مميز
التاريخ:

المحدث: ضياء الدين المقدسي للباحثة نبيلة القوصي

أعيان الشام

المحدّث: ضياء الدين المقدسي الجماعيلي صاحب التصانيف و الرحلة الواسعة و (المدرسة الضيائية للحديث)
الباحثة: نبيلة القوصي
- احتضنت مدينة دمشق العريقة مجموعة من الأحياء القديمة, فكان لكل حي قصة وحكاية.. وفي طيّات القصة سرّ عجيب نتلمّسه عندما نملك قلباً محبّاً للعلم والعمل, وعقلاً شغوفاً بالمعرفة والاستكشاف... للفائدة قبل المتعة.....
و حيّ الصالحية واحد من تلك الأحياء العريقة, ونموذج رائع لمجتمع متلاحم متعاون, أساسه قائم على العلم, و لذلك سُمّي ب(مدينة العلم)...
و لا عجب.... فالشيخ أحمد بن قدامة رحمه الله وضع حجر الأساس لذلك الحي بإرادة وإيمان قويّين, مورثاً ذلك لأبنائه و أحفاده من بعده, مما جعل حي الصالحية نموذجاً رائعا يبين الهدف من خلق الله للإنسان و استخلافه على الأرض, وهو العبادة بإعمار الأرض على الأسس التي يحبها و يرضاها الله و رسوله.
أما الآن فنحن على موعد مع سيرة واحد من أحفاد ذلك الشيخ الكبير مؤسس الحي...
إنه محدّث عصره, الذي عُرف آنذاك بمحدّث الديار الشامية, و صاحب المدرسة (الضيائية) المختصة في الحديث النبوي الشريف......
ضياء الدين المقدسي
فمن أنت يا ضياء الدين؟ ولماذا ما يزال اسمك منقوشاً فوق أسطر التاريخ فخرا بك؟ وبأي مفهوم ومعنى تربوي تربيت ونشأت فكبرت وعملت فوق أرض دمشق المباركة بالخير لك ولغيرك؟....
هنيئاً لك مباهاة النبي صلى الله عليه وسلم بك!...
- إخوتي.....
لن ينالنا الخير إلا بتتبّع قصص الصالحين, والاجتهاد في قراءة عميقة يُراد بها التأمل والتفكّر, فكيف تفصل بيننا وبينهم آلاف السنين والعقود, وما زالوا يُذكرون بطيب أعمالهم!..
وإن نحن رحلنا, من ذا الذي سيذكرنا أو يذكر أي عمل قدّمناه؟؟.....
نرجوا من الله أن يرزقنا حسن العبرة والاتعاظ مما نقرأ...
مولده ونشأته:
ولد في دمشق بالدير المبارك في سفح قاسيون سنة 569، والدته العالمة الواعظة رقية بنت الشيخ أحمد بن قدامة، و والده الإمام عبد الواحد بن أحمد الذي لزم خاله الشيخ الكبير أحمد فزوّجه ابنته رقية التي أنجبت له الضياء وزينب وآسيه........
نعود للضياء محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور ضياء الدين أبو عبد الله السعدي المقدسي الجماعيلي.
طلب له أهله الإجازة من كبار العلماء, و مع ملازمته لأخواله العلماء الربانيين, تعلم منهم الكثير في علم الحديث والفقه, وكيف يستفيد من رحلاته العلمية.. فكان شديد الشغف بأن يأخذ طلابه في رحلاته العلمية ليدلهم على الشيوخ ويعلو إسنادهم و يساعدهم في نسخ الكتب..
ومع شغفه بتحصيل العلم لم ينسَ واجبه تجاه ربه ودينه فجاهد ضد الصليبيين تحت قيادة القائد صلاح الدين الأيوبي, وقد كتب الضياء بخطه واصفاً جهاد المقادسة في حملة صلاح الدين لتحرير القدس.
وُلد الضياء ونشأ وترعرع منذ الصغر في بيت علم ودين, فكان العلم الشرعي غذاؤه و شرابه, وتفتحت معالم صباه وشبابه على حب الله ورسوله, فاصطبغت جوارحه بالتقى والورع والخشية من الله مولّدة حبه وحب نبيه شعلةً في قلبه تحفّزه على العمل والعلم باستمرار.
وإذا تساءلنا كيف ذلك؟ أو بماذا يعنينا ذلك؟...
نجيبكم أيها الإخوة بالآتي:
إن رسولنا الكريم عندما بُعث جعل من التربية الإسلامية وسيلة لتغيير النفوس من عبادة الأصنام إلى عبادة الله الواحد القهار...
فاستخدم التربية الإسلامية من خلال شخصيته الشريفة لصنع شخصيات رائعة من الصحابة في جوّ مفعم بالحب والرحمة والإنسانية أولاً, وليجعل من هذا الجو وعاء يحمل مفاهيم ومبادئ الإسلام العظيم, و لذلك قال: "بُعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق"..
وعبر التربية الإسلامية الصحيحة المنبعثة من القرآن الكريم وتطبيقات النبي الكريم, ظهرت عبقريات الصحابة رضوان الله عليهم, وهكذا جاءت الأجيال فيما بعد والسلف الصالح الذي تمسك بما قدّمه رسول الله صلى الله عليه و سلم, فظهرت لنا نجوم تلمع في سماء تاريخ إسلامنا العظيم.
ومن هذه النجوم اللامعة, محدّث الديار الشامية في القرن السادس الهجري: ضياء الدين المقدسي...
الذي منّ الله عليه بأبوين صالحين وأسرة متديّنة كريمة, فكان للإحسان أفضل ما يكون, رحمه الله....... هيا معاً نقرأ في سيرته الجميلة.
عائلته:
(جده لأمه) الشيخ الكبير أحمد بن قدامة 558ﻫ.
(خالاه) الإمام الرباني أبو عمر607ﻫ والعالم الفقيه الموفق بن قدامة 620ﻫ.
(جده لأبيه) أحمد بن عبد الرحمن 553ﻫ, و والده هو الشيخ عبد الواحد الذي هاجر مع خاله الشيخ أحمد بن قدامة وزوّجه من ابنته رقية فيما بعد, التي عُرفت بعلمها و دينها, وكانت تاريخاً للمقادسة, وروى عنها ابنها الضياء الكثير من الأحاديث.
(إخوة الضياء) الشيخ الحافظ شمس الدين أبو العباس أحمد بن عبد الواحد, كان عالماً محدّثاً, وكان يُعرف بالبخاري623ﻫ...
وكان للضياء شقيق هو عبد الرحيم بن عبد الواحد, وأخته آسية أم الإمام الحافظ سيف الدين, وأخته الأخرى زينب التي كانت راوية للأحاديث.
(زوجة الضياء): آسية بنت الشهاب محمد بن خلف بن راجح, وهي سبطة الشيخ أبي عمر, كانت خيّرة وحافظة لكتاب الله, وراوية للأحاديث 633ﻫ.
لقد ظهر في هذه العائلة الكريمة عشرات الحفاظ ومئات المسندين, الذين كان لهم أثر كبير في نشر العلم - و خاصة علم الحديث -, اشترك جميعهم في السماع والتسميع والرحلة في طلب العلم.
تقول المصادر:
أن الحافظ السلفي قد أجازه, و كذلك عبد الحق اليوسفي و خَلقٌ كثير..
سمع الحديث:
من أبي المعالي بن صابر, وعمر بن حموية, وبركات الخشوعي, وخَلقٌ كثير.. وبدمشق من البوصيري, والصيدلاني والمؤيد الطوسي, وزينب الشعرية, وجماعة كثُر.
هذا و قد بقي في رحلة مشرقية مدة سنتين, والرحلة في طلب العلم هي ما يميز علماء المسلمين, هذا الجانب العلمي المميز يتصف به جميع بنو قدامة, فالموفق بن قدامة - خاله - قد قام برحلة مماثلة مع الحافظ عبد الغني.
كم نفتقد في عصرنا هذا إلى من يسلّط الضوء على أهمية هذا الجانب العلمي التربوي, فالرحلة للعلم والتعلم وليست للتمتع وتضييع الأوقات يسهم في بناء شخصيات متوازنة على الأرض.
القيام برحلة صغيرة لأهداف سامية راقية, تحمل معاني العلم والفائدة والمتعة, لَوسيلة تربوية تسهم في بناء شخصية علمية مميزة الجوانب.
نعود لشيخنا الجليل "الضياء".....
لقد سمع من علماء بجدّ وبغداد ومرو وحرّان والموصل وهمذان وغيرها من المدن..
كتب عن أقرانه, وحصّل الأصول الكثيرة, وجرح وعدّل, و قيّد وأهمل, مع الديانة والأمانة والتقوى والورع, وبقي ملازماً للعلم والرواية والـتأليف إلى أن مات.
تصانيفه كثيرة: فضائل الأعمال.
الأقلام _ثلاث مجلدات_.
الأحاديث المختارة.
الموافقات.
سيرة المقادسة.
فضائل القرآن.
النهي في سبّ الصحابة.
و غير ذلك الكثير......
روى عنه:ابن نقطة, ابن النجار, زكي الدين البزالي, شرف الدين بن النابلسي..
والملفت في محدّثنا الضياء أنه أول ما سمع و حدّث به من الحديث هو من والدته العالمة الشيخة "رقية" وخاله أبو عمر وموفق الدين وخالته رابعة.. لا ننسى أن جلسات السمر لديهم ذات طابع ديني علمي, رحمهم الله جميعاً.
لنسلط الضوء الى ذلك جلساتنا التي تجمعنا واولادنا مانوعيتها هل هي ثقافيه ام علميه دينبه ام دون معنى ولاهدف جلسات غيبه وماهترات لغويه سقيمه لاتسمن ولاتغني ............
شهادة علماء عصره فيه:
* قال عمر بن الحاجب: شيخنا الضياء شيخ وقته ونسيج وحده علماً وعملاً وثقة وديناً من العلماء الربانيين, وهو أكبر من أن يدل عليه مثلي.
* و قال الشيخ عز الدين عبد الرحمن بن العز: ما جاء بعد (الدارقطني) مثل شيخنا الضياء.
و غير ذلك من الأقوال الكثيرة في شيخنا الضياء رحمه الله, الذي لم يقنع بالعمل القليل, وإنما نراه تارة يكتب ويؤلف, وتارة يعلّم ويؤدّب, وينشر سنة النبي صلى الله عليه و سلم بكل شغف ومحبة... وتارة أخرى يعمل بجدّ واجتهاد ليبني مدرسة خاصة للحديث النبوي الشريف, من جيبه وعرقه...
ما أروعك وأنت تغتنم الفرص والفرص لتنال شرف القرب من الله و رسوله.. لمَ لا؟ فأنت حفيد الشيخ الكبير أحمد بن قدامة رحمه الله!, الذي زرع في نفوسكم منذ الصغر حب وعشق ذلك الهدف الذي من أجله خُلقنا..
وهو عمارة الأرض بما يحب ويرضى أولو الاختلاف، لقد قال العلماء في وصف ضياء الدين المقدسي:
كثير البرّ و المواساة.. "الكلمة الطيبة صدقة".
دائم التهجد.
أمّار للمعروف بالمعروف.
أما عن وصفه الخلقي:
بهيّ المنظر, مليح الشيبة, محبّباً إلى الموافق و المخالف, مشتغلاً بنفسه رضي الله عنه.
فبعد هذه القراءة, ما أوجه الشبه والاختلاف بيننا وبين هذا الوصف.......؟؟! اللهم حبّب إلى قلوبنا كل قول وعمل تحبه وترضاه, اللهم آمين.
وفاته:
إخوتي, ها قد وصلنا إلى الصفحة الأخيرة من سيرة الضياء المقدسي رحمه الله.. والتي ستمرّ على كل منا, فتلك هي نقطة التشابه.. أما الاختلاف فهو فيما حملت السطور من أعمال نقدمها على وجه هذه الأرض..
اللهم إنا نسألك العفو و العافية و المعافاة التامة الدائمة, في الدين و الدنيا و الآخرة, يا ربّ العالمين...دعونا يا إخوتي ندعو لبعضنا في الغيب بالعلم النافع و العمل الصالح قبل فوات الأوان.
_ أما محدّثنا الضياء, فقد توفي في يوم الاثنين من 28 جمادى الثانية عام 643 ﻫ, وشيّعه خلق كثير من التلاميذ العلماء, والفقراء الذين برّهم و واساهم بالكلمة الطيبة قبل النفقة... ودُفن بالقرب من خاله الموفق وأبو عمر رحمهم الله جميعاً.. فهل عرفتم الآن من هو الضياء؟
ولد بار وطالب علم شغوف, وأب صالح لأبناء صالحين, فقيه ومحدّث, مصنّف ومعلم, مربٍّ وصاحب مدرسة للحديث النبوي... مجاهد ضد الصليبيين لتحرير القدس رحمه الله.. ولنسأل أنفسنا ماذا نحمل من أعمال تؤهلنا للقرب من رسول الله والفوز بمباهاته؟؟.
جزاك الله خيرا أيها الضياء, كنت خير خلف لخير سلف..
لنقرأ له الفاتحة الشريفة, راجين من الله تعالى في قراءتها القبول والاستجابة والتوفيق.
المصادر: البداية و النهاية _تاريخ الإسلام_ سير الأعلام.

تحميل



تشغيل