّ الإمام أحمد قال الكلام السابق للفقهاء، في وقت كانوا فيه ساكتين، وكان الحاكم يجبرهم على التكلّم بما يوافق هواه ويخالف العقيدة، وكان يسجنهم على ذلك ويضربهم الضّرب الأليم، وقال لهم الإمام رحمه الله: قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "وإن ضربك فاصبر".
وكذلك يُرَد على هؤلاء، بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمِّروا أحدكم" والسّفر اجتماع عارض، ومع ذلك لم يرضَ عليه الصلاة والسلام أن يكون ثلاثة من أمته في سفر ليس عليهم أمير، فأين هوأمير هذه الأمم التي خرجت إلى الساحات والشّوارع والسِّكك، مع أنها كانت تسعى في أمر خطير جدّاً؟.. أليس هذا مخالفاً مخالفة صريحة لهديه عليه الصلاة والسلام؟ وإذا خالف الناس أمره كان طبيعيّاً أن يقعوا تحت طائلة التهديد الرّبّاني: [فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ].. وها نحن نرى الفتنة، ونرى العذاب الأليم، ونسأل الله السلامة والفرج العاجل، ونعوذ به ممّا تخبّئه لنا قادمات الأيام.
من أجل هذا نقول: يجب أن يعلم الناس جميعاً أنّ الإسلام لا يتحمّل ذرّةً من مسؤولية ما يجري اليوم في سوريا ولا في غيرها، وحاشا دين الله تعالى، وحاشا منهج أهل الحقّ (أهل السنة والجماعة) أن يزجّ بالناس في مثل هذا التّيه الخانق، والأتون الحارق .. إنّ هذا الذي يجري إنّما هو بسبب الانحراف عن المنهج الحق، فمن ذلك تولّدت المشكلة، ثمّ تفاقمت ثم تضاعفت، إلى أن تحوّلت إلى هذا الداء العضال، الذي هو أشبه ما يكون بسّرطان خبيث، يتمدّد فوق رقعة البلاد كلّها، وينتشر في قوّة بُركان هائج يقذف بحُمَمه ذات اليمين وذات الشمال، حتى يوشك – والعياذ بالله- أن يمتدّ لهيبه ليحرق كل ما يحيط بنا من الجوار القريب والبعيد.
ألا، ما كان أغنانا عن هذا الهول الفظيع والفتك الذّريع الذي جلبناه على أنفسنا، لو أنّنا اتّبعنا تعاليم ديننا، واستهدينا بمواقف العلماء الرّبّانيّين.
لا يتبرّمنّ أحدٌ بهذا الكلام، ولا تقولنّ فات أوانه، فإنّني لم أكتب هذه الكلمات لأوقف بها الفتنة، ولكن لأحصِّن بها العقيدة .. على أنّ بداية العلاج وأساسه هومعرفة سبب الدّاء، ولا تقولوا: قد ذُكِّرْنا بهذا .. إذ ما قيمة تذكير لا يكون معه ذكرى واعتبار .. لا بدّ أن يُكرَّر التذكير ويستمرّ حتى يتحقّق الانتفاع به.
والأمر الثاني الذي يجب الوقوف عنده، هوموقف هؤلاء الذين أسهموا في إيقاظ هذه الفتنة من حيث لا يدرون، ومشى كثير منهم في سبيلها بنيّة حسنة، وقصد بتحرّكه الإصلاح ودفع الفساد .. هل عليهم مسؤولية، وهل هم مؤاخَذون شرعاً؟.
أقول في الجواب على هذا السؤال: النيّة الحسنة وحدها لا تشفع لصاحبها، بل لابدّ مع ذلك من العلم والأهليّة، فمن اجتهد فيما يجهله كان آثماً، وعرّض نفسه لسخط الله؛ لأنّ شرط القبول هو الإخلاص والصّواب، أي موافقة الكتاب والسنّة، ولا يتأتّى ذلك إلا للعالم .. وكيف يكون معذوراً في سعيه في هذا الأمر العظيم على غير هدى، ولو عرض لسيّدنا عمر ما هوأقلّ منه بكثير لجمع له أهل بدر رضي الله عنهم، ولما صدر فيه عن رأيه فقط؟!.
ولكنْ ما ينبغي أن نذهل عن أهمّ عبرة يمكن أن نجنيها من هذه الكارثة التي نزلت بساحتنا، وهي أن نعلم أنّه كما ينبغي أن نسعى إلى الغايات التي حدّدها الشرع، فإنّه يجب علينا أن نتّبع الوسائل المشروعة لبلوغ تلك الغايات، وأنّ الشرع كما وضع لنا الغايات وضعنا أمام السُّبل المشرَعة إليها، وألزمنا بها، ولم يجعلنا أحراراً في اتِّخاذ ما نشاء من الوسائل.
ثم يجب علينا كذلك، أن نتحلّى بالشّجاعة فنُنصِف من أنفسنا، وذلك بأن يعترف كلُّ من أسهم في تهييج الناس لهذه الحَراكات الشّعبية الغوغائية التي يسمّونها (الربيع العربي) أن يعترف بضعف رأيه، وقصور مداركه، وأن يكفّ عن الكلام في المسائل التي هي أكبر من عقله.
ثم علينا أن نكُفّ عن خِداع أنفسنا، وأن نسمّي الأشياء بأسمائها الصحيحة التي تتطابق مع حقيقتها، فلا نقول: (الرّبيع العربي)، بل نقول بملء أفواهنا: (الإعصار العربي الهائج المدمِّر).
والحمد لله رب العالمين

تحميل



تشغيل