مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 07/09/2013

التابعي الجليل أبو مسلم الخولاني

أعيان الشام

أبو مسلم الخولاني


"فُعل به كما فُعل بإبراهيم خليل الله"

"رحل من اليمن إلى المدينة المنورة طالباً رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلم وآمن به دون أن يراه...

لم يعلم أن الرسول توفي وقد بُويع أبو بكر الصديق خليفة للمسلمين، وعندما دخل المدينة المنورة وعلم بالخبر حزن حزناً شديداً فدخل المسجد النبوي ليصلي ويصلي عند سارية في المسجد، فلمحه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبسرعة البرق ذهب إليه يسأله: ممن الرجل؟

فرد عليه: من اليمن.

فسأله: ما فعل الذي أحرقه الكذاب بالنار؟

فرد قائلاً: ذاك عبد الله بن ثوب!

فقال سيدنا عمر: أنشدك بالله أأنت هو؟

فرد الرجل: اللهم نعم.

فاعتنقه عمر وبكى ثم ذهب به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر الصديق رضي الله عنهم وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من فُعل به كما فُعل بإبراهيم خليل الله عليه السلام..."

إخوتي الكرام إن هذه القصة الرائعة بنسائمها الروحية تتناولها كتب التاريخ والحديث في سيرة وترجمة عبد الله بن ثوب أبو مسلم الخولاني.

فمن هو هذا الرجل الذي بكى عمر بن الخطاب عند رؤيته؟

وما سبب تعرضه للحرق في اليمن؟

ومن هو الكذاب الذي حاول حرقه؟

على هذه الصفحات سنتلمس الأخبار والأحداث التي مرَّ بها أبو مسلم الخولاني رحمه الله بهدف العلم والمعرفة للعمل والتنفيذ وبسؤال ملح يرافق مسيرنا الحياتي بماذا نختلف عمن سبقونا بالإسلام والإيمان؟

أبو مسلم الخولاني (عبد الله بن ثوب)

مولده واسمه ونسبه:

ولد في اليمن يوم حنين وقيل أنه ينتمي لقبيلة (خولان) وهي من أشهر قبائل اليمن، أسلموا جميعاً وآمنوا بالله ورسوله عندما بلغهم دعوة الإسلام، ولكن ظهر في اليمن رجلٌ يدعي النبوة ويطالب الناس بالإيمان به، كان هذا الرجل أول من ادعى النبوة قبل "مسيلمة الكذاب" الذي ظهر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ادعى هذا الرجل النبوة في حياة رسول الله واسمه "الأسود العنسي" من قبيلة (مذحج) وقبل أن يدعي النبوة كان يُعرف بالمشعوذ وقُتل فبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

و عندما ادعى النبوة وازداد سلطانه في اليمن على هذه الضلالة رفض عبد الله بن ثوب التسليم بنبوته وقد سأله العنسي وكرر ثلاث مرات أن يشهد بنبوته فظل متمسكاً بقوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأشعل العنسي ناراً كبيرة وعظيمة ورماه فيها ثلاثة أيام خرج بعدها أبو مسلم الخولاني سليماً ولم يحترق، وعندما رأى العنسي هذه الكرامة التي أكرم الله عزَّ وجلَّ هذا المؤمن خاف على سلطانه وأمر أبا مسلم بالخروج من اليمن فرحل قريراً سعيداً بإيمانه العظيم واتجه صوب المدينة المنورة لينعم برؤية رسول الله ووجده قد توفي فبل أن يصل إليه.

نجد هذه القصة في مصادر التاريخ الإسلامي رواها ابن عساكر في تاريخ دمشق وروى لنا أن أبا مسلم مدفون في داريا قرب دمشق رحمهم الله وجمعنا وإياهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، اللهم آمين.

أما اسم أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب كما قال لسيدنا عمربن الخطاب، وقيل عبد الله بن عوف، والأول أكثر شهرة، وغلبت عليه كنيته الخولاني، ويقال ابن ثواب وابن أثوب، ويقال ابن عبد الله وابن عوف، ويخبرنا المزي في كتابه "تهذيب الكمال" أن أبا مسلم الخولاني قد نزل الشام وسكن في داريا بالقرب من دمشق.

و يعد من كبار التابعين من تابعي أهل الشام، ذكره ابن سعد في "الطبقات" في الطبقة الثانية وقال: "كان ثقة توفي زمن يزيد بن معاوية".

شيوخه:

عمر بن الخطاب، عبادة بن الصامت، عوف بن مالك الأشجعي، معاذ بن جبل، معاوية بن أبي سفيان، أبو عبيدة الجراح وأبي ذر وغيرهم...

تلاميذه:

إبراهيم بن علية، جُبير بن نُفير، حرام بن حليم الدمشقي، شرحبيل بن مسلم الخولاني، صخرة بن حبيب، عبد الله بن عروة بن الزبير، عطاء بن أبي رباح.

أما عن كراماته التي لا تعد ولا تحصى - وكانت بدايتها أن قلب الله النار برداً وسلاماً عليه – فذكرها علماء الحديث الشريف، قال الزهري: كان قد أوتي الحكمة.

و قال أحمد بن حنبل: حدثنا محمد بن شعيب عن بعض المشيخة قال أقبلنا من أرض الروم فمررنا بالعمير محل أربعة أميال من حمص في آخر الليل فاطلع راهب من صومعته فقال: هل تعرفون أبا مسلم الخولاني؟، قلنا: نعم، قال: إذا أتيتموه فاقرؤوه السلام فإنا نجده في الكتب رفيق عيسى ابن مريم أما إنكم لا تجدوه حياً!، فلما أشرفنا على الغوطة بلغنا موته.

و المشهور عنه في عبادته وصلاته أنه كان يضع السوط بجانبه يضرب به رجله قائلاً: "والله إنك أحق بالضرب من دابتي".

لقد كان خير سلف لخير خلف اللهم ارزقنا حسن المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه وسلوكه كي نحظى بحبه فيكرمنا الله برؤيته في الدنيا والآخرة.

و من نوادر فضائله أنه كان إذا دخل أرض الروم غازياً لا يزال في المقدمة فإذا أذن لهم كان في الساقة، وكان الولاة يتيمنون بأبي مسلم فيمررونه على المقدمات وكان يرتجز في إحدى المعارك قائلاً:

"ما علتي ما علتي وقد لبست درعتي أَمُت عند طاعتي"

رحم الله أبا مسلم الخولاني توفي شهيداً غازياً في جيش معاوية رضي الله عنه ضد الروم سنة 62ﻫ ودفن في داريا بالقرب من دمشق.

إخوتي الكرام:

الزمان يمضي ويمر مر السحاب ونحن سنمضي من هذه الدنيا كمن سبقنا، هؤلاء الذين كانوا يشاركوننا الزمن والأرض والإنسانية، ولكن يختلف الواحد عن الآخر بما صنع وعمل من أعمال بر وخير للبشرية، بحسب إيمانه واجتهاده وبذل جهد الفكر للعمل بنية رضى الله ورسوله، هذا هو الهدف السامي والنبيل، قال تعالى {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ}

فعندما تقرأ صفحات وأسطر مشرقة نيرة مرت في تاريخنا العظيم تأسف لتقصير قد ألمَّ بنا، ونعتذر من هذه القامات الإيمانية، ونعيد المرة تلو المرة وبدعاء مستمر كي ينجينا الله من غفلة تلاها كسل وعجز عن اللحاق بالركب الإيماني.

نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

لا تنسونا من دعواتكم.

المصادر:

§ تاريخ دمشق لابن عساكر

§ تهذيب الكمال للمزي

§ تاريخ الإسلام للذهبي

تحميل