مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 07/08/2013

مسألة إخصاب الجنين في الأنبوب .. مشكلاتها .. حكمها

بحوث ودراسات

مسألة إخصاب الجنين في الأنبوب .. مشكلاتها... وحكمها

كنت قد قلت في مناسبات كثيرة:أن على المسلمين أن يدركوا أهمية علم الكلام في تاريخ المسلمين الغابر ويومهم الحاضر،وأن عليهم أن يجددوه ويطوروه بدلاً من أن ينتقصوه قدره أو يظلموا أهله،إذ هو في حقيقته ليس إلا حواراً أو نقاشاً يعتمد على أسلوب المنطق ومنهجية البحث،في تبديد كل ما قد يثار حول أصول الإسلام من شبهات ومشكلات.

وقلت في مناسبات كثيرة،وأقولها اليوم أيضاً:إن على علماء المسلمين أن يحملوا علم الكلام مهمتين اثنتين.

الأولى:وضع التيارات والشبهات الفكرية الجديدة في ميزان هذا العلم،ثم نقضها على ضوئه وبأسلوبه نقضاً موضوعياً وعلمياً هادئاً.وإنما تعود فائدة هذه المهمة الأولى على أولئك الذين يطوف بأفكارهم أو يهيمن على عقولهم بعض هذه التيارات.

الثانية: استخلاص قانون يوضح للمسلمين اليوم الحدود الأخيرة التي يمكن أن تصل إليها نهضة العلوم الكونية،في ميزان الإسلام وحكمه،بحيث يقف الفكر الإنساني من بعدها أمام جدار صلب لا يمكن اجتيازه أو اختراقه.وإنما تعود فائدة هذه المهمة الثانية على عامة الطبقة المثقفة من المسلمين اليوم.

غير أن جمهرة من مفكري المسلمين اليوم،لا يزالون يرفضون هذا الكلام ويرفضون الاعتراف بأي دور ايجابي قام أو يمكن أن يقوم به علم الكلام في التاريخ الاسلامي.

وهم بصدد المهمة الأولى يرون أن ما يسمونه بالمنهج القرآني يغني عن كل شيء ويبدد كل شبهة ومشكلة!..أما بصدد المهمة الثانية فيرون أن من السابق لأوانه شغل بال المسلمين بالدرجات المقبلة في سلم النهضة العلمية القائمة،مقتنعين بأن لكل حادثة حديثاً،وبأن لكل مفاجأة جزئية حلولاً جزئية تناسبها.

ولست الآن بصدد العود إلى مناقشة هؤلاء المفكرين،ودحض تصوراتهم،ولكني أريد أن أجعل من النبأ الذي شاع وذاع أخيراً عن قصة النطفة التي تم إخصابها في أنبوب خارج الرحم مثالاً يؤكد ضرورة ما قلته،ويوضح مدى أهمية الرجوع إلى علم الكلام وتجديده في حياتنا العلمية والثقافية المعاصرة.

إنني أريد أن أذكر الذين يتساءلون عن موقف الإسلام من تلك القصة،بالقاعدة العامة التي ينهض عليها الوجود الإسلامي كله ولا يلحقها أي تبديل أو تحوير مهما فوجئ الناس بعلوم واكتشافات.

ولا ريب أننا إذا فهمناها فهماً سليماً ودقيقاً،أغنتنا عن الخوض في الجزئيات،وامتصت كل المشكلات و التساؤلات،وسار المسلم بنبراسها في طريق واضح مبين لا تفاجئه منعطفات كشوف علمية،ولا تزعزع من يقينه بالله عز وجل أعاجيب ما قد يصل إليه الفكر الإنساني في يوم من الأيام.

ويمكننا أن نلخص شرح هذه القاعدة بالبيان التالي:

أولاً:هل يمكن للإنسان أن يكتشف قوانين الأسباب والمسببات التي أقام الله نظام هذا الكون عليها؟

ثانياً:هل يمكن للإنسان أن يؤتى من الطاقة العلمية ما يعينه في الجمع بين هذه الأسباب ومسبباتها في ظروف و مناخات صناعية يجاري بها النظام الطبيعي في

وجوده الكلي العام،بحيث تثمر الأسباب في ذلك المناخ الصناعي أيضاً نتائجها الطبيعية ذاتها؟

ثالثاً:هل يمكن أن يضع الإنسان يده_نتيجة لذلك_على مقاليد الصلة الخفية بين الأسباب والمسببات الكونية،بحيث يطمئن اطمئناناً علمياً تاماً إلى حتمية انبثاق النتائج من مقدماتها،وإلى الحزم العلمي باستمرار الصلة القائمة بين الأسباب والمسببات ؟

ونقول في الجواب على السؤال الأول:لا ريب أن من الممكن لكل إنسان أوتي نعمة العقل والتفكير لأن ينتبه إلى النظام الذي يقوم عليه هذا الكون.وما نظامه إلا صلة ما بين مقدماته ونتائجه وأسبابه ومسبباته.وما دعا القرآن الإنسان إلى النهوض بمهمة أقدس ولا أسمى من شرف الوقوف على هذا النظام.ومن نافلة القول وتكراره إعادة سرد الآيات والنصوص القرآنية التي تدفع أولي العقل والتفكير إلى السعي لاكتشاف هذا النظام وعلاقة ما بين أجزاء المكونات و ظاهراتها المختلفة.وكيف لا يهيب القرآن بالناس أن يرتفعوا إلى هذا السمو في التأمل والتفكير،وهو السبيل الأول لليقين بوجود الخالق والإيمان بعظيم حكمته ورائع تدبيره ؟

أما الجواب على السؤال الثاني:فهو أن هذا أيضاً داخل في الممكنات التي أقدر الله الإنسان عليها ومكنه منها.ولولا ذلك لما صح أن يكون مستخلفاً على عمارة هذا الكون،ولما صح أن الله عز وجل قد سخر له كل ما في السموات والأرض..إذ كيف تكون أشياء الكون مسخرة للإنسان من حوله،إذا كان لا يستطيع أن يعمد إلى نظام ما بينهما من صلة وعلاقات،ليستفيد منها حيث يريد،وليسيرها ضمن ضوابط ترعى احتياجات الإنسان ومصالحه ؟

فليس هناك ما يمنع من أن يجمع الإنسان منثور الظواهر والأشياء إلى بعضها، ليستخرج منها النتائج المفيدة لعمارة هذه الأرض وإسعاد الإنسان،بل تلك هي وظيفته التي أقامه الله عليها في هذه الحياة الدنيا.على أن يجعل محور سعيه كله فيها الدخول في سلطان العبودية التامة لله عز وجل.

ولا يجوز في مقياس العلم،فضلاً عن الدين،أن يسمى نجاح الإنسان في شيء من هذا السعي خلقاً أو إبداعاً لمعدوم،أو إيجاد لسنة كانت غير موجودة.فإن الذي يستغل الظواهر الكونية_بالطريقة التي يشاء_لاستخراج نتائج معينة منها لا يوجد أي معدوم،ولا يبدع أي قانون،ولكنه يجمع شتات الظواهر والأسباب الموجودة إلى بعضها،فتظهر الثمرة التي كانت كامنة فيها.وليس للعلم في ذلك إلا دور التنبيه إلى تلك الظاهرات وما قد أودع فيها من فاعلية وتأثير،ثم التأليف بينها على نحو يتفق مع ما تقوم عليه من حكمة ونظام.وهكذا فالعلم لا يوجد مفقوداً ولكنه يؤلف بين نثار الموجودات،على نحو تتحقق منه غايات معينة وهذا معنى قولهم:العلم يتبع المعلوم وليس العكس.

بقي أن نجيب على السؤال الثالث:هل يمكن للإنسان،نتيجة لذلك،أن يضع يده على مقاليد الصلة الخفية بين ظواهر الأشياء،وبتعبير أدق:هل يستطيع أن يصل إلى قرار بحتمية الصلة القائمة بين الأسباب والمسببات ؟

والجواب:إن هذا ما لا يمكن الوصول إليه ! فما من ريب أن علوم الإنسان وطاقاته مهما سمت وتطورت لن تتجاوز ما ذكرناه،ولن تصل إلى هذا الحد.

وكل ما يمكن أن يحققه الإنسان من مبهرات الإنجازات العلمية،لا يخرج عن كونه استغلالاً لظواهر رآها،ثم تبين وظائفها وطاقاتها،فاستثمر منها تلك الوظائف والطاقات.وهيهات أن يكون "العلم" في جوهره إلا المؤتمن العظيم على هذه الحقيقة ذاتها.

لقد بحث العلماء،قديماً،في العلاقات القائمة بين الأسباب والمسببات:من أين ينبع؟ وما سرها؟فلم يتبينوا بعد هذا البحث الدائب في نطاق المادة شيئاً،ولم يضعوا أيديهم إلا على اقترانات قائمة بين ظواهر معينة..أكد فلاسفة المسلمين هذا في تصحيحاتهم الدقيقة لبعض الفلاسفة اليونانيين،وأكد ذلك من بعدهم الفلاسفة الوضعيون والتجريبيون من أمثال هيوم وبركلي،ويؤكد ذلك جميع العلماء الذين جاؤوا من بعدهم إلى اليوم،لا يستثنى منهم إلا دعاة الفلسفة المادية،فهم وحدهم الذين يٌدلون بقرار غيبي يقول بحتمية العلاقة بين الأسباب والمسببات،دون أن يروا من دستور هذه الحتمية شيئاً سوى استمرار الاقتران،وما كان استمرار الاقتران بحد ذاته دليلاً على حتمية ذلك في المستقبل بوجه من وجوه النظر والاعتبار.وهكذا فإن أنصار الفلسفة المادية هم وحدهم الذين يخالفون القرار العلمي المتفق عليه،ألا وهو:العلم يتبع المعلوم،حيث ينكسونه ليصبح:المعلوم يتبع العلم.

ثم إنك إذا تأملت في القرآن،وجدت فيه قرار الدين المؤكد لهذه الحقيقة التي نقولها ففي الوقت الذي يدفع القرآن الإنسان إلى اختراق حواجز الجهل واكتشاف سنن الكون وتسخيرها لمصلحة الإنسان،بكل السبل الممكنة،يقرر بأن الإنسان لن يقوى على زعزعة تلك النواميس عن أمكنتها شروى نقير،ولن يستطيع الوصول إلى معرفة

شيءمن الأسرار التي تقوم عليها علاقة ما بين الأشياء.ومن ثم فإنه لا يستطيع أن يجزم جزماً علمياً بأي نتيجة ستقع في المستقبل،بناء على ظهور مقدماتها وأسبابها الدالة عليها

وبهذا المعنى الدقيق كان الغيب محجوباً عن الإنسان مهما بلغ علمه،فلا يعلمه "بالمعنى الدقيق للعلم" إلا الله عز وجل.

وتأمل في التعبير عن هذه الحقيقة، مدى دقة الآية القرآنية التي يقول فيها الله عز وجل :

(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ...).

فأنت تلاحظ أن الآية إنما تتكلم عن مفاتيح الغيب، لا عن الغيب ذاته!.. فما الفرق بين الغيب ومفاتحه!

إن الغيب هو المطر المتوقع هطوله لظهور أسبابه ودلائله من حولنا.. أو هو الجنين الذي يتوقع أن يأتي ذكراً لظهور القرائن التي تنبه إليها الأطباء مع كثرة التجارب والملاحظات...أو هو الكسوف المتوقع في ساعة معينة آتية. إذ تجلت أسبابه في عالم الفلك وبالوسائل العلمية المختلفة...فهذا هو الغيب.

أما مفاتح الغيب، فهو الدستور الخفي المنظم لصلة ما بين المطر وأسبابه، ولصلة ما بين ذكورة الجنين وقرائنه، ولصلة ما بين الكسوف وأماراته.. أي أنه يتمثل في إدراك السبب الخفي لسببية هذه الأشياء بعضها لبعض.

فلتلاحظ كيف أن القرآن سلب عن الإنسان الوصول إلى مفاتح الغيب ولكنه لم يسلب عنه معرفة الغيب ذاته، وذلك عندما أعاد الضمير في قوله (لاَ يَعْلَمُهَا) إلى المفاتح لا إلى الغيب!.. ومعرفة الغيب وحده مبتوراً على معرفة قانونه أو سره الخفي، لا يسمى في الحقيقة علماً، بل هو ظن راجح قوي. إذ يمكن في كل لحظة أن تنقطع صلة ما بين السبب ومسببه، ما دمنا لا نعلم من براهين حتمية العلاقة بينهما شيئاً.

وأعود الآن فأقول: إن على كل مثقف مسلم أن يعلم هذه الحقيقة فيما يعلمه من أصول الدين وعقائده، بقطع النظر عن جزئيات الاكتشافات العلمية التي نفاجأ بها يوماً بعد يوم. فإنا إذا عرفنا هذه الحقيقة لن نفاجأ بشيء، ولن نجد أنفسنا في كل مرة بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا من جديد هذا السؤال المكرر المعاد: هل يعقل أن يتحقق هذا على ضوء الدين واليقين بوجود الله ؟

وأنا ما أردت أن أقول هذا الذي قلته، في شرح هذه الحقيقة، جواباً على استفسارات الناس الكثيرة عن موقف الإسلام من قصة إخصاب النطفة الإنسانية في أنبوب جهز بالشروط والأسباب التي جعلها الله تعالى شرطاً لتلاقح البويضة وإخصابها...ولكنني أردت أن أعود بهذه المناسبة بالأخوة المستفسرين وغيرهم على القاعدة العلمية أولاً والإسلامية ثانياً في هذا الصدد، والتي من شأنها أن تجيب على قصة النطفة وغيرها، وأن تورث المسلم ملكة ثقافية عامة تريحه من أمثال هذه المشكلات بعد اليوم.

وتطبيق هذه القاعدة على نبأ إخصاب النطفة خارج الرحم، أنه لا مانع في ميزان اليقين بوجود الله عز وجل، أن يتبين الطبيب الأسباب والظروف التي أقامها الله سبيلاً لتخلق الإنسان وتكونه في رحم الأم.. ثم لا مانع من أن يمكن الطبيب من استغلال هذه الأسباب والظروف، ويجمع أشتاتها في أي مناخ صناعي، وأن تتحقق النتيجة ذاتها.

ولكن العلماء جميعاً لن يستطيعوا الجزم يحتمية الصلة القائمة بين تلك الأسباب ونتائجها، إذ إنهم لا يعلمون من أمر فاعليتها شيئاً سوى طول الصلة والاقتران بنتائجها فما أيسر على من بيده مقاليد هذه الصلة الخفية أن يقطعها حيثما شاء. وكم من توقعات للعلماء(بناء على ما لاحظوه من مقدمات وأسباب)خابت ولم تتحقق، ولم يكن لذلك من سبب سوى مجرد تخلف النتائج عن مقدماتها.

ولعلك قد سمعت بأن بعض الأطباء في الغرب يأمل في اقتراب اليوم الذي يتمكن فيه الطب أن يعلم _منذ الأيام الأولى لظهور الحمل_ نوع الجنين: أذكر هو أم أنثى !.. وإننا نقول، بناء على القاعدة التي أوضحناها: أن هذا ممكن، وإنما سبيله تتبع القرائن والأسباب التي جعلها الله شرطاً لذكورة الجنين ولأنوثته، وهي قرائن لم يستأثر الله بعلمها، بل ندب الناس إلى التنبه إليها.

ولكن هل ترقى معرفة ذلك إلى اليقين الجازم سيكون ذكراً؟ أو إلى القدرة على التحكم بنوع الجنين؟

لا...لا يمكن أن ترقى هذه المعرفة إلى اليقين الحتمي، ولا إلى أي تحكم بالنوع. لأن الإله الذي أقام ذكورة الجنين على الأسباب التي شاءها، قادر على أن يبطل سببيتها في الوقت الذي يشاء.

لا جرم أن الأمر يقف إذن عند حدود الظن الراجح وحده.

بقي جانب آخر في الموضوع، هو جانب الحكم التكليفي الشرعي.

فهذا الجانب ناظر إلى كل جزئية على حدة، لاختلاف الأحكام باختلاف النتائج والمصالح.

وحكم إخصاب النطفة خارج الرحم، مداره في الإباحة والحرمة على أمرين اثنين:

الأمر الأول: أن يتأكد العلماء والأطباء تأكداً تاماً، من أن هذه الطريقة لن تعقب أي ضرر جسمي أو نفسي أو عقلي في الجنين بعد ولادته. فأما إذا لم يتوافر هذا اليقين، فإن الإقدام على ذلك محرم بالاتفاق، عملاً بالقاعدة الشرعية الكلية "لا ضرر ولا ضرار".

الأمر الثاني: ألا يستتبع الإقدام على هذا العمل اختلاط في الأنساب. فإذا كانت النطفة التي يراد إخصابها بهذه الطريقة، هي نطفة كل من الزوج والزوجة، وتمت إعادتها بعد ذلك إلى رحم الزوجة دون غيرها، فذلك جائز "بعد ملاحظة توافر الشرط الأول" وأما إذا كان الأمر غير منضبط بذلك، فهو غير جائز في نطاق الأحكام الشرعية قولاً واحداً.

وإنني أقول _على ضوء هذا الكلام_ من الناحية التطبيقية:

إن عملية إخصاب النطفة خارج الرحم، لا تزال في طور التجربة. ذلك لأن أحداً من العلماء لم يتبين بعد انعكاسات هذه العملية على الجنين بعد ولادته. ومدى الضرر الذي يمكن أن يلحقه بسببها. وهذا وحده كاف للقول بحرمة هذا العمل من الناحية الشرعية. ثم إن الأمر بعد ذلك لا يخلو أن يكون ذريعة إلى اختلاط الأنساب، فهو باب إذا انفتح لم تؤمن عواقبه. ونظراً إلى أن الذرائع في الشريعة الإسلامية، تأخذ في غالب الأحيان أحكام نتائجها، فإنه لا يجوز أن يفتى بجواز ذلك _حتى وإن أمن الضرر للمولود_ إلا في أضيق الظروف وفي الحالات الضرورية الاستثنائية.

المصدر من كتاب الإسلام ملاذ كل المجتمعات الإنسانية

تحميل