مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 26/11/2013

مأساة الوعي الخلقي في مجتمعاتنا

مقالات

مأساة الوعي الخلقي في مجتمعنا([1])
العلامة الشهيد البوطي
صحيح أن من شأن الحكومات إقامة الروح التربوية الخلقية في مدارسها، وحفظ مجتمعها من الأوبئة والأقذار التي تناقض عمل تلك المدارس، ولكن ليس من شأنها وحدها أن تبث الوعي في نفوس الأفراد.
لعل أول ما يسترعي القارئ في صدر هذا البحث هو التساؤل عن حقيقة الفرق بين "السلوك الخلقي" و"الوعي الخلقي".
والواقع أن هناك فرقاً كبيراً بينهما، وأن أبسط مظهر لهذا الفرق هو أنهما ليسا بمتلازمين، فكثيراً ما يرى فرد من الناس على حالة من السلوك الخلقي الحسن، ولكنه يكون في الوقت نفسه فقيراً إلى وعي خلقي كامل، يَجعله يعي كيف يقرر لنفسه ذلك السلوك، كما أن معايير الوعي الخلقي قد تتكامل في نفوس بعض الشباب وعقولهم، غير أنهم لا يجدون لديهم الطاقة الكافية لصب سلوكهم وأعمالهم في تلك المعايير.
فالسلوك إذن هو الخطوات العملية في فجاج الحياة، أما الوعي فهو ما ينطبع في النفوس والأذهان من اعتبارات لقضايا الخلق وحماس لتطبيق الحياة وفق تلك الاعتبارات.
وإذا كانت معالجة السلوك الخلقي –وُفْقَ ما حصرناه في ذينيك السبيلين- موكولة إلى الحكومات والمراجع، فمن الظلم البَيِّن أن نحمل معالجة الوعي الخلقي أيضاً للحكومات والمراجع وحدها.
صحيح أن من شأن الحكومات إقامة الروح التربوية الخلقية في مدارسها، وحفظ مجتمعها من الأوبئة والأقذار التي تناقض عمل تلك المدارس، ولكن ليس من شأنها وحدها أن تبث الوعي الخلقي في نفوس الأفراد، بل لا تجدي هذه المحاولة نفعاً إلا إذا كانت من عمل الأمة نفسها، أما تبعة الحكومات حيال ذلك فليست سوى أن تنشط وتعين وتُيَسِّرَ أمام ذلك السبيل.
ولكي ندرك سبيل "بث الوعي الخلقي في الجيل" يجب أن ندرك أولاً أن انحراف شاب في سلوكه الخلقي ليس ناتجاً عن كونه شريراً في طبعه أو خالي النفس من عناصر الخير والرشاد، ولكن ذلك ينتج في معظم الأحيان عن ظروف موبوءة خاصة حفَّت متتالية بذلك الشاب، أيقظت فيه كوامن الشر التي هي كامنة لدى كل إنسان، ولم تتهيأ له في مقابل ذلك ظروف أخرى توقظ فيه كوامن الخير، فاستقلت به عوامل الشر وجرفته في تيارها، ومن هنا كان جل مهمة "بث الوعي الخلقي" إيقاظ عوامل الخير في نفوس هؤلاء عن طريق إنعاشها بتهييء الظروف الملائمة التي كانت محرومة منها.
ونستطيع أن نوجز مهمة "بث الوعي الخلقي" في العمل على أن تُشْرَب نفسية الجيل حب المثل العليا، وأن تَلين عقليتُه لإدراكها وتقديرها، وذلك عن طريق نشر الثقافة الإسلامية، وروحها التربوية السليمة، وعن طريق معالجات نفسية عامة منظمة.
أما الوسيلة إلى ذلك فهي إنشاء فروع متنوعة منظمة متشابكة:
بعضها يستهدف نشر الثقافة الإسلامية العامة، ومعالجة ما يَجدُّ بين الحين والآخر من مناقشات ومشكلات حول بعض قواعد الإسلام وأحكامه، وذلك عن طريق حلقات دائمة من المحاضرات والندوات والنشاط الفكري العام في مختلف الأحياء والأماكن.
وبعضها يستهدف الإكثار من حلقات المواعظ والنصيحة والإرشاد في المساجد وغيرها من الأمكنة الشعبية العامة بأسلوب حديث يتماشى مع ما انطبع عليه الجيل الجديد من أصول المنطق والتفكير، وهذا يقصد منه تقويم حياة العائلات والأسر، ومحاولة تسريب الروح الوعظية إلى داخل البيوتات.
وبعضها يهدف على إنشاء روح تربوية إسلامية قائمة على قواعد من أصول علم النفس، وذلك عن طريق نواد عامة تفتح لهذا السبيل، يكون من شأنها جذب النشء إليها، وإتاحة الظروف المناسبة المختلفة من النشاط الفكري والعملي لها، وفق ما يلائم كلاً في رغبته واتجاهه، بغية إيقاظ كوامن الخير في نفسه، واستغلالها ليكون لها على صاحبها القوة والسلطان.
وبعضها يعمل على تركيز القواعد والمبادئ الإسلامية الدقيقة في الأذهان بواسطة ما هو معروف من العناية بالمؤسسات التعليمية لخصوص ذلك، "وهذا للتوقي من الحملات الإباحية والإلحادية التي تسوق أمامها لسان الجدل والنقاش، وترفع فوق رأسها راية العلم والمنطق".
هذا ولا بد لكي تؤتي هذه الفروع ثمارها من أن تسير في عملها متفاعلة متشابكة وحدة ومجموعاً لا متفرقة متدابرة شيعاً وأحزاباً، إذ لا المحاضرات والنوادي وحدها تنتج، ولا المواعظ وحدها تثمر، ولا الدراسات العلمية الدقيقة وحدها تصلح حرزاً، ولكن مجموع المحاضرات والنوادي والمواعظ والدراسات هي التي تصلح أن تكون مَصلاً مُطهراً ضد المفاسد والأرجاس.
والآن علينا أن نجيل النظر في هذه الأمة ونتساءل: أي فئة منها ترى يجب أن تحمل أكبر مقدار من المسؤولية عن "بث الوعي الخلقي" في الجيل؟
والواقع أنني -وإن كنت أنكر أن تكون بين المسلمين طائفة اسمها "رجال الدين" ذلك لأن كل مسلم في حد ذاته رجل دين، وكلاً منا راع ومسؤول عن رعيته- غير أنني أجزم بأن الفئة الأولى التي تقع على كاهلها تبعة هذه المسؤولية هي فئة السادة العلماء.
لا لأنهم هم وحدهم الذين وكل إليهم حفظ المثل العليا في المجتمع، ولكن لأنهم أقوى فئة شعبية تملك الروح المسيطرة والقدرة على الإصلاح، ففي أصواتهم يتمثل دائماً دوي الإسلام، وفي مظهرهم يتمثل شكل الخلافة الموروثة عن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أن فئة هذا شأنها لا يصلح غيرها لقيادة مثل هذه الحركة التربوية الكبرى.
والحقيقة أننا نستطيع بحمد الله أن نفخر بوجود حركة إصلاحية ما في هذا السبيل من هؤلاء السادة:
فهنالك الوعاظ والدعاة الدائبون إلى الحق.
وهنالك العلماء الذين لا يفترون عن نشر الثقافة الدينية في المجتمع.
وهنالك في بعض الأحيان المحاضرات التوجيهية العامة.
ولكنا مع ذلك لا نستطيع أبداً أن نزعم بأننا نلمس أي ثمرة لكل هذه الحركات فلماذا؟ لماذا لا تتغلب جهود هؤلاء الدعاة على شيء من هذا التيار الهاجم، وهذه الشرور الكثيرة المتغلغلة؟
إن إيضاح الجواب عن هذا لا يحتاج إلا إلى العودة إلى ما اشترطناه في الفروع التي تعمل على "بث الوعي الخلقي"، لقد قلنا: إنه يجب أن تكون فروع هذه الدعوة منظمة متشابكة، ومعنى ذلك أنه يجب أن تشيع روح الثقة بين القائمين على هذه الفروع، وأن يكون كل منهم موقناً بما يَقوم به الآخر.
وهذا وحده هو الشرط الذي يفقده السادة العلماء، وهذا وحده الأساس الكبير الأول الذي لم يستطيعوا -مع الأسف- إلى الآن إرساءه وتقريره، فعلماؤنا لا تربطهم فيما بينهم رابطة، وجهودهم فردية متفرقة شتى، لا تجد روحاً جماعياً تكلؤها، وسياسة الدعوة الإسلامية في نظر أحدهم لا يمكن أن تجدها تلتقي مع سياسة الدعوة لدى الآخر، ولقد كنت أتمنى ألا أقول، إنما مرجع كل ذلك إلى الاعتداء بالذات إلى الشغف بالتسامي على الغير. لقد كنت أتمنى لو عثرت على سبب آخر لهذا التفكك والتدابر، ولكني -ويا للأسف- لم أعثر على غير ذلك([2]).
ولو أن هذا لم يكن، ولو أن سبل الدعوة والإصلاح فيما بينهم تلاقت واتحدت، ولو أنهم نظموا هذه السبل كما ذكرنا وتعاونوا جميعاً على تحقيق الوعي الإسلامي لآتى العمل ثماره وظهرت نتيجة الجهد، ولانطلقت هذه النتيجة قوية جبارة تُبدد كل شر، وتُصلح كل فاسد وتُقوم كل مُعْوَجٍ([3]).
ومن هنا نشأ فراغ كبير في هذا المجال، مجال "بث الوعي الخلقي" بين أفراد هذا الجيل، وكان أن نشأت من الفراغ هذه المأساة التي نتحدث عنها، فالنشء حيثما نظر والتفت يُبصر غزواً أجنبياً مداهماً غزواً في الفكر والعقائد، غزواً في الأخلاق والمقومات، غزواً في المبادئ الإسلامية وتقاليدها، فإذا بحث عن عاصم من تيار هذا الغزو لم يبصر من كل ما حوله إلا تاريخاً غابراً يناديه من وراء جدران القرون، فأنَّى له أن يرحل عن أضواء حياة القرن العشرين إلى تاريخ مَضى واندثر ولم يخلفه من يجدد فيه الحياة، ويجعل منه حلقات تمتد وتتوالد مع كل قرن وعصر؟ فإذا كان واقع مجتمعنا كذلك، وإذا كان معظم الظروف التي تحيط بالنشء تخنق الوعي الخلقي فيه، فمن أين للمأساة أن تنتهي، وأنى للحكومات وحدها أن تعتصر من سبيلي التربية المدرسية ومراقبة المجتمع دواء كافياً لمحنة السلوك الخلقي، بل وأنى للمجتمع نفسه أن يخضع لمراقبتها وحكمها؟
المصدر: كتاب "البدايات" للعلامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
([1]) المصدر: كتاب البدايات للعلامة الشهيد.
(1) ليس هذا وصفاً للجميع، إذ إن من علمائنا الذين بين ظهرانينا اليوم من لا يقل بركة عن السلف الصالح، وإني لأعتقد أن فيهم من لو أقسم على الله لأبر قسمه، ولكن وصفنا هذا ينطبق على معظم من يتصدرون في ميادين الإصلاح، ثم لا يستطيعون أن يُصلحوا فيما بينهم هذا الشقاق.
(2) ذكرت الجرائد منذ حين: أن العلماء قد اعتزموا على القيام بإلقاء سلسلة من المحاضرات تتناول تطور التاريخ الإسلامي منذ الوحدة التي أقامها صلاح الدين إلى وحدتنا هذه التي أقامها جمال، فاستبشرنا خيراً وتفاءلنا بوحدة مباركة أخرى بعد وحدة الإقليمين، ولكن لم نجد بعد هذا الخبر شيئاً، ولم نسمع أي نبأ عن هذه المحاضرات.

تحميل