مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 12/08/2013

الحب في القرآن ودور الحب في حياة الإنسان

مقالات

الحب في القرآن ودور الحب في حياة الإنسان
العلامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
الحمد لله المنعم المتفضل الذي وصعت رحمته عباده أجمعين، والصلاة والسلام على النبي الأمي الذي بعثة الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه صلاة وسلاماً دائمين، إلى يوم الدين.
وبعد: فإن حديث الحب في كتاب الله، يشمل ما يدل على حب الله عز وجل لعباده،
ويشمل ما يدل على محبة الإنسان لربه، كما يشمل ما يدل على حب الإنسان للأغيار من دون الله عز وجل. وفي القرآن تذكير للإنسان بالوظيفة التي أقامه الله عليها، خلال حديثه في ذلك كله.
فأما حديث القرآن عن حب الله للإنسان، فيتجلى في الآيات التي تتضمن تكريم الله له وأمره الملائكة بالسجود له متمثلاً في شخص أبيه آدم، سجود تحية وتكريم، كما يتجلى بتمييزه الروح السارية في كيانه عن الأرواح الأخرى، بنسبتها إلى ذاته العلية.
يقول الله عز وجل: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)
ويقول خطاباً بالملائكة: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ).
كما يتجلى حب الله للإنسان في قوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) وفي قوله (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ) كما يتجلى فيما أعلنه البيان الإلهي في آيات كثيرة من تسخير الله تعالى الكثير من مكوناته لخدمة الإنسان وتحقيق رغائبه واحتياجاته.
فهذه الآيات تلتقي كلها على جامع مشترك، هو حب الله للإنسان من حيث هو كذلك، أي بقطع النظر عن السبل المذهبية والفكرية والسلوكية المتنوعة، التي تفرّق فيها هذا المخلوق فيما بعد، تحت سلطان الدوافع الفكرية والنفسية المختلفة الكثيرة.
ثم إن المهمة العظمى التي أنيطت بالإنسان، هي العمل على استبقاء الحب الرباني ال1ي ميزه الله به عن سائر الأحياء منذ فطرته الأولى. وذلك باتباع النهج الذي رسمه الله له في قرآنه، وفصّله وزاده بيانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق سنته وهديه، وهو منهج دراية وعلم أولاً، وسلوك شخصي وتعاوني ثانياً.
فمن عمل على استبقاء هذا الحب من الله عز وجل له، من خلال الالتزام بالمنهج الذي شرعه الله وأخذه به، تنامت محبة الله له، ونال حباً آخر كسبياً منه عز وحل، بالإضافة إلى خلعة الحب التي ميز الله بها هذه الخليقة من حيث هي، وأصبح محلاً لألطافه ورحماته، وتحقق فيه معنى قول الله تعالى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) ، وقوله في الحديث القدسي: "وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها.." الحديث. رواه البخاري من حديث أبو هريرة.
ومن أعرض عن هذه الخلعة التي اختص الله الإنسان بها منذ فجر وجوده، فتجاهل نداء الله وخطابه له، وأعرض عن المنهج الذي أمره الله باتباعه، وركب رأسه في الانقياد لرعوناته، وما ركب فيه من شهوات حيوانية دون انضباط بشرعه، سلبه الله هذه المزية وزج به في نقيضها وصدق عليه قوله عز وجل: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) وقوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)
ولكن ما هو الحب؟... وما المراد بالحب المتجه من الله للإنسان؟
أما الحب من حيث هو، فأحسب أن أدق تعريف له أن يقال: إنه تعلق الإنسان بشيء ما على وجه يؤنسه القرب منه ويوحشه الابتعاد عنه.
وأم المراد بحب الله للإنسان، فلا شك أن كلاً من الاستئناس والاستيحاش غير وارد في حق الله تعالى، تنزه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، ولكن هذا الذي تنزه الله عنه لا يستدعي تفسير الحب من الله تعالى للإنسان بالمعنى المجازي، كالرضا، وكمدّه بالنعم والخيرات والمثوبة والحماية من أسباب الشقاء. بل الحق أن نذهب في هذا مذهب السلف رضوان الله عليهم في تفسيرهم لآيات الصفات. فقد فسروا الصفات فيها بمعانيها الحقيقية، ولكن دون تكييف أو تشبيه. فنقول: أما وقد أثبت الله في قرآنه حبه لعباده في مثل قوله تعالى: (يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ). وقوله تعالى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، فإن علينا أن نفهم حبه لهم بمعناه الحقيقي دون أي تأويل، ولكن دون تكييف أو تشبيه أيضاً، لقد أثبت الله لعباده الصالحين الرضا عنهم، وقرر حبه لهم. فوجب أن يكون لكل من المزيتين معناه المختلف عن الآخر. والترادف في هذا المجال غير وارد، وننزه كتاب ربنا عنه.
وإنني لشديد العجب ممن يرى شواهد محبة الله لعباده صريحة في القرآن، وهي مرتبة باسقة لم ينلها سوى الإنسان، فيمضي يتكلف أسباب حرمانه من هذه المزية العظمى، عن طريق ما يتحمله من تأويل محبة الله لعباده بالرضا عنهم، أو بما أعدّه لهم من المثوبة الأجر!!.. وقد علم كل عاقل أن الرضا غير الحب، ولذلك أثنى الله على عباده الصالحين بكل منها. كما لا يجهل عبد عرف مولاه وخالقه أن الأجر الذي يتلقاه منه مفصولاً عن مزيه حبّه له، لا يساوي شيئاً. وإذا أيقن بمحبة الله له فكل ما يفوته من نعيم الجنة هيّن وجلل.
وأما حديث القرآن عن محبة الإنسان لله، فنبينه في مثل قول الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ).
وقوله عز وجل: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، وقوله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ).
ولكن ما المعنى المراد بحب الإنسان لله؟ وما الحاجة الداعية إليها أن آمن الإنسان بالله واستيقن ألوهيته ووحدانيته بعقله؟.
أما المراد بحب الإنسان لله، ففي الناس من يذهبون إلى أن الحب بمعناه الحقيقي إنما يكون بين المتجانسين من الأنداد. فالإنسان إنما يتجه بالحب إلى إنسان مثله، يعجب منه بشكله الذي يراه، أو بصوته الذي يسري إلى أذنه، أو برائحته الزكية التي تفوح من حوله، فيحبه.. ذلك لأن الصلة ما بين المحب والمحبوب في العين التي ترى والأذن التي تسمع والأنف الذي يسم والفم الذي يتذوق. أما الله عز وجل فلا سبيل لشيء من هذه الحواس إلى الإحساس به. ومن ثم فإن سبيل الحب من الإنسان لله عز وجل مسدود أو مقطوع.
هذا ما يقوله بعض الناس، وهو ما يحملهم على أن يؤولوا حب الإنسان لربه حيثما ورد في كتاب الله أو على لسان رسول الله، باتباع أوامره والانتهاء عن نواهيه. غير أن تفسير الحب هنا ب1لك يجعل المنافقين في مقدمة من يحبون الله عز وجل. إذ إنهم يطيعون الله باتباع ما أمر والانتهاء عما نهى، ويجعلون طاعتهم الظاهرة له ستاراً لكفرانهم به.
والحق أن تأويل محبة الإنسان لربه بمعني الطاعة، تمحّل والتزام لما لا يلزم. والقول بأن نوافذ الحب محصورة في الحواس الخمس، باطل من القول.. فالبصيرة الباطنة في الإنسان أقوى من بصره الظاهر، والقلب أشد إدراكاً من العين فيما يُرى، ومن الإذن فيما يُسمع. ومن ثم فإن جمال المعاني المدركة بالعقل، كثيراً ما تكون أعظم من جمال الصور الظاهرة للأعين ومن جمال الأصوات الظاهرة للآذان .. فلا ينكر إذن المعنى الحقيقي لحب الإنسان لربه عز وجل، إلا من قعد به القصور عن الإدراك، في مستوى البهائم، فلم يتجاوز حدود الحواس!.
كثيرون هم الذين عشقوا عظماء من الناس، سمعوا بهم ولم يروهم، للصفات الحميدة التي بهرت بصائرهم، ولو رأوهم لما أعجبوا منهم بمظهرهم ولا بشكل .. وإني لأعلم أن في الناس من قد بهرهم خبهم للجاحظ، لخفة روحه المنبعثة من كتاباته، ولروعة بيانه، ولسعة علمه. وهم لو رأوه لما وقعت أبصارهم منه إلى على أقبح صورة!..
إذن فالمجال له مقاييس معنوية يدركها العقل، كما أن له مقاييس حسية تلتقطها الحواس. ومن خلال هذا الشمول صح أن يوصف الله بالجميل. وصدق رسول الله القائل: (إن الله جميل يحب الجمال) رواه مسلم من حديث ابن مسعود. والجمال محبوب بكل أنواعه ومعانيه الحسية والمعنوية، على أن الجمال ليس وحده سبب الحب. بل الإحسان هو الآخر واحد من أهم أسبابه، وعظمة الذات هي أيضاً واحدة من أهم أسباب الحب.
ينبني على هذا ما ينبغي أن نعلمه من أن الذي يستحق الحب بمعناه الحقيقي إنما هو الله وحده. فإن هذه الأسباب الثلاثة للحل، ليست موجودة عند التحقيق إلا في ذاته هو.
فهو الجميل في ذاته وصفاته. وكل ما يوصف بالجمال من دونه فجماله متفرع عنه مكتسب منه. وهو المحسن الأوحد في الكون. وكل مظاهر الإحسان السارية بين الناس ليس إلا ظلالاً وأقنية وافدة من إحسانه .. وهو العظيم الذي بهرت عظمته البصائر والأفكار، في كل ما أبدع وأحكم، وفي كل ما قدر وهدى.
إذن فالله جل جلاله هو المستحق دون غيره للحب، بل لا وجه لحب ما سواه، إلا أن يكون متفرغاً عن حبه هو، كحب الرسل والأنبياء وحب من سخرهم الله لرعايتك والإحسان إليك.. وكحب الجمال الذي يتراءى في الصور والأشكال، وما تسمعه الآذان، فإنه عند التحقيق ليس منسوباً إلا إلى مبدع الجمال وخالقه وهو الله عز وجل. لذا فإن حب الإنسان لهؤلاء الأغيار متفرع في الحقيقة عن الحب الواحد، للواحد الذي لا ثاني له وهو الله عز وجل. وليس حباً منافساً لحب الله عز وجل.
ومرد هذه الحقيقة إلى ما هو معلوم من أن الإنسان مفطور على مقومات الإيمان بالله، ودل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي وأبو يعلى والطبراني من حديث الأسود بن سريع: (كل مولود يولد على الفطرة ..) الحديث. وقوله في الحديث القدسي الذي رواه مسلم وأحمد والنسائي: (.. إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاحتالتهم..)
وهذا يستلزم أن يكون الإنسان مفطوراً على محبة خالقه ومولاه.
وربما أشكل هذا على من يقول: ولكن أكثر الناس تتجه قلوبهم، منذ نعومة أظفارهم، إلى محبة المشتهيات الدنيوية، مما يتفق مع رغبات الغريزة الحيوانية في الإنسان، ولا يقف الأمر عند هذا الجد، بل يتجاوزه في أكثر الأحيان إلى أن يتشكل من هذه المحبة الهابطة ما يحجب صاحبها عن معرفة الله عز وجل، فضلاً عن محبته والتوجه بالطاعة والانقياد إليه.
والجواب أن الفطرة الإيمانية في كيان الإنسان، أيا كان، هي التي تبعث فيه مشاعر الحب بل هي التي تهيج فيه عوامل الشوق أيضاً. ومعين ذلك كله إنما هو الروح، التي أهبطت من الملأ الأعلى لتغدو سجينة في هذا القفص الجسدي إلى أجل مسمى. إنا تتشوق إلى ذلك العالم العلوي الذي أهبطت منه، وتتلهف حنيناً إلى الذات الإلهية المنسوبة إليه والقريبة (قرباً غير مكاني) منه. فهي تظل، كما قال أبو علي بن سينا عنها:
تبكي وقد ذكرت عهوداً بالحمى
بمدامع تهمي ولما تقلع
إذن فأشواق الإنسان وحنينه وعواطفه تصاعد منبعثة من روحه إلى العالم العلوي الذي أهبطت منه، أي إلى فاطرها وهو الله عز وجل.
ولكن الغرائز والشهوات الحيوانية التي ابتلى الله الإنسان بها، تصادر هذه الأشواق والعواطف، وتوجهها وتستثمرها لحسابها وتجعلها ترجماناً لرغائبها، فيقع الإنسان من جراء ذلك في وهم سرعان ما ينطلي عليه، إذ يحسب أن أشواقه التي يشعر بها إنما هي لرغائبها الغريزية، وأن حبه إنما هو لمشتهياته من الصور والأشكال التي تراها عيناه. وهي في الحقيقة ليست كذلك.
وآية هذا الذي أقول، أن في الناس من قد وصلوا إلى مشتهياتهم الغريزية، وتقلبوا في كل ما تهفوا إليه أهواؤهم الحيوانية، ولكنهم ظلموا يعانون من مشاعر تتجه بالحنين إلى المجهول، وتتشوق إلى ما لا يعرفون!.. يلذ لأحدهم التذلل وينّشي للكلمات المعبرة عنه ويطرب لها، دون أن يعرف الجهة أو الذات التي يطيب له أن يتذلل لها. كثيرون الذين يتجاوبون ويتفاعلون مع قول الشاعر:
لي لذّة في ذّلتي وخضوعي
وأحب بين يديك سفك دموعي
فإذا سألتهم عن الذات التي تتجه مشاعرهم بالتذلل لها، حاروا في الجواب. وأحالوا إلى المجهول!..
فما السر في إدراك أحدهم لهذا الشوق والحنين المنبعثين من أعماق شعوره، دون أن يدرك الجهة التي ينبعثان إليها؟!..
السر ما قلته لك من أن هذه المشاعر تتعالى من الروح القابعة في كيان الإنسان، حنيناً وشوقاً إلى الله عز وجل، ولكنها إذا تمتزج بضجيج الرغائب الغريزية الأخرى، تُصادر لحسابها فيترجمها أحدنا إلى لغة هذه الرعونات الحيوانية. ولكن أشواق الروح تظل مستمرة ويظل صوتها سارياً مختلطاً ً بذلك الضجيج، حتى بعد أن ينال أحدنا كل ما تتشوق إليه أهواؤه وغرائزه.. وعندئذ كل ما يدركه صاحب هذه الروح أن شوقاً يتفاعل في كيانه وأن حنيناً إلى شيء ما لا يزال يهيمن على مشاعره.
ولا يستبين الإنسان مصدر هذه الأشواق الصادرة منه =، ولا المحبوب المتجه إليه، إلا بعد أن يأخذ نفسه بقدر كبير من الالتزام بأوامر الله، وبعد أن يداوم على تغذية روحه بغذاء مستمر من مراقبة الله وذكره. فعندئذ يتراجع زخم الشهوات والأهواء الغريزية في كيانه، ويخفت ضجيجها، ويضعف سلطانها. فيتجلى عندئذ يتراجع زخم الشهوات والأهواء الغريزية في كيانه، ويخفت ضجيجها، ويضعف سلطانها. فيتجلى عندئذ صوت الروح، وتستبين لغتها وتتضح الذات التي تلهف اشتياقاً وحنيناً إليه وحباً له.. إنه خالقها ومولاها المنسوبة إليه ابتداء والآيلة إليه انتهاء.
وربما تخلص الإنسان من ضجيج رعوناته وأهوائه هذه، بطريقة أخرى لا تحوجه إلى جهد الالتزام والمداومة على الأوراد. وذلك عند دخوله في مدراج الشيخوخة، إذ يخمد حينئذ لهيب الغرائز، ويتراجع سلطانها عليه، فيتهيأ عندئذ لاستقبال حديث الروح والإصغاء إلى صوتها، ويستبين له عندئذ حقيقة الحب المستعر في أعماقها، ويتعرف على المحبوب الحقيقي المشوقة إليه، إنه الله عز وجل!!.. وليس أياً من الصور والأشكال التي كان ينجذب إليها ويقف عندها .. وينظر إليها، فيرى أن هذا المحبوب العظيم الذي تتشوق إليه روحه قريب منه، بل هو أقرب إليه من حبل الوريد، ويستيقن في نفسه أنه لم يكن محجوباً عنه إلا بالسحب الداكنة من رعوناته وأهوائه، فلما انجابت عنه وطوي سلطانها عن طريقه، كشف عنه الغطاء ورأى محبوبه بعين بصيرته .. وربما فوجئ بهذا الذي كان محجوباً عنه، ثم ارتفع الحجاب مما بينة وبين محبوبه الحقيقي وفطرته الإيمانية اليوم. ولربما حاول أن يعبر عن مكنون شعوره المفاجئ، فضاقت لديه العبارة في التعبير عن امتزاج ألم الشوق بلذة اللقاء بين جوانحه، فاستعار ما يقوله الشاعر ربما عن هذه النشوة ذاتها ولكن دون أن يدري:
ومن عجب أني أحن إليهم
وأسأل شوقاً عنهم وهم معي
وتبكيهم عيني وهم في سوادها
ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي
ولكن .. أفمن الضروري لتحقق الإسلام والإيمان بالله تعالى في عقل الإنسان ووعيه، أن يكون قلبه منصرفاً بالحب إلى الله؟ وما هو الدور الذي تلعبه محبة الإنسان لله في حياته، مما لا يتأتى لليقين العقلي بالله ورسوله وكتبه أن يلعبه؟..
والجواب يظهر جلياً في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ)، وفي قوله عز وجل {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }.
فقد دل كل من هاتين الآيتين على أن الإيمان العقلاني بالله لا يغني عن توجه القلب بالحب والتعظيم إلى الله عز وجل.
وسبب ذلك ما هو معروف من أن الإيمان العقلي بالله وحده، مهما استقرت جذوره يقيناً في العقل ومهما تكاثرت أدلته العلمية والمنطقية، فإنه لا يستطيع وحده أن يقود صاحبه إلى سلوك ولا يستطيع أن يصرفه عن رغيبة من رغائب النفس. إنما الذي يملك ذلك في حياة الإنسان، عواطفه القلبية، وهي الدافعة المتمثلة في الحب، والرادعة المتمثلة في الخوف، والممجدة المتمثلة بالتعظيم. في التي تقود صاحبها إلى السلوك.
أرأيت إلى ما يدركهالعقل من حقائق الكون، إن مثله كمثل المصباح المثبت في مقدمة العّربة، كل ما يتأتى منه أن يضيء الطريق الذي أمام العربة، وأن يظهره كما هو، معيداً أو مستوعراً، مستقيماً أو متعرجاً. أما الذي يدفع العربة إلى التسيار، فإنما هو الوقود المتقد غي أعماقها .. والوقود الذي يدفع الإنسان إلى الحب غنما هو الحب، يليه الخوف والتعظيم.
كثيرون هم الذين صدّقت عقولهم بوجود الله ووحدانيته وصفات ربوبيته، وجمعوا لذلك من البراهين العلمية ما لم يقف عنده كثير من أولياء الله الصالحين. ولكن يقينهم هذا لم ينهضهم إلى أي سلوك منسجم مع اليقينيات العقلية، ولم يحملهم على شيء من الالتزام بأوامر الله.
ذلك لأن عواطفهم استعمرتها الشهوات وهيمنت عليها الغرائز، فغدت محبتهم لها من دون الله عز وجل، فكانت القيادة في حياتهم لسلطان الحب، لا لقرارات العقل وأحكامه.
وإذا رأيت في مجتمعاتنا الإسلامية يظهر الاهتمام بالإسلام والغيرة عليه، ويسلك في الناس مسلك الدعوة إلى الله، ثم نظرت فوجدتهم يتخذون مبادئ الإسلام مطية ذلولاً إلى مصالحهم، ومن ثم يغيرون في مبادئه وأحكامه كما يشاؤون، بل كما تشاؤه مصالحهم الشخصية والسياسية، فاعلم أن مردّ ذلك إلى أنهم يتمتعون بإسلام عقلاني مجرد، أما قلوبهم فقد استلبتها محبة الأهواء والعصبيات والرغائب الغريزية، ومن ثم فشأنهم الغالب أن يستخدموا قناعاتهم الإسلامية لرغائبهم النفسية .. وإن مجتمعاتنا الإسلامية تفيض بهذه الظاهرة.
على أن الإدراك العقلي لحقائق الإيمان بالله عز وجل لا بد منه. بل هي المرحلة التأسيسية التي لا بد منها. ولذلك يظل القرآن يدعو الناس إلى التدبر والتفكر ويهيب بهم أن يعملوا عقولهم، وأن يتمسكوا بموازين العلم. ولكن هذا الإدراك العلمي الذي لا بد منه إنما يشكل أحد الجناحين، في مسعى الإنسان إلى مرضاة الله. أما الجناح الثاني فيتمثل في حبه للإله الذي عرفه بعقله، بل التعبير الأدق أن نقول: إنه يتمثل في أن يبادل إلهه الذي عرفه حباً بحب. وما من ريب في أن هذا الجناح الثاني هو الذي يلعب في حياة الإنسان الدور الأخطر.. إذا وجد هذا الجناح متمثلاً في محبة القلب لله عز وجل، ساق صاحبه إلى التحقق بشرائع الإسلام وأحكامه الأخلاقية، بأمانة ودون أي تلاعب أو تغيير، وإذا فقد، متمثلاً في الأغيار، ساق صاحبه إلى تجنيد الإسلام واستخدامه لما قد تعلق به عليه من تلك الأغيار.
ولننظر!.. إن ثمة حقيقة تزيدنا يقيناً بأهمية هذا الجناح الثاني، جناح الحب، في حياة الإنسان. وهي أن من تكاملت في عقله دلائل الإيمان بالله، حتى أورثته اليقين العلمي، لا يمكن أن يتحول اليقين ال1ي لديه، بعد ذلك، إلى نقيضه. أي يستحيل لمثله أن يرتد إلى الكفر بالله بدافع يقين معاكس. لأن حقائق العلم ثابتة لا تتغير، فإذا احتضنها العقل ازدادت في داخله ثباتاً ورسوخاً. إلا أن يكون إيمانه السابق مستنداً إلى ما دون اليقين من الرتب والظنون.
فإن رأيت من ارتدّ بعد يقين علمي حقيقي مستقر، فاعلم أن الذي حوّله عن الإيمان بالله إلى نقيضه إنما هو تيار الحب الغريزي للرغائب والشهوات المحرمة هيمنت على مركز القيادة من قلبه، فلم يبق لحقائق الإيمان بالله محل في قلبه، فعادت قابعة محاصرة في ساحة عقله وحده، ثم كان لا بد أن ينكره أو يتجاهله ذلك الذي هيمن عليه سلطان الرغائب والأهواء الغريزية، فراراً من تهمة ازدواج الشخصية أو التناقض القائم بين أحكام العقل وقراراته الإيمانية من جانب، وتطلعات الأهواء والرغيب العصبية والشهوانية المناقضة من جانب آخر.
وعن هذا النوع من الدرة يخبر البيان الإلهي قائلاً: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.
لم يكن هذا الرجل –واسمه عند أكثر المفسرين بلعام بن باعوراء- مكلوءاً بحصن الحب لله عز وجل محمياً بسوره، فتسرب إليه الشيطان واستولي عليه وأغوى صاحبه عنه. ولم يكن للشيطان سبيل إلى إيمانه، لو كان محروساً بقلب هيمنت عليه محبة الله. ولكن قلبه كان فارغاً عن ذلك، تجوب فيه رياح الشهوات والأهواء، وهو معنى قوله: (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ). فانتزعت تلك الرياح إيمانه وأطارته وجعلته أثراً بعد عين. وهيهات أن يكون للتصديق العقلي في هذه الحال قيمة، لأن سكر الشهوات التي هيمنت عليه أنسته قيمته ووجوده.
وعن هذا النوع من الردة أيضاً يتحدث البيان الإلهي، مرة أخرى. ولكنه هنا يؤكد بالمقابل ثبات الإيمان ورسوخه لدى أولئك الذي أحاطوه بسور الحب. يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) تلاحظ أنه جل جلاله لم يقل: فسوف يأتي الله بقوم أكثر يقيناً بحقائق الإيمان، كما هو المتوقع عند من يتوهم أن الردة إنما تكون بسبب هجوم الشكوك والريب على مركز الإيمان في العقل، وإنما قال: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه). أي فسوف يأتي الله بقوم حصّنوا إيمانهم العقلي بالله. بالمحبة القلبية له، فاستعصى على الشيطان والأهواء سبيل النيل منه أو القضاء عليه.
وكم يزهى اليوم بهذه الآية كثير من مسلمي العالم الغربي، أولئك الذين لعب الحب الدور الكبير في انجذابهم من أودية الشهوات والأهواء التي كانت مسيطرة عليهم، إلى صعيد الإيمان والعرفان وصدق الالتزام!. قال لي أحدهم، وهو فرنسي مسلم، [وقد كنت أنعي على المسلمين في العالم الإسلامي سوء حالهم وإعراضهم عن الإسلام، واستجابتهم لتيارات الحداثة والعلمانية والفكر الاستغرابي] قال لي منشّياً: أين أنت من قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ).
بقي أن نتساءل: فكيف السبيل إلى أن يحصّن أحدنا إيمانه العقلاني بالله، بحصن المحبة له، بحيث تتغلب محبته على محبة سائر الأغيار، مما قد تتعلق به الشهوات والأهواء؟.
والجواب أن السبيل إلى ذلك سهل معبّد، لو أن أحدنا التفت إليه وعزم على السير فيه. بل إن في الصالحين الذين عرفوا الله فأحبوه من يعجب لطرح هذا السؤال، إذ يرى أنه لا يصدر إلا عمن تاه عن فطرته التي فطر الله جميع عباده عليها.
السبيل إلى ذلك أن يربط الإنسان النعم الوافدة إليه بالمنعم، وهو الله عز وجل، وهو أيسر وأفضل طريقة لذكر الله. وهي ما كان رسول الله مواظباً عليها.
إذا أقبل المساء وحان وقت الرقاد، وتمددت على فراشك، وأنت مدود الجسم والأعصاب، اذكر أن نعمة الرقاد التي تنتظرها وافدة إليك من عند الله، وهي رسالة عناية بك وحب لك .. وقل ما كان رسول الله يقول عند استقباله لنعمة الرقاد..
فإذا استيقظت، وقد عادت إليك راحة الجسم والأعصاب، فاذكر أن هذه النعمة وافدة إليك من الله عز وجل، وردد ما كان رسول الله يقول عند نعمة الاستيقاظ..
فإذا قمت ودخلت الدورة، فاذكر هذه النعمة العزيزة الجديدة الوافدة إليك أيضاً من الله، وهي لطفه بك إذ صفّى كيانك ودمك من شوائب الآفات والسموم، وخاطب ربك بمثل ما كان بخاطبه به رسول الله في تلك الحال، عند كل من الدخول والخروج.
فإذا خرجت، ووقفت أمام المغسلة تغسل يديك، فاذكر هذه النعمة العجيبة، نعمة الماء في لونه الذي لا لون له، وفي رائحته لها، وفي سيولته التامة المهيأة بذلك لتطهيرك من كل ما يعافه أنفك وتشمئز منه عيناك، واذكر أنها نعمة عجيبة غالية، أرخصها وجودها متدفقة في كل مكان، واذكر أنها وافدة إليك من الله عز وجل.
فإذا جلست بعد ذلك إلى مائدة الطعام فتأمل الطعام في الأصناف الموصوفة منها على مائدتك، واذكر أنها، على تنوعها، ليست إلا ثمرة سماء أمطرت، وأرض أنبت، وأنعام سخرها الله لك لحوماً وألباناً. واذكر أنها وافدة إليك من الله عز وجل..
فإذا بدأت تأكل فاذكر نعمة المضغ والتلذذ بالطعم، ونعمة الازدراد. وتأمل كيف أن أضراسك تطحن قطعة اللحم الداخلة في فمك مع بقاء لسانك المختلط بها في نجوة من أخطار قضمه!.. واذكر أنها هي الأخرى نعمة وافدة إليك من الله عز وجل.. وخاطب ربك بمثل ما كان يخاطب به رسول الله ربه عند بدء الطعام ونهايته.. وهكذا، استقبل سائر نعم الله الواردة إليك دون انقطاع، واربطها بالمنعم جل جلاله ، واعلم أنها كلها ليست إلا رسائل حب مرسلة إليك من الله عز وجل.
أفتظن أنك حتى عندما تسير في هذا السبيل ثابتاً مستمراً فيه، ستبقى محبتك الفطرية لله راقدة في كيانك؟!.. أعتقد أن هذا الذي تظنه من أوضح المستحيلات .. ستستيقظ محبة الله في فطرتك، وسيتقد لهيبها بين جوانحك، ولسوف تستقبل رسائل حبه لك (وهي كثيرة لا تحصى) بلوعه الحنين إليه ولذة الاشتياق إلى رؤيته، ولسوف تبادله حباً بحب، وعندئذ تتراجع محبتك للأغيار من المشتهيات والأهواء والعصبيات، إذ تصبح مقودة لحبك العلوي الأقدس، بعد أن كانت قائدة له حاكمة عليه، وتدخل حينئذ في عداد من قال عنهم: (َالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ).
وصفوة القول .. إن الإسلام الذي يتعامل معه كثير من المسلمين اليوم، هو الإسلام العقلاني أو الفكري، المجرد عن دعائم العاطفة والحب .. والنتيجة التي لا مناص منها في هذه الحال، أن يتسرب إلى القلب، ثم يهيمن عليه حب الأغيار، من الرتب والمكاسب والأهواء وما يتطلبه سلطان العصبية للذات .. ونتيجة هذه النتيجة، أن يُستَخدم ذلك الإسلام الفكري المجرد، أداة طيعة لما تتطلبه العصبيات، ولما تتطلبه الخطط والأنشطة الرامية إلى نيل المكاسب والرغائب السياسية والنفسية المختلفة!!..
ومن هنا تتفجر عوامل الخلاف فالشقاق بين الأطراف، وسرعان ما يتحول ذلك إلى مكايدة واتهامات .. وهذا هو السبب الذي يجعل أنشطتهم (وما أكثرها) ولقاءاتهم وجهودهم، بل جهادهم (وما أخطرها) ينتهي بالإخفاق والعجز عن معالجة أبسط المشكلات .. إنهم يراوحون في أماكنهم وإنك لتصغي السمع، فتسمع من أنشطتهم المتنوعة جعجعة ولا ترى طحناً!..
ألا إن محاولة السير إلى الله بالتعامل مع الإسلام الفكري وحده، توثُّب للصعود إلى مرضاة الله بجناح واحد، وهيهات!.. فالفكر وحده جند من جنود النفس وحظوظها .. وإن محاولة السير إلى الله بالتعامل مع الإسلام العاطفي وحده، توثب للوصول إلى مرضاته بجناح واحد أيضاً، وهيهات!.. فالعاطفة الدينية إن لم تنضبط بأحكام الشرع والعقل تآكلت وأحرقت نفسها!..
وإنما يكون السير إلى الله بالسعي إلى بلوغ مرضاته، بجناحي العقل الذي يدرك الحقيقة، والقلب الذي يتفانى في حبها. ذلك هو الطريق الذي سلكه السلف الصالح لهذه الأمة. فوصلوا إلى ما انتهوا إليه من أعاجيب النصر والتوفيق. والله هو المسؤول والمستعان أن يكرمنا في السير إلى مرضاته بهذين الجناحين.
والحمد لله رب العالمين.

تحميل



تشغيل