مميز
الكاتب: الكاتب: محمد سليمان
التاريخ: 29/12/2013

فضيل -قصة قصيرة-

مشاركات الزوار

فـُـضَـيــــل
قصة قصيرة
الكاتب: محمد سليمان
تدور أحداث هذه القصة في زمن لم يعرف
أهله وسائل الاتصال والتكنولوجيا التي نعرفها،
ولكن القيم عندهم، التي بها يمكن تشخيص
مشكلتهم وحلها، هي هي التي نحتاجها.
تترنح سفينة الرخاء الشراعية الكبيرة في بحر مضطرب وقد رُفعت أشرعتها، تتقاذفها الأمواج من أمامها ومن خلفها منذرةً بعاصفة عاتية، لم يبق للسفينة من اسمها نصيب سوى نقش على ألواحها لا يلبث أن يظهر طافياً حتى تغمره مياه البحر الغاضبة، وما إن ينغمس حتى يدفعه البحر عنوة فوق الماء، يغشى السفينة قلق وهلع ألم بركابها الأربعين، فلا يُسمع فيها إلا هدير الريح وزمجرة البحر وصياح الركاب المجتمعين مع القبطان في قاعة الطعام وهم في هرج يتلاومون.
يقف القبطان رامز خلف طاولة مستطيلة وعلى جانبيه أربعة ملاحين وأمامه عشرون مسافراً من التجار يتقدمهم سعدون ورفاقه رافع وجابر وحمدان، ومع هؤلاء يقف الطبيب فضيل وستة آخرون من المسافرين الذين همهم السلامة لكنهم وجدوا أنفسهم كالحبوب بين قطبي رحى التجار، ما عسى السبعة أن يصنعوا وهم يرون الأمواج تصب حمم الموت عليهم أو تراه الموت استجلب الموجَ إليهم؟ أقنع الطبيب فُضيل المسافرين الستة بالتروي حتى يتمكن من محاورة التجار، وبعد لأي استطاع كبح جماح صابر وأخيه جميل اللذين أوشكا أن يصطدما بسعدون التاجر.
- " أنت المسؤول أيها القبطان" قال سعدون بغضب، وأردف بنبرة سخط متصاعد: " ألم تكن تعلم أن السفينة غير صالحة لتمخر أعالي البحار فتهدد أرواحنا وبضاعتنا؟ "
- " لقد أوضحت لكم حقيقة الموقف" قال القبطان رامز بحزم "فاجأتنا العاصفة وفرص عبورها بسلام ضئيلة بسبب الحمولة الزائدة من البضائع، وسنكون في حال أفضل إذا تخلصنا من الحمل الزائد، على السفينة أربعون شخصاً، اثنان وعشرون منهم أصحاب بضائع؛ أنا أحدهم، فأرجو التعاون قبل الغروب، وإلا سأضطر والملاحين إلى إلقاء ما نستطيع إلقاءه من الأشياء في البحر"
"من أصحاب الحمولة الزائدة؟" "من أجاز تحميل بضاعة فوق طاقة السفينة؟" "أرواحنا أغلى من البضاعة!" أسئلة وهتافات ارتفعت بها حناجر بعض الركاب، وماج الناس داخل السفينة كالموج الذي يعصف بها من خارجها حتى هتف بهم صوت أجش "يا قوم، اسمعوا" التفت الجميع إلى فضيل بقامته المعتدلة، وهو رابط الجأش، يظهر عليه الاهتمام دون جزع والحرص على النجاة بغير هلع، عدّل قبعته على رأسه ومضى يقول:
- "لا جدوى أيها السادة من تبادل اللوم وتقاذف المسؤولية. الوقت يمر، والحل واضح. نحن بحاجة للتخلص من جزء من حمولة السفينة، أنا طبيب ولست من أرباب التجارة، ومثل بعض الركاب لا أحمل إلا أمتعتي الشخصية، وإذا اقتضى الأمر التخلص من متاعي لإنقاذ السفينة فلن أتردد أو أجادل بأنه خفيف لا يقدم أو يؤخر في خضم هذه العاصفة الهوجاء"
قال سعدون مخاطباً الطبيب: - "لو كان جميع ما تملك من رأسمال التجارة في بطن هذه السفينة لما هان عليك أن تلقي به لأسماك البحر"
والتفت سعدون إلى الركاب المحتشدين لدى القبطان وقال: "لقد كلفني التجار بأن أتفق مع القبطان على الإجراء الواجب القيام به لإنقاذ السفينة، وما لم يقله القبطان المحترم لكم هو أن سرحان القابع في حجرته له وحده حمولة زائدة تعادل الحمولة الزائدة لدى صغار التجار الآخرين الذين أتحدث باسمهم، فمن السبب في الخطر الذي يتهددنا الآن؟ ولماذا لا نرى التاجر الكبير سرحان في هذا الاجتماع؟ لن يسمح أي تاجر من الركاب بالتخلص من جزء من بضاعته إذا لم يضح سرحان أولاً بحمولته الزائدة"
- "أتعجب لهذا النزاع بين صغار التجار وسرحان، وكيف يوضع رأس مال التجارة في كفة وأرواح الركاب في كفة أخرى" قال الطبيب وتابع موضحاً "إن كنتَ تتحدث باسم صغار التجار، فاسمحوا لي أن أتحدث باسم غير التجار، وهم ثمانية عشر راكباً كما فهمت من القبطان، نحن لا نتحدث عن إنقاذ السفينة بالمعنى التجاري، بل همنا إنقاذ أرواحنا وأرواحكم قبل كل شيء"
عقد سعدون حاجبيه وقال: -"ليس على حسابنا طالما يمكن إنقاذ أرواحنا وتجارتنا بالتخلص من بضاعة سرحان، خسارة تاجر واحد لجزء يسير من ثروته الكبيرة أفضل من أن يخسر كل تاجر من صغار التجار العشرين أكثر من نصف ثروته أو رأسماله"
وتابع بلهجة المتوعد " قرارنا هو التخلص من بضاعة تاجرين: سرحان الذي لم يقبل حتى حضور هذا الاجتماع، والقبطان الذي سمح بالحمولات الزائدة ابتداء، ولتعلم أيها الطبيب أن من الركاب الثمانية عشر الذين تتحدث باسمهم نفر هم حرس سرحان السبعة الذين يحمونه بسيوفهم وآخرون هم ملاحو القبطان الأربعة، فكم يبقى من الركاب غير ذوي المصلحة بالتجارة؟ سبعة رجال فقط، وإنهم يجب أن يقفوا مع العدل، والعدل هو ما قررناه"
قاطع القبطان سعدون بلهجة تدل أن صبره نفد: -"لقد سمحتُ لسرحان بالحمولة الزائدة كما سمحت لك وللتجار الآخرين، بخبرتي أعرف أن هذا الوقت من السنة لا يعرف العواصف في خط سير رحلتنا، وإلا لما خاطرت بالحمولة الزائدة، ألست على السفينة نفسها معكم أم تراني أحلق بجناحَي نسر بعيداً عن أمواج البحر التي ترتفع حولنا كأنياب وحوش ضارية؟!"
تدخل الطبيب لفض التلاسن بين القبطان وسعدون، فقال: -"لعل سرحان سيتعاون إذا علم باتفاق الجميع على أن يتخلص كل واحد من حمولته الزائدة"
فكر سعدون بأن الأفضل أن يحاول استمالة الركاب وإقناعهم بموقفه ورفاقه فقال بهدوء متكلف: -"لا أيها الطبيب النبيل، نحن نعرف سرحان وجشعه، وما أعلنه القبطان من أن الملاحين سيلقون ما يمكنهم إلقاءه من البضاعة يعني أنهم سيتسلطون على بضاعة صغار التجار، يعاونهم في ذلك حرس سرحان، أجل! لم يحضر سرحان اجتماعنا لأن خطة إنقاذ السفينة بالنسبة له واضحة؛ على حسابنا نحن فقط"
عدّل فضيل قبعته التي تبدو كأنها تميل كلما مالت السفينة، وقال: -"حسناً، لا بد في كل حال أن نحتكم للمنطق، إن أحداً منكم لم ينكر أن له حمولة زائدة، إذاً كلكم يتحمل جزءاً من مسؤولية الخطر الذي نواجهه، لا أقول خطر خسارة التجارة، بل خطر الموت الذي يفغر فاه نحونا مع كل موجة عاتية تضربنا، وهذه المسؤولية تملي على كل تاجر أن يتخلص من حمولته الزائدة، فإذا أحجم أحد عن إخلاء مسؤوليته فإن هذا لا يخول الآخرين عذراً منطقياً ولا يعطيهم مبرراً أخلاقياً ليمتنعوا بدورهم عن القيام بما ينبغي عليهم"
عند ذلك أعلن القبطان: -"أوافقك أيها الطبيب فضيل، وسأكون أول من يتخلص من حمولته الزائدة، بل سآمر الملاحين بالتخلص منها حالاً" واتجه إلى أحد الملاحين ليعطيه تعليمات.
* * *
سأل الطبيبُ سعدون بأسلوب رفيق لين: -"ما رأيك يا سيد سعدون؟ أنقذوا أنفسكم وأنقذوا الأبرياء على متن هذه السفينة، كونوا عوناً لنا على هذه العاصفة التي تضرب السفينة من خارجها، ولا تجعلوا من أنفسكم زوبعة توهن السفينة وتزعزعها من الداخل قبل أن تفتك بها الأمواج المتلاطمة من حولها ولكم بعد أن تفلتوا من براثن الموت أن تطلبوا ما تشاؤون من تعويض من القبطان أو سرحان من خلال القاضي إن كان لكم حق في التعويض"
- "يا سيدي، أنت تسيء فهم موقفي وأخواني التجار، في الواقع إن المسألة ليست الحرص على الحمولة الزائدة، إنها تراكم لمعاناتنا مع سرحان، لطالما ألحق بنا الحيف بمنافسته غير الشريفة لنا على اليابسة ثم نراه يجر علينا الوبال في البحر، لئن كان يجحف بحقنا وهو آمن في سوقه، ألا يرف له جفن وهو يواجه معنا خطر الموت؟ أيرى نفسه أكبر من الموت! أنت لا تعرفه يا سيدي، والقبطان في قبضته؛ ذلك أن سفينته لا تدر عليه دخلاً جيداً إذا لم يتعامل سرحان معه، القبطان عملياً أجير عنده ولا يمثل الحياد والنزاهة".
- "أفهم ما تقول، وأفترض صحته بسبب تجاهل سرحان لهذا الاجتماع، لكن لا محيص من أن نفكر في السلامة الآن، إن سلوك سرحان معكم لا يبرر المخاطرة بالسفينة والمسافرين، ينبغي أن يكون شغلنا الشاغل الآن هو الوصول إلى بر الآمان، ثم تلتفتون لتسوية خلافاتكم مع سرحان، المحاكم هناك على اليابسة وليست في قاع البحر! ولا تنس أن نظرة الركاب لكم لا تختلف عن نظرتهم إلى سرحان فكلكم مخالف بالتسبب بالحمولة الزائدة بغض النظر عن نصيب كل منكم".
لم يلبث القبطان أن عاد بالتجهم الذي ذهب به، وأجال بصره في الحاضرين قائلاً:
- "العاصفة لا تزال في بداياتها، ولكن ميلان السفينة من ناحية المقدمة يزداد شيئاً فشيئاً، وذلك بسبب الحمولة الزائدة التي أضعفت توازن السفينة، لا جدوى من استمرار الجدل بيننا، لقد ألقى الملاحون حمولتي الزائدة في البحر، ينبغي أن يراجع كل واحد نفسه، وسأذهب لأطلع سرحان على ما دار في هذا الاجتماع، لكن لا بد من اتخاذ إجراء خلال الساعات القليلة القادمة قبل أن نفقد جميعاً القدرة على الاتزان فوق هذه السفينة".
قال سعدون واثقاً: -"لسنا بحاجة للتشاور مع سرحان، لقد أجمعنا أمرنا، واتخذنا قرارنا".
ووسط همهمات الحاضرين، حاول فضيل تجاهل رفض سعدون قائلاً:
- "لعلك تأتي بسرحان، أيها القبطان، لنحسم الخلاف بسرعة "
شد القبطان شفتيه تعبيراً عن عدم ثقته بقدرته على التأثير على سرحان، وأشار بيمينه مسلّماً، التف التجار حول سعدون واختلطت ألسنتهم بالتأييد له وتأكيد عزمهم على إنقاذ السفينة بالتخلص من حمولة سرحان الزائدة.
* * *
على نجوة من حشد التجار الحانقين أحاط بعض الركاب بالطبيب فضيل والقلق باد على وجوههم الشاحبة خوفاً من مصيرهم الغامض.
قال صابر مخاطباً فضيلاً: -"يا سيدي، لقد أصبت الحكمة في كلامك مع القبطان والتجار، ونرجو أن يرجعوا للحق الذي أوضحته كالشمس في رابعة النهار، فأنا وأخي جميل لا ناقة لنا ولا جمل في هذه البضائع كلها، ولا ندري ماذا نفعل لإنقاذ السفينة وأهلها".
أردف جميل معززاً كلام أخيه: -"أجل أيها الطبيب الحكيم، ما قاله أخي صابر صحيح، وإننا نسأل الله أن يمن علينا بالسلامة لنعود لأمنا العجوز، لكن إذا اقتضى الأمر، ألا ينبغي أن نواجه نحن سرحان وهؤلاء التجار فنتخلص من بضاعتهم ونضعهم أمام الأمر الواقع؟".
رد فضيل والحسرة تبدو في نظراته: -"أيها الأخوة، إننا لا نضمن النجاة إذا واجهنا التجار وسرحان بالقوة، سرحان وحرسه مسلحون بالسيوف التي غرتهم وجعلتهم واثقين بقدرتهم على إنفاذ رأيهم، والتجار الآخرون مندفعون بغضبهم وحقدهم، يجب ألا ندع هؤلاء وهؤلاء يفرضون علينا الاختيار بين الموت غرقاً أو قتلاً على أيديهم، إذا فرض عليكم الخيار بين الموت غرقاً أو قتلاً فافرضوا خياركم أن تموتوا أبرياء ولا تتسببوا بالغرق ولا بالقتل، ليس أمامنا سوى محاولة إقناعهم، فإن متنا على أية حال متنا أبرياء سليمي الصدر، أظن أن عليّ أن ألحق بالقبطان لعلي أساعده في إقناع سرحان بالتخفيف من تعنته، وأسأل الله السلامة للجميع ".
انصرف فضيل وظل صابر وأخوه وأربعة ركاب كأن على رؤوسهم الطير، كيف يستسلمون لهذا الصراع الدائر بين التجار وكأن الأمر لا يعنيهم؟ إذا كانوا مهددين بالموت على أية حال، لم لا يحاولون النجاة؟ يدير أحدهم كلام فضيل في رأسه فيشعر كأنه ابتلع سكيناً كلما حاول إخراجها قطعت جزءاً من أحشائه، لو كان ثمة أطواق نجاة لقفزوا بها من السفينة وتركوا التجار فيها يختصمون، تمنى صابر لو كان ثرياً لاشترى حمولة السفينة وألقاها في البحر. يا لها من معادلة عجيبة تجمع على صعيد واحد من عنده استعداد للتضحية بنفسه في سبيل الآخرين مع من لا يرتدع عن التضحية بكل شيء من أجل مصلحته.
قطع جميل صمت الحاضرين قائلاً: -"لا أصدق أن هذه العاصفة العمياء تدهمنا مع هؤلاء على حد سواء، ماذا جنينا؟".
لقراءة القصة كاملة يرجى تحميل الملف أدناه...

تحميل



تشغيل