مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 04/11/2013

الدولة الإسلامية وموقع غير المسلمين فيها

مقالات

الدولة الإسلامية وموقع غير المسلمين فيها
للعلامة الرباني محمد سعيد رمضان البوطي
تتألف الدولة في عرف القانون الدولي المعاصر من ثلاثة عناصر: الأرض أو الإقليم، والشعب أو الأمة، والنظام السلطوي الذي يرسخ كينونة الأمة وعلاقتها بالأرض.
وقد تحققت هذه العناصر الثلاثة للمسلمين، لدى هجرتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، فكان ذلك إيذاناً بولادة أول دولة إسلامية.
فما هو موقع غير المسلمين من هذه الدولة؟ وما مدى تقبلها لوجودهم فيها، وما هي الضوابط والحدود المرسومة لذلك؟
وليكن واضحاً أننا نعني بغير المسلمين في هذا المقام أهل الكتاب، الذين يمثلون النصارى واليهود، ومن ألحقهم رسول الله عليه الصلاة والسلام بهم.
إن ما ذكرته الآن من الانسجام الذي قرره الإسلام بين التكليف وحرية الاعتقاد، يوضح أن الدولة الإسلامية ليست حكراً للمسلمين وحدهم. ذلك لأن النظام السلطوي الذي هو العنصر الثالث من العناصر التي تتألف منها الدولة، منبثق من أحكام الإسلام ومبادئه. وقد علمنا أن من أبرز أحكامه ومبادئه أن يترك الناس -في نظام معاشهم الدنيوي- أحراراً في أن ينقادوا أو لا ينقادوا للتكاليف الإلهية، على أن يعلموا خبر العقاب الذي يتربص بالعاصين والثواب الذي ادخره الله للطائعين.
إذن فالنظام الإسلامي الذي تؤخذ به الدولة الإسلامية لا يضيق ذرعاً بوجود غير المسلمين فيها، ما داموا خاضعين لهذا النظام منسجمين معه.
ومن المعلوم أن النظام الإسلامي للدولة له مفهوم ديني يتعامل معه المسلمون ويؤخذون به. وله مفهوم قانوني تنظيمي مجرد يشمل المسلمين وغيرهم، أي يتجاوب كل فريق معه حسب حاله، إما من منطلق ديني إيماني بالإسلام وعقائده، أو من منطلق قانوني اجتماعي يؤمن بالنظام وشرعته.
والمظهر التطبيقي الذي يجسد هذه الحقيقة على صعيد الواقع، هو ما نشاهده في واقع أول دولة إسلامية ولدت، ثم سارت في كنف النبوة، وبرئاسة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وسواء علينا أتَلَمَّسْنا هذا المظهر التطبيقي في الوثيقة التي اكتتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ولاة تلك الدولة، والتي لا نجد تعبيراً لها في ظل الأنظمة الدولية الحديثة أدق من كلمة "دستور"، أو تلمسناه في مرآتها المتمثل في واقع المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة آنذاك، فإننا واجدون أنفسنا على كل حال أمام دولة إسلامية يهيمن عليها النظام الإسلامي، تتألف من مسلمين وقبائل يهودية، متعايشين متآلفين في ظل النظام السلطوي المنبثق عن الشريعة الإسلامية.
إن أردنا أن ننظر إلى الوثيقة التي أشرنا إليها، رأيناها تقول في أبرز بند من بنودها: ((يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه)) وهي نص قاطع صريح بأن دار الإسلام التي هي المدينة المنورة شركة عادلة بين أمة المسلمين وأمة اليهود، وبأنه لا يحرم من هذه الشركة العادلة إلا من بدأ بظلم. وانظروا إلى أداة العموم "من" التي تنطبق على المسلمين وغير المسلمين على حدٍ سواء، فالظالم في هذه الدولة أياً كان معرض للعقاب، ولا شك أنه هو المتسبب بذلك في حق نفسه.
ولقد اشتهى بعض المتأولين أن يتمحّلوا فيفسروا هذا البند بأن سكان المدينة كلهم من مسلمين ويهود، يشكلون أمة واحدة، ظناً منهم بأن ذلك ادعى لتقرير المساواة وتحقيقها.
غير أن التأويل، بالإضافة إلى ما فيه من التمحل الذي تأباه عبارة ((أمة مع المؤمنين)) يعكر على المساواة التي تحرص عليها هذه الوثيقة فعلاً، بدلاً من أن يرسخها، ذلك لأن اعتبار اليهود في المدينة آنذاك جزءاً من الأمة الإسلامية الواحدة، إعلام صريح بتذويب كيانهم داخل الأمة الإسلامية، في حين أن اعتبارهم أمة مستقلة برأسها داخل الدولة الإسلامية، إقرار بكينونتهم الذاتية وشخصيتهم المستقلة عن المسلمين.
ولو تأملنا لتبين لنا أن هذا ما عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((يهود بني عوف أمة مع المؤمنين)) أي مع المؤمنين الذين هم بدورهم أمة مستقلة أيضاً، على أن البند الأول نص قاطع بذلك.
فإذا استعرضنا البنود الأخرى من هذه الوثيقة، رأيناها جميعاً تؤكد مساواة المسلمين مع غيرهم "اليهود" في الواجبات وفي الحقوق غير المنبثقة عن الفوارق الدينية.
وإن نظرنا إلى مرآة هذه الوثيقة، أي الواقع الذي كان يجري آنذاك في ظل النظام الإسلامي، رأينا مصداق هذا التعايش القائم على المساواة في الواجبات التعاونية، من دفاع عن المدينة وأهلها ضد المعتدين والمتربصين، ومن اقتسام عادل للمسؤوليات الاقتصادية والنفقات المترتبة، دون أن يكون لاختلاف الدين أي أثر معكر.
ويلاحظ أن هذه الشركة المتساوية في الحقوق والواجبات، لم تكن منبثقة عن عقد ذمة، بل لم يكن نظام ما يسمى بالذميين والمستأمنين والمعاهدين قد ترسّخ بعد، وإنما انبثقت من عموم ما تنطق به أحكام الشريعة الإسلامية في مثل قول الله تعالى:
)لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون( [سورة الممتحنة (8-9)].
وإذا كان هذا هو حكم الله في الكتابيين الذين يقيمون خارج الدولة الإسلامية، وبعيداً عن دار الإسلام، فكيف بمن يكون منهم أعضاء في تلك الدولة تحتضنهم مع المسلمين دار الإسلام.
ويعلم جميع المؤرخين أن اليهود لو بقوا أوفياء لتلك الشركة العادلة التي فرضها الحكم الإسلامي ونظامه، إذن لبقي المسلمون أمناء عليها بحكم خضوعهم لسلطان الإسلام ونظامه، ولكنهم ضاقوا ذرعاً بتلك المساواة العادلة، واستبد بهم الحنين إلى ما تعودوا عليه من الخيانة والمكر، فكان أن قضت الوثيقة التي هي الحكم بينهم وبين المسلمين، بإجلاء من أُجلِي منهم وقتل من قتل، بعد أن قضت هي ذاتها بأن يعيشوا سعداء آمنين لهم ما لغيرهم وعليهم ما عليهم.
المصدر: من كتاب "الإسلام والغرب" لـــ د. محمد سعيد رمضان البوطي

تحميل