مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 25/08/2013

السبيل إلى خلق وحدة وطنية في الأمة

مقالات

السبيل إلى خلق وحدة وطنية في الأمة

الإمام البوطي - شهيد المنبر والمحراب السعيد

ما السبيل إلى خلق وحدة وطنية في الأمة ضد ما يحوم حولها من كيد المستعمرين وتدابيرهم؟..

السبيل هو التربية الإسلامية التي طالما ظلت فرنسا تحاربها في تخوف شديد. إذ لا ريب أن التربية الإسلامية هي أشد ما يحمل الأمة على الوحدة والتضامن حتى عندما تشيع فيما بينها مختلف المذاهب والآراء. كما أن فقدان التربية الإسلامية هو أشد ما يعرّض الأمة للتفريق والتدابر حتى عندما لا يوجد فيما بينها أي سبب من أسباب التفرق والشقاق.

ولعمري كم هناك من أسباب لمظاهر الخلاف ما بين فئات هذه الأمة هي في حقيقتها ليست إلا سوء تفاهم مصطنع أو رواسب لمحاولات الاستعمار وعبثه يوم أن كان يعثو فساداً في هذه البلاد. وما أسرع ما تذهب مع الريح كل هذه الأسباب والرواسب عندما يقوى الوعي الإسلامي على حقيقته فيما بين مختلف فئات الأمة.

ولست أعني بهذا القول أن التربية الإسلامية من شأنها أن ترغم أصحاب بعض المذاهب على التخلي عن مذاهبهم وما تملي عليهم تلك المذاهب من اعتقادات. ولكن التربية الإسلامية من شأنها – إذا وفيت حقها في المدرسة كماً وكيفاً - أن تقلل الخلافات الفكرية والمذهبية في صفوف المسلمين قدر الإمكان، إذ سرعان ما يتجلى لكل ذي وعي إسلامي أن أكثر هذه الفروق والآراء المذهبية إنما افترضت فرضاً – مع طول الزمن - إلى عقائد ذات سلطان على النفس، ثم جاء الاستعمار فوجد في دعم هذه الفوارق الاعتقادية وسيلة رائعة إلى تفتيت كيان الشعب الواحد وسهولة السيطرة عليه، فراح يدعمها بكل سبيل وأخذ يقلب الخلاف إلى عداوة، والعداوة إلى فتنة هوجاء.

على أن التربية الإسلامية لو لم تنجح – على الفرض والتقدير - في توحيد الصفوف عن طريق نبذ الخلافات، فإنها تقضي على أقل تقدير بوجوب الالتفاف والتضامن حول المبادئ والمعتقدات الإسلامية المتفق عليها مما يتضمنه كتاب الله وسنة رسوله، خصوصاً حينما يدرك الجميع أن اصطناع الخلاف في الأمور الفرعية شيء لا يستفيد منه إلا المستعمر والشيطان. وإن الوازع الإسلامي في هذا الصدد ليتجلى واضحاً في الكلمة المأثورة عن بعض رجال الدعوة الإسلامية: "إن علينا أن نتعاون فيما اتفقنا عليه، وأن يعذر بعضنا الآخر فيما اختلفنا فيه".

هذا عن أثر التربية الإسلامية في قمع غلواء الخلافات الناشبة ما بين فرق المسلمين وطوائفهم..

أما عن أثرها في تكييف علاقة المسلمين مع مواطنيهم الآخرين من غير المسلمين، فالواقع أن الشقاق الطائفي ما قام في فترة ما من الزمن إلا عندما كان يفقد المسلمون الوعي الإسلامي الصحيح والتربية الإسلامية الصحيحة. وإن "حادثة الستين" التي نشبت قبل اليوم فيما بين المسلمين والنصارى لتعكس صورة واضحة لسذاجة وسوء وعي أولئك الجهّال المسلمين الذين كانوا يأتون من الأعمال الشنيعة ما لم يأمر به أي دين.

ولا شك أن من الطبيعي جداً أن تجد المسلم الذي لم يفهم الإسلام إلا بعاطفة فجة غير ناضجة بروح العقل والعلم – من الطبيعي أن تجده وقد جعل من عاطفته تلك الحجارة كبيرة يضرب بها وجوه الآخرين كيفما وجدوا وعلى أي حال كانوا، ذلك أنه لم يفهم في يوم ما علاقة الإسلام بالأديان الأخرى، ولم يعلمه أحد كيف أن هذه العلاقة في علاقة أمانة وذمة وتعايش ووفاء. وهو اليوم وقد بلغ عقله وعمره من الشيخوخة عتياً، غير مستعد أن يفهم من هذا كله شيئاً لو حاولت أن تفهمه إياه، إذ إن بين جنبيه عاطفة مشبوهة عمياء تُخضِع كل شيء لأمرها لا تخضع هي لأي شيء.

وبالمقابل، فإنك لتجد المسلم الذي فهم الإسلام بالعقل والعلم أولاً، ثم جند العاطفة لذلك الفهم ثانياً – إنك لتجده على خير ما يمكن أن تجد مواطناً مع أخيه المواطن.

إذ لا ريب أن هذا المسلم قد تلقّى دروساً طويلة – حينما كان طالباً في المدرسة التي نشأته على التربية الإسلامية - عن سماحة الإسلام حيال أهل الشرائع السماوية الأخرى، وقرأ بتفهم وإمعان مثل هذه الآية: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلكم في الدين، ولم يخرجكم من دياركم أن تبرهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين) وهذه الآية: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، قولوا آمنا بالذي أنزل إلينا إليكم ، إلهنا وإلهكم واحدة، نحن له مسلمون).

ولا ريب أنه علم كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحض على التسامح ويحببه إلى المسلمين بقوله وفعله، فيقول: "من ظلم معاهداً أو انتقضه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ شيئاً بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة".

ويأمر عليه الصلاة والسلام بأن لا يُجبر أحد من النصارى أو اليهود على ترك دينه، فيكتب إلى عامل له في اليمن: "من كان على يهودية أو نصرانية فلا يفتن عنها".

ولا ريب أن اطلع على شهادة كثير من النصارى واليهود أنفسهم بتسامح الإسلام ورفقه ولينه .. واطلع فيما اطلع على ما قاله البطريرك "عيشويايه" التي تولى منصبه عام 647 – 657 هـ: "إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا بعدالة كما تعرفون، إنهم ليسوا أعداء للنصرانية، بل يمتدحون ملتنا، ويوقرون قديسنا، ويمدون يد المعونة إلى كنائسنا وأديارنا".

ولا شك أنه اطلع أيضاً على ما قاله السير توماس آرنولد: "لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحين بتسامح عظيم منذ القرن الأول للهجرة، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة ونستطيع بحق أن نحكم أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما اعتنقه عن اختيار وإرادة حرة، وإن العرب المسيحين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح".

فإذا كان هذا المسلم قد علم هذا كله أيام دراسته وتكوين فكرته عن الكون والحياة وتربى على هذا المبدأ ونشأ على هذا الوعي فماذا تتوقع أن تكون علاقته بزملائه ومواطنيه الآخرين؟

إنها ولا ريب علاقة الوفاء والإخلاص والتضامن وهي العلاقة التي أرداها الإسلام نفسه، ووصى بها الرسول، وحققها الواقع والتاريخ.

ولعمري ليس أطرف ولا أعجب في هذا الباب من قول من قال: إن التربية الإسلامية في المدرسة خطر على الوحدة الوطنية ونذير بين يدي شقاق طائفي!..

والحقيقة كما رأينا هي أن الشقاق الطائفي لا يظهر إلا عندما يكون إسلام المسلمين عاطفة هوجاء غير مهذبة بنور العرفان والعلم. كما هو حال المتدينين من العامة والجهال. وأنه ليصدق على هذا واقع التاريخ ومنطق العقل السليم.

والحقيقة أيضاً أن الوحدة الوطنية لا يحزمها شيء كالوازع الديني الصحيح. ذلك أن الدين من أساسه إنما يهدف إلى إيجاد مقومات الوحدة والتضامن ضد أي عدو دخيل، وهو في الوقت نفسه يهدف أيضاً إلى قطع دابر كل ما من شأنه أن يشق عصا الأمة ويهدد وحدتها وتضامنها.

فيا للعجب!.. كيف يصبح الدين الذي جاء لتوحيد الأمة وضفر جهودها وجمع قواها سبباً للتفريق ومهدداً للوحدة الوطنية ونذيراً بيت يدي الشقاق والتدابر؟!.

المصدر: كتاب تجربة التربية الإسلامية في ميزان البحث.

تحميل



تشغيل