مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 01/08/2013

التمذهب بالسلفية بدعة لا يقرها اتباع السلف

بحوث ودراسات

الفرق بين التمذهب والاتباع


حصيلة ما قد عرفناه في البابين الماضيين، أن اتباع السلف الصالح، وترسم خطاهم في فهم كل من القرآن والسنة والعمل بهما، واحب على كل مسلم بمقتضى كونه مسلماً ملتزماً بكتاب الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله أمر عباده بإطاعة رسوله، فقال: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذلُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنهُ فَانتَهُوا). وأمر رسول الله الناس باتباع سنته سنة خلفائه الراشدين المهديين، واقتفاء سيرة الصالحين من أصحاب القرون الثلاثة من بعده. فقال: (وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وستة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ)، وقال أيضاً: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). ولا معنى لإعلان هذه الخيرية إلا الأمر باتباعهم والاقتداء بهم.        


ولكنا عرفنا أيضاً أن التمذهب بمذهب جديد اسمه "السلفية" يقوم على عصبية الانتماء شيء آخر لا شأن له بالاتباع المطلوب، بل يتفق لا معه كما قد رأينا في كثير من الجزئيات والتفاصيل.


ولكن هل من فرق بين التمذهب بمذهب يسمى "السلفية"، واتباع السلف؟ وما هو هذا الفرق إن كان موجوداً؟ وأقول: إن الفرق بينهما، يشبه الفرق الذي تراه بين قولنا: "محمديين"، وقولنا "مسلمين" .


ومن المعلوم أن إطلاق كلمة "محمديين" على المسلمين، أمر يلح ويصر عليه طائفة كبيرة من الباحثين والمستشرقين الأجانب. ومن المعلوم أيضاً أنها تسمية مرفوضة في ميزان الرؤية الإسلامية، ومن خلال الواقع الذي يعيشه المسلمون الصادقون مع إسلامهم.


إذ أن كلمة "محمديين" هذه تعبر عن انتماء المسلمين إلى شخص محمد عليه الصلاة والسلام، والتفاهم حول ذاته، وتعصبهم لأفكاره الخاصة به.


 أما كلمة "مسلمين" فتعبير عن الدينونة لسلطان الله وحكمه، وقبولهم لكل ما جاءهم منه عن طريق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.


 فالتفافهم حول رسول الله صلى الله عليه وسلم التفاف أخذ من الله؛ وطاعتهم له، ليست في حقيقتها إلا طاعة لله، وليس حبهم له إلا لأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم


فهذا الفرق الذي تراه واضحاً بين كلمتي "محمديين" و"مسلمين" هو بعينه الفرق الذي بوسعك أن تراه جلياً، بين التمذهب بالسلفية واتباع السلف.


التمذهب بالسلفية، يعني أن للسلف مذهباً خاصاً بهم، يعبر عن شخصيتهم، وكينونتهم الجماعية؛ ثم إنه يعني أن هؤلاء الذين دخلوا في هذا المذهب، هم، من دون سائر المسلمين، الذين يمثلون حقيقة الإسلام وينهضون بحقه! فالإسلام يغدوا، من خلال هذا التصور والفهم، هو التابع لهذا المذهب وأصحابه يسير ورائه أنَّى ساروا ويتبنى من المبادئ والأحكام والآداب ما يتبنونه ويرونه، ويحارب من ذلك كله ما يحاربونه!


أما اتباع السلف، فإنما يعني تكريم أولئك الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتكريمهم من أصحاب تلك القرون الثلاثة الأولى والذين أخلصوا دينهم لله واعتصموا _صادقين_ بحبل الله؛ كما يعني اتباعهم في فهم الإسلام والاقتداء بهم في المنهج الذي ترسموه في فهم نصوص كل من القرآن والسنة واستنباط المبادئ والأحكام.


فالإسلام _في الحقيقة_ هو المتَّبع، ومنهجه في الدراية والفهم هو المحور والأساس.


وإنما السلف الصالح الذين أخلصوا دينهم لله هم الأدلّاء والهداة في الطريق إلى ذلك الموئل والأساس؛ وإنما ارتفعت قيمة من ارتفعت قيمته منهم، وهبطت درجة من هبطت درجته منهم فخرجوا من دائرة السلف الصالح وإن عاشوا في عصورهم، بمقتضى ميزان هذا الدين ومنهجه.


فهو الذي رفع منهم أناساً ووضع آخرين كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.


هذا هو الفرق بين التمذهب بمذهب يسمى السلفيّة، واتّباع السلف الصالح تحقيقاً لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.


ومن الواضح أن الثاني من جوهر الدين ولبه، وأساس من أسس السنة المطهرة التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الأول ابتداع لشيء لم يأذن به الله، وتخيّل لأمر لم يكن له أي وجود في التاريخ.


فإن العصور الثلاثة المباركة الأولى في صدر الإسلام، لم تشهد ظهور مذهب في قلب الأمة الإسلامية اسمه المذهب السلفي أو مذهب السلف، له مقوماته ومميزاته التي تفصله وتميزه عن سائر المسلمين، وتجعل لهم مرتبة يتبوؤنها في العلو والشرف من دون سائر الذين لم يكن لهم شرف الانتماء إلى هذا المذهب.


وإنما كانت ثمة مزية واحدة لا تدانيها ولا تنافسها أي مزية أخرى، هي مزية الاصطباغ عن صدق بهذا الدين، ثم فهمه والعمل به تطبيقاً للمنهج والميزان اللذين تم بيانهما والحديث عنهما في البابين الماضيين.


فكل من تشرف بهذه المزية تبوأ بحق تلك المرتبة العليا في الدنيا والآخرة.


وكان بذلك فرداً بل عضواً عاملاً في جماعة الأمة الإسلامية الواحدة لا يحجزه عنهم زمان أو مكان.


وكل من لم يكن له شرف هذه المزية بأن خرج على الإسلام أو شذ عن شيءٍ من أصوله ومنهجه في الدراية والفهم فقد قذفه شذوذه هذه وراء سور الجماعة الإسلامية.


فهو مقطوع النسب عنها، دون أن يشبع لشذوذه زمان متقدم أو مكان متميز أو قرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو انغماس في عصر السلف وقد علمنا أن عصر السلف ضم فرقاً وجماعات شتى شذو عن الميزان المحكم والمنهج المتبع، فلم تغنهم سلفيتهم من الله شيئاً وكانوا شراً من كثير من المبتدعة الذين ظهروا في العصور المتأخرة من بعد.


إذاً، فإن من السهل على كل ذي بصيره، أن يعلم أن الإطار الذي يحدد دائرة الجماعة الإسلامية المستقيمة على صراط الله عز وجل، هو الانضباط بالقواعد والأصول المتفق عليها في فهم النصوص العربية عامة ونصوص القرآن والسنة خاصة، بعد التقيد بمنهج المعرفة في التفريق بين العقائد والأفكار الباطلة الزائفة والعقيدة السليمة الصحيحة التي تنهض على دعائم المنطق والعلم.


 فمن التزم بتلك القواعد التي تم الاتفاق عليها واجتهد فيما وقع الاجتهاد فيه منها، فهو واحد ممن دخلوا بحمد الله في دائرة الجماعة الإسلامية، أيَّاً كان عصره الذي عاش فيه وإنما لسلف الصالح عليهم مزية واحدة، هي ما كانوا يتمتعون به _بسبب قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم_ من صفاء الرؤية إلى مبادئ الإسلام ونصوص القرآن والسنة، فكانوا بحق أساتذةً لمن بعدهم في كيفية الالتزام بالمنهج وكيفية تطبيق القواعد المرسومة في تفسير النصوص.


شأنهم في ذلك كشأن الرعيل الأول من العرب الذين كانوا بحق أساتذةً لمن بعدهم من علماء العربية وقواعدها في فهم تلك القواعد تطبيقها وحدود العمل بها.


ومن هنا يتجلى الفرق بين التمذهب بمذهب يسمى اليوم بالسلفية، وبين اتباع ذلك الرعيل الأول الذين كانوا بحق أساتذةً لمن بعدهم في كيفية فهم الدين وفي تبصيرهم في المنهج الذي ينبغي أن يحكموه في فهمه وتطبيقه.


فالأول وهم مبتدعون لم يكن له أي وجود في عصر السلف الصالح رضوان الله عليهم، والثاني واجب بإيجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعنى الذي أوضحناه وشرحناه.


ولو صح لهؤلاء الذين ابتدعوا هذا المذهب ثم نسبوا أنفسهم إليه، وجعلوا لأنفسهم به شارةً يمتازون بها عن سائر المسلمين، أقول: لو صح لهؤلاء، أن يستنبتوا لأنفسهم هذا المذهب من الواقع الإسلامي العام الذي كان يمر به عصر السلف، فإنه يصح من باب أولى لغيرهم أن يستنبتوا منهباً إسلامياً آخر من الواقع الذي كان يمر به عصر الخلفاء الراشدين، ثم ينسبوا أنفسهم إليه، فيقول عن أنفسهم: راشدين! وربما امتلكوا الحجة القاسية التي بوسعهم أن يغالبوا بها من يسمون أنفسهم: السلفيين.


ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) ولم يقل: السلفيين، بل يصح لفريق ثالث أن يستخرج مذهباً ثالثاً من واقع عصر الصحابة، ثم ينتمي إليه، ويسمَّى كلُّ أفراد هذا الفريق صحابيين! ولن يعدم مبتدعو هذا المذهب أو ذاك، أن يجمعوا له المقومات الكافية لإبراز ذاتيته وشخصيته اللتين يمتاز بهما عن سائر المذاهب الأخرى، من اجتهادات وآراء في الاعتقاد والسلوك، كي تتحد بها معالمه وقوالبه، ويقوم بذلك الفارق _المبارك!_ بينه وبين ما عليه سائر المسلمين من عموم ما يشملهم وصف أهل السنة والجماعة. ولا شك أن أصحاب كلٍّ من هذه المذاهب ، سيسفّه ويبدّع دعاة أو أصحاب المذاهب الأخرى، وسيجعل كلٌّ منهم من خلافاته الاجتهادية وآرائه التي يبرز شخصيته المذهبية بها، سلاحاً لمقاومة الأخرين ونسبتهم إلى الزغل والابتداع! ولا نشك في أن كلّ فريق محقّ فيما يتم به الفرق الأخرى، إذا كل منهم جانح، فيما هوفيه، عن المنهج الإسلامي السديد الذي كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم، سواء الذين كانوا منهم في عصر الصحابة والخلافة الراشدة، أو الذين جاؤوا على أعقابهم من بعد.


 فإنهم كانوا يختلفون بلا ريب، ولكنهم لم يقسموا أنفسهم شيعاً وأحزاباً، على قدر الآراء والمذاهب التي اختلفوا إليها.


 إنا كان يجمعهم الخضوع للمنهج الواحد، فلا جرم أن خلافاتهم الاجتهادية ضمن سلطان هذا المنهج لم يكن ليفرقهم قدداً، بل سرعان ما يذوب أثره في ضرام الألفة الإسلامية الجامعة، ولذلك فإن لم نسمع أن صاحب أي اجتهاد المخالف أو نسب صاحبه إلى الجنوح والابتداع، ثم أخذ التي اختصّ بها مظهراً لشخصية مذهبية خاصة به وبمن انضم إلى رأيه، ثم أخذ ينتصر لمذهبه هذا من حيث يحارب الآراء والاجتهادات الأخرى وأصحابها. نعم لم نسمع أن صاحب أي اجتهاد منهم عمد إلى شيء من ذلك، دام الكل يتحرك داخل خط المنهج المرسوم للمعرفة ولتفسير النصوص.


فأما أولئك الذين شردوا عنه، كالفِرَق الجانحة عن دائرة أهل السنة والجماعة، فلا ريب أن جنوحهم هو الذي أقام الحواجز الكثيفة بينهم وبين عامة أهل السنة والجماعة، وفصلهم عن جسم الجماعة الإسلامية، فكانوا بذلك فرقاً مستقلة، ومذاهب ذات أهواء وعصبية وغلوفي الباطل، وكان بديلهم الوحيد عن ذلك المنهج الذي تمردوا عليه، العصبية للنفس والانتصار للذات.


ولا يسبقن الوهم إلى ذهنك، فتقول: ولكن ها هم السلف الصالحون قد اجتهدوا في الأحكام الفقهية، فأوصلتهم خلافاتهم الاجتهادية تلك إلى حيث فرقتهم في مذاهب فقهية شتى، أقلها المذاهب الفقهية المعروفة.


ذلك لأن هذه المذاهب لم تكن تعبر عن أكثر من جملة آراء اجتهادية وصل إليها أصحابها بعد البحث والنظر، فلم يكن لهم بد من حكم الشارع جل جلاله من العمل عليها والأخذ بها، أما صلة أصحاب هذه المذاهب بعضهم ببعض، فقد كانت على خير ما يرام .


وكانت تشملهم جميعاً دائرة الجماعة الإسلامية الواحدة، ويضمهم سلطان ذلك المنهج الواحد المعتمد لديهم جميعاً في الاجتهاد وتفسير النصوص.


ثم إن كلاً منهم كان عوناً للآخر في جهده الاجتهادي، وكان جميعهم يدرك جيداً أن كلاً منهم مكلف بالعمل بما أدى إليه اجتهاده .


فأين هذا الواقع التعاوني ممن يتخذون من جملة ما تبنوه من آرائهم وأفكارهم الاجتهادية في العقيدة أو السلوك عنواناً على شخصيتهم الإسلامية المتميزة عما عليه سائر المسلمين، ثم يجعلون من آرائهم تلك ما يشبه المتاريس والتحصينات مسلحةً، ليحاربوا من داخلها كل ما يخالفهم في الاجتهاد والرأي، مهما كانوا ملتزمين بالأصول والقواعد الاجتهادية المتفق عليها من قبل سائر علماء المسلمين وأئمتهم سلفاً وخلفاً! وقد عرضنا لك طائفةً كبيرة من المسائل الاجتهادية التي تحتمل أكثر من رأي في نطاق التمسك بكل من الكتاب والسنة، والتي اختلف السلف أنفسهم في كثير منها، ثم كيف عمد من يسمون أنفسهم اليوم بالسلفية إلى هذه المسائل فحصروا وجه الحق فيها في رأيٍ وقول واحد، هو الرأي الذي طاب لهم أن يأخذوا به ثم جعلوا من رأيهم ذلك عنواناً على الدين الحق، وبرهان ضلالة وسفه لكل من خالفهم، دون أي الالتفات إلى الموازين والقواعد الأصولية التي يتقبل فيها أكثر من اجتهاد ورأي، ودون تقدير لاختلاف السلف أنفسهم في كثير منها!


إذاً فقد اتضح لك الفرق بين اتباع السلف الذي هو جزءٌ لا يتجزأ من آداب الفهم والسلوك الإسلامي، والتمذهب بالسلفية الذي هو شيء جديد وتصور طارئ على حقيقة المفهوم الإسلامي، والذي لا ينهض وجوده إلا على تقسيم المسلمين إلى فريقين.


ولكن ما الدليل التفصيلي على أن التمذهب بالسلفية شيء طارئ على المفهوم الإسلامي، وأنه من أجل ذلك بدعة لا تتفق مع اتباع السلف؟


هذا ما سنبينه الآن بتوفيق الله وعونه.


لتحميل البحث اضغط على ملف أدناه

تحميل