مميز
التاريخ:

جامع ابن هشام إعداد أ عماد الأرمشي

مساجد الشام

جامع ابن هشام
إعداد: عماد الأرمشي
يقع جامع ابن هشام داخل أسوار مدينة دمشق القديمة متاخماً لسوق الصوف و المطل على الشارع المستقيم أو سوق مدحت باشا، ويقابله سوق الخياطين و خان الدكة.
ذكر هذا المسجد الشيخ عبد القادر النعيمي في فصل مساجد بدمشق فقال: مسجد ابن هشام في سوق الفسقار (أي سوق مدحت باشا في زماننا اليوم 2008) سـفل كبير له إمام ومؤذن، وله منارة جميلة ، وعلى بابه سقاية وقناة . والجدير بالذكر أن هذه السقاية و القناة كانت من نهر القنوات حالها كحال معظم المنشآت الدينية و النفعية مثل المساجد و المدارس و الخوانق و التكايا و الزوايا و الرباطات و البيمارستانات والحمامات و الخانات كانت تقام على ضفاف الأنهر و مصبات المياه في مدينة دمشق للاستفادة قدر الإمكان من هذا العنصر الحيوي الهام للحياة.
وقال بدر الدين الأسدي رحمه الله تعالى في كتابه الأعلام بتاريخ الإسلام أنه في ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة: وفي هذه السنة فرغ من بناء مسجد ابن هشام بالفسقار، بناه القاضي بدر الدين بن مزهر من ماله، وجاء في غاية الحسن، وبني له مئذنة في غاية الظرف انتهى.
ذكر شيخنا العلامة عبد القادر بن بدران سنة 1340 للهجرة الموافق 1921 للميلاد في منادمته يوجد في سوق مدحت باشا مسجد تدعي العامة من أهل الشام أنه مسجد سيدي هشام بن عمار القارئ وهو غلط.. بدليل ما هنا ذكره الأسدي في تاريخه: فإنه قال في سنة 831 هجرية فرغ من بناء مسجد ابن هشام بالفسقار، بناه القاضي بدر الدين بن مزهر من ماله وله منارة عجيبة الصنع... فانظر بين فراغ بناء المسجد ووفاة هشام القارئ؟!؟ ولا يزال هذا المسجد معروفاً الى يومنا هذا باسم مسجد هشام.
أقول هنا ضمن أبحاث مساجد دمشق دراسة تاريخية مفصلة بمنتدى ياسمين الشام: أن المقرئ سيدي هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة أبو الوليد السلمي وقيل الظفري الدمشقي إمام وخطيب أهل دمشق ومقرئهم ومحدثهم ومفتيهم مع الثقة والضبط والعدالة، وكان فصيحا علامة، واسع الرواية، ولد يوم عاشوراء سنة مائة وثلاث وسبعون 173 للهجرة. 9 حزيران / يونيو 789 للميلاد، و توفي رحمه الله سنة 245 للهجرة 860 للميلاد عن عمر يناهز السبعين سنة.
ومما سبق نستنتج بان باني جامع ابن هشام هو القاضي بدر الدين بن مزهر عام 831 للهجرة الموافق 1427 للميلاد، غير أن اللوحة الرخامية المثبتة تحت المئذنة الخشبية القديمة جداً والمطلة على سوق مدحت باشا والمقروءة بصعوبة تقول: مئذنة هشام جددها القاضي بدر الدين بن مظهر وليس مزهر كما ورد في كتاب الأعلام بتاريخ الإسلام لبدر الدين الأسدي. فما هو الاسم الصحيح؟؟ وهل جدد المئذنة فقط أم أنه قام ببناء الجامع؟؟ الله أعلم.
وقد تم تجديد المسجد و المئذنة الكبيرة في عام 1173 للهجرة الموافق 1759 أثر زلزال دمشق الشهير أيام سلطنة السلطان العثماني عبد الحميد الأول.
وقد ورد ذكره تحت اسم جامع هشام صفحة -161- في كتاب البعثة الألمانية التركية التي قامت بإجراء مسح ميداني شامل للأبنية الأثرية و الإسلامية بدمشق فقالا: يتألف من حرم طويل مغطى بعقود سريرية، و تنتصب المئذنة في الزاوية الجنوبية الشرقية للجامع، وهي تعود الى عام 1171 للهجرة الموافق 1757 للميلاد، لكن الأهالي قالوا لنا أن المئذنة ترجع الى عهد أقدم من ذلك تعود الى العهد المملوكي كما يدل عليها طراز العمارة دون أدنى ريب وهي قريبة من مئذنة جامع القلعي من ناحيتي المكان و الزمان، إلا أنها مثمنة الشكل بالرغم من تشابه التصورات التشكيلية و اللونية، كما هي المآذن القاهرية المعتمدة على تكرار الجذع المثمن العلوي و الأقل سماكة من السفلي، وتفصل بينهما شرفة المؤذن، وتتولد بذلك أشكال معمارية غنية و رشيقة و مشبعة مقابل ذلك تحتفظ المئذنة الدمشقية بالكثير من تشبثها بالطابع الحجري المنحوت.
وعليه فالمئذنة أقدم من التاريخ الذي ذكره الباحثان الألمانيان.. والدليل كما ذكره آنفا شيخنا بدر الدين الأسدي رحمه الله تعالى في كتابه الأعلام بتاريخ الإسلام أنه في ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة: وفي هذه السنة فرغ من بناء مسجد ابن هشام بالفسقار، بناه القاضي بدر الدين بن مزهر من ماله، وجاء في غاية الحسن، وبني له مئذنة في غاية الظرف انتهى.
الدكتور أسعد طلس ذكر عند إحصائه لمساجد دمشق عام 1942م بذيل تحقيقه لكتاب ثمار المقاصد مسجد هشام تحت رقم 296 وقال هو بسوق جقمق وليس سوق مدحت باشا (وسوق جقمق هو الاسم القديم لهذا السوق)، و أردف قائلا ً: وهذا المسجد مؤلف من قبلية مستطيلة ضخمة، لم يبق من بنائها القديم شيء إلا المحراب المدهون، و المنبر الخشبي الحديث، وله بابان ضخمان من الحجر من الشمال و الجنوب، وللمسجد منارة حجرية مثمنة بديعة في بنائها و زخرفتها. انتهى.
الدكتور قتيبة الشهابي نوه أن التسمية القديمة التي أطلقها ابن عساكر هي مسجد ابن هشام.. وليس هشام، لكن الناس يصرون على انه هشام بن عمار المقرئ المتوفى سنة 245 للهجرة الموافق 859 للميلاد و المدفون ضمن المسجد كما أكد على ذلك المؤرخ الدكتور أكرم حسن العلبي في خطط دمشق.
غير أن المؤرخ محمد أمين المحبي ذكر في الجزء الأول صفحة 166 فقال: هو جامع هشام بن عبد الملك بن مروان في سوق جقمق (أي في سوق مدحت باشا لاحقاً)، ويقول الدكتور قتيبة الشهابي أنه لا يعتقد بصحة هذه النسبة و يظهر أنها راجت على ألسنة الناس في العهد العثماني.
أقول من جهتي أيضا هنا ضمن أبحاث مساجد دمشق دراسة تاريخية مفصلة بمنتدى ياسمين الشام: أنه من غير المعقول أن يبني هذا الخليفة الأموي العاشر من خلفاء بني أميه والذي وصلت في أيامه الفتوحات الإسلامية الى أوج اتساعها و ازدهارها وامتلاء بخزينة مال المسلمين من موارد الخراج التي لا حدود لها.. وأن يبني جامعاً صغيراً بهذا الحجم و في هذه المحلة والقريبة من الجامع الكبير (جامع بني أمية).
في الجملة فلم يبق من جامع هشام القديم إلا المئذنة الرائعة، وتعتبر هذه المئذنة من أجمل المآذن في دمشق والقاهرة، فالمئذنة ذات جذع مثمن الأضلاع و يتميز الجذع بكونه مقسوماً بأفاريز حجرية إلى أربعة أجزاء: جذع المئذنة الأول غني بالأشكال الهندسية المنحوتة يتوسط الجذع نافذة ضيقة أخذت شكل محراب أشبه ما يكون إلى الرواشن على طرفي الجذع، أما الجزء الثاني فهو أصم يتوسطه نافذة صماء مقوسة تطل على شرفة صغيرة، يعلوه الجزء الثالث: وفيه نوافذ هرمية الرأس في كل ضلع، أربعة من النوافذ صماء واربعة مفتوحة، أما الجزء الرابع فيضم الشرفة التي أخذت شكل الجذع أيضاً يتدلى منها مقرصنات ذات أقواس ثلاثية الفصوص ويحيط بها درابزين خشبي وترتفع فوقها مظلة خشبية ويعلو المئذنة جوسق مثمن بطبقتين يتضاءل بالحجم فيه نوافذ صماء ينتهي بهرم حامل للذروة الحجرية البصلية تحمل التفاحات و الهلال.
ولقد أضيف للمئذنة بناء مسجد حديث فيما بعد كان قيد الإنجاز أثناء زيارتي الميدانية للمسجد صيف عام 2004.
إعداد عماد الأرمشي.


تشغيل