مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 21/07/2013

هموم المجتمع مع نفسه هو العلاج الأول

مقالات

هموم المجتمع مع نفسه هو العلاج الأول
للعلامة الشهيد الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
رغم أن الحديث عن الشباب ومشكلاته،يتعلق بأهم القضايا الاجتماعية،وأشدها صلة بما قد نعانيه من المآسي والمصائب المختلفة،فإني أتصور أن الحديث في هذا الموضوع لا يأتي بطائل!.. (وأرجو أن أكون مخطئاً بهذا التصور).
ذلك لأن الذين تؤرقهم مشكلات الشباب،ويتذاكرون في أسبابها وعلاجاتها،لا يملكون من أمر هذا العلاج شيئاً.والذين يملكون العلاج ويقدرون على الإصلاح لا يؤرقهم من هذا الأمر ولا يحسبون لنتائجه أي حساب.
وكم عقدت لهذه المشكلة ندوات، ونشرت فيها كتب وأبحاث، وظهرت فيها نظريات وآراء، دون أن نجد لشيء من ذلك كله أي ثمرة أو فائدة في ساحة التنفيذ.
بل ظل النشء يعاني من مشكلاته، وظل المجتمع يعاني من معاناته، وظل الذين بيدهم حقيقة الحل والتنفيذ منصرفين بأفكارهم واهتمامهم عن هذا الأمر كله.
وأعود مرى أخرى فأسال الله تعالى أن أكون مخطئاً فيما قد توهمت، وأسأله تعالى أن يكون المخالفون لي متمسكين بحبل من الأمل متين، لا مسوقين إلى ذلك بمجرد أداء الأمانة وتقديم المعذرة.
و أياً كان الأمر، فلنعالج هذه المشكلة بدافع من الامتثال لقوله تعالى: ((وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)) الأعراف164.
المشكلة وآثارها المختلفة:
لهذه المشكلة جوانب متعددة، و ربما لاحظ الباحث جانباً واحداً منها، فعالجها من ذلك الجانب وحده.
فقد يرى البعض أنها مشكلة نفسية، سرت إلينا من عدوى الغرب ووبائه.
وقد يرى البعض أنها مشكلة فكرية، أثارتها غواش من آثار النهضة العلمية الحديثة ذات الاكتشافات الهائلة المثيرة. وقد يرى آخرون أنها تعود إلى قضايا جنسية وعاطفية، عقدها الكبت والحرمان، فظهرت بمظاهر متلونة مختلفة!.. ولا يجوز لنا أن نعتبر شيئاً من هذه الآراء تصوراً خاطئاً، أو نظراً بعيداً عن الواقع، وإنما هي في الحقيقة شرح سطحي لآثار مشكلة واحدة.
فالمشكلة بحد ذاتها ليست كامنة في الفكر أو النفس أو الجنس، ولكنها أمرٌ كلي خطير، ينعكس بآثار معينة على كل من هذه الجوانب الثلاثة.
الازدواج والتناقض:
والأمر الكلي الخطير الذي تعاني منه الناشئة في مجتمعاتنا، إنما هو الازدواج!.. الازدواج في القدوة، والازدواج في التعليم، والازدواج في التربية، والازدواج في الأفكار والقيم، وبالجملة فهو ازدواج في جميع الحقول التي تساهم في تكوين شخصية الشاب ونسيجه الفكري.
ففي المدرسة _وهي أهمّ العوامل التربوية_ يتلقى التلميذ أمشاجاً من القيم والآراء المتناقضة المتنافرة، يتسابق إليه بها مربون ومعلمون متناقضون في الفكر والمنهج والسلوك. فهو يتلقى من مدرس الفلسفة والأخلاق نقيض ما قد تلقاه من مدرس الدين ثم يتلقى من مدرس العلوم خلاف ما كان قد تعلمه من كليهما!!..
وتغدو عملية التربية والتعليم والتثقيف، في حياة التلميذ، عبارة عن صراع من البناء من ذهنه ونفسه، غباراً و غشاوات داكنة، تحجز العقل عن التفكير وتبعد الصفاء عن النفس!..
مجتمع متناقض:
وفي الشارع والمكتبة والنادي وأمام التلفزيون، تطوف به مظاهر أخرى من هذا التناقض العجيب!..
فهو يسمع عن الأخلاق والفضيلة وضرورة التقيد بهما وخطورة الخروج عن قانونهما. ويسمع أيضاً عن الحرية والحياة العصرية وضرورة التجمل بها، وخطورة الكبت والقوقعة في حمأة التقاليد!!..
وهو يسمع عن الدين وحقائقه وضرورة قيام المجتمع على دعائمه والاستعانة بمنهاجه وعلاجه لحل كل مشكلة. ويسمع أيضاً عن الرجعية وأوضارها والنهضة العلمية وكيف أنها نسخت العقائد الدينية، وعن ضرورة تحرير الفكر من أسْر الإيمان بالغيبيات و الاستعانة بالفكر المادي لحل كل مشكلة وتحرير كل أرض.
إنه يلمس هذا التناقض الخطير في الشارع الذي يسير فيه، ويقرأه في الكتب و المجلات التي يطلع عليها، ويسمعه في المحاضرات والندوات التي يحضرها أو يتلقاها من المواقع الإلكترونية المتناقضة التي لا حصر لها، ثم هو يعانيه بين زملائه وأصدقائه الذين ينعكس عليهم ذلك كله، جدالاً ومشادة وهياجاً.
وفي البيت، تتجمع حوله آثار ذلك كله، في مظاهر أشد خطورة، وضرراً. إذ قلما تخلو أسرة من أشخاص متناقضين، يجنح كل منهم إلى واحدة من هذه الأفكار والاتجاهات المتناقضة. فيتحول وئام البيت وسعادته إلى شقاق وشقاء، وتسوء علاقة الوالد مع الأولاد، وتتأزم صلة الزوجة بزوجها، ويتعالى الشجار بين الجميع عند كل صباح ومساء.
مظاهر النفاق:
ويتجسد هذا التناقض في جوانب أخرى من المجتمع، في مظهر هادئ من النفاق الأملس، فيفوق في أضراره وبلائه على الناشئة، تلك المظاهر المتناقضة الأخرى، إذ تكون هي وحدها في الغالب، محط الخديعة وكبش الفداء.
يسمع الشاب، في نفس صافية، وقلب صدوق، حديث التضحية والوطنية والفداء، ضمن قالب رائع من الألفاظ والشعارات، فيصدق ويتحمس ويتفاعل، ثم يكتشف على حين غرة أن الشأن أهون من ذلك بكثير، وأن الأمر لم يكن أكثر من بضاعة كلام.
ويصغي السمع إلى كثير من الوعاظ والخطباء والموجهين، فيتأثر لما يسمع، وتطمح به نفسه إلى القيم العالية والأخلاق الفاضلة. وفيما هو يسير بصدق وحماسة إلى هذه الغاية، يفاجأ باكتشاف أغراض ومصالح أخرى من وراء تلك التوجيهات والعظات البليغة، ويكتشف من حال أربابها ما يناقضها كل التناقض!..
فقط الثقة أول النتائج:
هذا هو المجتمع الذي ينشأ الشاب في ظله!.. وهذه هي الأجواء التربوية التي ينهل الشاب تربيته ويستوحي نهج سلوكه منها!.. فأي مصير تنتظره من الشاب أفضل من هذا المصير؟!.. ومن هو الشاب؟.. إنه كتلة غضة يانعة من الفكر والنفس والعواطف... وكل من هذه العناصر الثلاثة بأشد الحاجة إلى الغذاء الصالح الذي يتوقف عليه نموه وتكامله .
وقد كان الغذاء _لسوء الحظ_ هذا الذي وصفته لك، فماذا عسى أن تكون النتيجة؟..
إن رأس النتائج كلها، هو انعدام ثقة الشاب بالمجتمع. فلا الشاب يصلح أن يتتلمذ عليه، ولا المجتمع يصلح أن يكون مربياً له. وإنما يغدو أستاذاً لنفسه منفرداً بإرشاد ذاته!!..
وأما النتائج الأخرى، فلا ريب أنها ينبغي في الانحراف الفكري، والتعقد النفسي، والانطلاق الغريزي.
الانحراف الفكري والنفسي والغريزي:
هي تتمثل في الانحراف الفكري أولاً: لأن المقدمات المنطقية المتناقضة، تنتج شيئاً واحداً هو: إنكار طبيعة المنطق بحد ذاته. وليس أن تنتظر منه غير هذا، مادام سائراً في المرحلة التي يتوكأ فيها عقله _بشكل طبيعي_ على أفكار الآخرين وتعليماتهم. وقد توكأ عليها فأورثه اضطرابهم عرجاً دائماً في الفكر.
وأي قيمة تبقى للعقل عنده، وقد علمتَ أن مقياس هذه القيمة واقع مجتمعه الذي يعيش فيه، وقد رأى العقلَ ممزقاً فيه بين تناقضات عجيبة داخل جدران مدرسته، وضمن وسائل إعلامه، وفي شتى شوارعه وأسواقه. ثم رأى هذه المزق العقلية المتناقضة كيف تعيش في ظل ظليل من رعاية أرباب هذا المجتمع وساسته والبصيرين بشأنه.
إن من الطبيعي أن تجد أكثر هؤلاء الشبان لا يؤمنون بشيء، لأن اللاشيء هو النتيجة المنطقية للصراع المستمر بين شيئين!...
وهي تتمثل في التعقد النفسي ثانياً: لأن النفس الإنسانية إنما تسير في فجاج الحياة بدافع من مجموع عواطفها الدافعة والرادعة والممجدة. وهذه العواطف إنما يتألف نسيجها في النفس عن طريق المجتمع وما فيه من دوافع الأمل والرجاء والحب، وروادع الخوف والعقاب والإشفاق، وأسباب النعم والرفاهية والخيرات، وبقدر ما يتألف مزاج معتدل من مجموع هذه الأنواع الثلاثة من العواطف في النفس، يتوفر فيها الصفاء والشعور بالسعادة والاستقرار.
فكيف للنفس أن تسترضع من المجتمع الذي هذا شأنه عواطفها الإنسانية في تناسق واعتدال؟!!
إن المجتمع الذي تتشابك متصارعة فيه المذاهب والآراء، ثم يتخذ من الناشئة حقلاً لتجاربه وحلبة لمصارعاته _سواء تمثل ذلك في المدرسة أو البيت، أو الشارع أو المكتبة_ هذا المجتمع لا يستطيع أن يغذي نفس الشاب بأي معنى مما يسمى بالحب أو الأمل أو الرجاء، ومن ثم فهو لا يستطيع أيضاً أن يقرنه بأي مزيج معتدل من الخوف والإشفاق وروح العقاب.
والنتيجة هي أن تنمو بين جوانح هذا الشاب نفس متمردة على كل شيء، لا تدين
بولاء، ولا تنقاد لحب، ولا ترتدع بخشية، نفس مضطربة لا تؤمن إلا بذاتها، ولا تغذي سوى أنانيتها، لأنها لم تجد من سلطان العقل ما يفرض عليها أي سلوك غيره، ولم تجد من عطاء المجتمع ما يربطها بأي تعلق آخر.
وتتمثل في الانطلاق الغريزي ثالثاً، لأن العقل لما تثلم حدٌّه، وعجز عن النظر والضبط، وتقاصر سلطانه عن السيطرة على النفس والقدرة على توجيهها _ظهرت من وراء ذلك الغريزة الطبيعية لتنطلق على سجيتها. والإنسان كلما ازداد تحرراً من قيوده الفكرية ازداد ارتباطاً بدوافعه الغريزية. وما الإنسان لولا ضوابط العقل والتفكير إلا حيوان هائج ثائر الأهواء والشهوات. وقلما تجد في مثل شراسته أيَّ حيوان آخر. ذلك لأن الغريزة في الحيوانات المختلفة تسد مسد العقل عندما تتوقف حياتها على انبعاثات عقلية مدبرة، أما الإنسان فالغريزة فيه هي الدوافع واللواعج الشهوانية فقط. إذ كان في وجود العقل ما يغني عن ضوابط الغريزة وتدبيرها. فإذا فاتت حكمة العقل وزوال رشده هاجت الغريزة هياجاً لا تجد مثله عند أي حيوان!...
التيارات الاجتماعية الصغيرة:
وإنها علاج الشباب في مجتمعاتنا، وإليك بعضاً من آثارها.
كلما كانت هذه المشكلة أبرز وأقوى، كانت آثارها في نفوس الشبان وتفكيرهم أشد وأخطر، وإذا تأملت حال الأمم المختلفة اليوم وما يعانيه نشؤها من المشكلات والعقد، رأيت مصداق هذا الذي أقوله لك. ولا مجال في هذا المقام لسرد الوقائع التفصيلية دليلاً على ذلك.
وقد تجد في مجتمعاتنا _رغم ما فيها من التناقض الذي وصفناه_ شباباً يستمتعون باستقامة فكرية وسعادة نفسية وسلوك منضبط قويم، فتظن أنه دليل على خطأ ما قد عرضناه.
والحقيقة أن هؤلاء الشبان أتيح لهم أن ينضووا في تيارات اجتماعية صغيرة، ضمن مجتمعهم الصاخب العام، فكان لهم من مجتمعهم الصغير ذاك ما حجزهم عن الزعازع والعواطف التي تطوف من حولهم، فتقلصت آثارها عنهم بالقدر الذي يملكون به قوة المدافعة والثبات. ومثل هذه التيارات الاجتماعية الصغيرة يعتبر قوارب نجاة قد ينجو من يتعلق بها ويصل إلى شاطئ الأمان. ويعود إليها وإلى قادتها الفضل الأكبر في إنقاذ ما يمكن إنقاذه وسط عواصف هذا المجتمع الخطير.
المرض في المجتمع وليس في الشبان:
ولنتحدث بعد هذا عن العلاج.
ولكن فلنتساءل قبل ذلك عن المريض الذي يتطلب العلاج، أهو النشء أم المجتمع؟
لا ريب أن المريض إنما هو المجتمع وما ظاهرة المشكلة التي تتمثل في حياة الشباب إلا أثراً من آثار مرضه هو.
ومن الظلم العجيب ما قد يفكر فيه بعض الباحثين من علاج يوصف للشبان أو منهج تربوي يؤخذون به، حتى يصلح أمرهم وتحل مشكلاتهم!!. وواضح أنهم يفكرون في غير طائل، وأن علاجاتهم لا تقع أي موقع للشفاء، لأن الشبان ليسوا هم المرضى، وإنما المريض هو المجتمع الذي يعيشون فيه.
وما هو العلاج الذي يصلح المجتمع؟
إن الذي يصلحه إنما هو شيء واحد، هو أن يكون صادقاً مع نفسه، متسقاً مع شتى مؤسساته وجوانبه.
يصلحه _وقد أقر بالإسلام وسبيله _ أن يحرك أجهزته باتساق وتعاون نحو هذا السبيل. فالمدارس بمختلف مقرراتها ومدرسيها ونظمها يجب أن تضفر جهودها في هذا السبيل. والحركة الثقافية التي تتمثل في نشر الكتب والصحف ونشاطات وسائل الإعلام يجب أن لا تند أو تنحرف عن هذا السبيل. والقيم والمبادئ التي يدين لها المجتمع يجب أن لا تكون شيئاً آخر غير قيم الإسلام ومبادئه. ونظرة التطور والتقدم والرقي يجب أن لا تكون محصورة ضمن سلم الإسلام ومنهجه.
أجل.. فما ينبغي أن يترك المجتمع شبابه المثقف حائراً بين الآيات القرآنية التي يتلوها القارئ في المذياع مردداً قوله تعالى : {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ}[سورة النور/31]والحديث الاجتماعي الذي يلقيه مذيع من بعده يفند فيه مضمون هذه الآية ويدعو النساء إلى التحلل من الستر الصيانة والحجاب!.
وما ينبغي أن يلوَّح للشبان بعقوبة من يعاكس الفتيات وبحطة من ينحرف إلى معاطاة الرذيلة، ثم ينقلب هؤلاء الملحون فيشجعوا مغريات الرذيلة ويصفقوا لمظاهر الغي ونداء الجنس ودوافع الأهواء.
وما ينبغي أن تترك المدارس حقلاً للتنافس في النزعات الفكرية المتصارعة، إلى جانب
درس الدين الذي يلقاه التلاميذ من مدرس مسؤول وبكل نظامي ورسمي !..
وما ينبغي أن ينشر في صحيفة يومية سائرة، حديث ديني يذكر الناس بالخالق وحسابه، وينشر إلى جانبه حديث آخر يهزأ بالدين ودلائله وقيوده...
وما ينبغي أن يجهد نفسه كاتب مثلي بالبحث في حلول مشكلات الشباب على حين يعكف آخرون على إضرام المزيد من نيران هذه المشاكل.
لا مكان لمثل هذه الحرية بين عوامل التربية:
ولعلك تقول: إنها حرية الفكر والقول !...
فلتعلم أنه لا مسوغ لرتع هذه الحرية ضمن العوامل التربوية المقصودة في المجتمع. و ما قال أحد من علماء التربية يوماً إن لحرية الفكر والقول مجالاً ضمن سلطان هذه العوامل. وإلا فكيف تكون المدرسة أو المذياع أو الرائي أو الصحف والمجلات وسائل تربوية لعقلية النشء ونفسه إذ كان لوساوس الأفكار على اختلافها أن ترتع وتتصارع فيها كما تشاء ؟. وأي غاية تربوية تبقى أمام هذه العوامل عند ذلك؟
ما هو البديل عن الإسلام؟
أما إن اختار قادة المجتمع سبيلاً له غير سبيل الإسلام؟ فعليهم أن يستعجلوا في عرض البديل.
ما هو البديل الذي يحرس كيان المجتمع، ويعالج مشكلاته، ويحقق مصالحه؟
إن أي بديل عن الإسلام يوقع المجتمع عامة وشبانه خاصة في أخطر من المشكلة التي نبحث الآن عن مخرج منها.
إن الجنون الذي سيطر على رؤوس الشبان في أمريكا وأنحاء كثيرة من أوربا، فراح يدفع أمواجاً منهم إلى الانتحار ويدفع بأمواج أخرى إلى العزلة وممارسة البهيمية، إنما هو جنون الفراغ والابتعاد عن الدين. إذ كان الدين في حياتهم لا يعدو أن يكون شعاراً يقبع في المعابد والكنائس، أما المجتمع والسلوك فبعيدان كل البعد عن الدين وأحكامه وأخلاقه!...
وربما يحلم البعض ببديل في الحضارة الغربية!...وربما ظنوا أن هذا البديل يكسبهم أصالة جديدة، ويحل الكثير من مشكلاتهم.
وعلى هؤلاء الناس أن يدركوا بأن المسلمين يستطيعون بسهولة أن يخرجوا على مبادئ الإسلام، وأن يحيدوا عن صراطه الذي ارتقى بهم إلى أوج التاريخ وأن يركنوا إلى الحداثة وأن يفكروا بما بعدها، ولكنهم لا يستطيعون في يوم ما أن يكتسبوا أي أصالة أو حياة عزيزة من وراء هذا الانحراف والخروج.
إن الذي سيتم، بالتأكيد، بعد محاولة استجرار الحضارة الغربية إلينا، هو أننا سنقع في جو من الفراغ النفسي وسننتهي إلى حالة تشعرنا بأن اي تاريخ لا يتعرف علينا، و سنجد أن الأمم كلها تنظر إلينا بهذا الاعتبار، أي كشحاذين تتقاذفنا جدران الحضارات التي نتطفل عليها، وستتراكم على نفوسنا مركبات النقص، وسيحول كل ذلك بيننا وبين الوصول إلى ثمار ذلك المجتمع التي نتخيلها وتتحلب منا الأشداق شهوة إليها.
شهوة البديل أم البحث عن البديل:
إن على الذين يشتهون بديلاً عن الإسلام، أن يتذكروا أن سبيل الاشتهاء يسير، يسلكه العقلاء وغيرهم، لأن دوافعه الغريزة، وليس الإنسان أغنى بها من البهائم. ولو كان لشهوة الغريزة أن تصلح فاسداً لظهر الصلاح في عالم البهائم.
أما الذين يبحثون عن البديل، فليسائلوا عنه عقولهم وتجاربهم، ووقائع الدنيا التي من حولهم، وشقاء الغرب بحضارته، ورثاء العالم لشبابه. ثم ليقولوا منصفين صادقين، هل يجدون عن الإسلام من بديل؟
المصدر: كتاب من هنا وهناك

تحميل



تشغيل