مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 01/07/2013

مشكلة الانشغال عن الدعوة الإسلامية بأحلام المجتمع الإسلامي

مقالات

مشكلة الانشغال بأحلام المجتمع الإسلامي عن الدعوة 1-
العلامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
شاء الله عزَّ وجلَّ بواسع رحمته ودقيق حكمته، أن يختار من عباده ثلَّة يجعل منهم المثل الذي يحتذى والنموذج الذي يقتدى به في الانقياد لأوامر الله وتطبيق تعاليمه وأحكامه. وكأنه عز وجل قضى، بباهر حكمته، أن يجعل من حياتهم وواقع سلوكهم في الجملة، وسيلة إيضاح لمن بعدهم، يهتدون بهديهم كلما غٌمَّ عليهم الأمر والتبست عليهم الحقائق بأشباهها. وقد تمثلت هذه الثلة المختارة في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله عليهم.
وليس في اختيار الله لهم ما يثير دهشة أو يبعث على تساؤل، فهم الرعيل الأول الذين تبلغوا عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه سلم، بعد فترة من الرسل. وهم الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذوا منه وتعلموا على يديه، وهم الذين سرى نور النبوة إلى أبصارهم التي اكتحلت بمرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سرى منها إلى قلوبهم التي فاضت بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فحق أن يكونوا ظلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أن يكونوا من بعده الهداة الذين يقتدى بهم والنموذج الأسمى لكيفية السير على صراط الله عزَّ و جلَّ.
وقد نظرنا، ثم تأملنا طويلاً في موقف هؤلاء الصحابة الذين جعلهم الله، بعد رسولهصلى الله عليه وسلم، قدوة لنا، في كل من الواجبات التي كلفهم الله بها وأنهضهم إليها، والحقوق التي بشرهم بها وتكفل لهم بإنجازها، فرأينا أنهم توجهوا بكل مشاعرهم وقدراتهم إلى الواجبات التي حمَّلهم الله إياها، وسعوا في ثبات واستمرار إلى النهوض بها، دون أن تطوف بأذهانهم أحلام تلك الحقوق التي وعدهم بها، ودون أن يدخروا شيئاً من جهودهم للبحث عن تلك الحقوق، بل دون أن يربطوا بين تلك الواجبات وهذه الحقوق بشيء من رابطة العلة والمعلول، أو اثمن والسلعة. بل تأملنا فلم نجد إلا دفعاً خفياً واحداً ينهضهم إلى القيام بالوظائف التي ألزمهم الله بها، ألا وهو دافع العبودية والمملوكية لإلههم المالك.
ما إن يبايع الواحد منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمناً بالله رباً وبمحمد رسولاً حتى يعود إلى نفسه فيلزمها بإتباع أوامر الله والانتهاء عن نواهيه، مجاهداً نفسه ضد أهوائها، مطهراً ذاته من بقايا الجاهلية، ثم يقبل إلى من يعيل، ثم إلى سائر من حوله من عباد الله عزَّ وجلَّ، يعرفهم على الله ويبلغهم أوامره وأحكامه، مخترقاً إلى ذلك المخاطر كلها، مضحياً بحقوق نفسه إن أهينت، متجملاً بمشاعر الحب لعباد الله والشفقة عليهم جميعاً، وقدوتهم في ذلك كله سيدهم وحبيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم يكن من شأن أيَّ منهم أن يعود في المساء إلى داره ليسأل نفسه:متى وكيف تكون الحاكمية في الأرض عن الله لنا؟. . كما لم يكن من شأن أيَّ منهم أن يتقلب ذات ليلة في أحلام هذا النعيم الذي وعدهم الله به:كيف يكون مذاقه، أو إلى أي مدى يمتد ظلٌّه؟بل كانوا يقطعون الليل، بعد أخذ حظهم من الراحة والرقاد، بنجوى الخائف من تقصيره الطامع في تجاوز الله وعفوه، وربما اتهم أحدهم نفسه، لتقصير تخيل أنه قد ألم به،بلون من النفاق قد ابتلى به، فيتقلب من ذلك في هم يكاد يذيبه، ثم لا يسكن روعه حتى يشكو أمره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيذكره بعظيم رحمة الله وكرمه، و يبشره بأن إحسان الله لعباده يأتي على قدر ضعفهم وعجزهم، إن هم عظموا حرمات الله، واستشعرت قلوبهم مهابته.
تحت سلطان هذه الدوافع والمشاعر، أدوا واجباتهم هذه، وصمدوا لكل ألوان الأذية في مكة..وتحتسلطان هذه الدوافع والمشاعر ذاتها، هاجروا في سبيل الله إلى المدينة، وقد نفضوا أيديهم عن كل زاد إلا زد التقوى والعمل الصالح.. وهم خلال ذلك كله يعرفون الناس على الله ويبلغونهم كلمات الله، ويقدمون نفوسهم وحظوظها قرابين رخيصة على طريق تطبيق أوامر الله.
هل كان أي منهم يخلط بين قيامه بواجباته هذه، والتخطيط لكيفية القضاء على الامبراطورية الساسانية أو الرومانية؟.. هل كان فيهم من يفكر بكيفية الانتقام من قريش التي أخرجتهم من ديارهم، أو يفكر بالغد القريب الذ يصبحون فيه الحكام المهيمنين عليهم والمتنفذين فيهم؟
معاذ الله... لم يكن هذا شأن أحدٍ منهم. بل كانوا قد وضعوا همهم كله في أن يوفقوا إلى أداء حقوق العبودية التي في أعناقهم لله عزَّ وجلَّ، أو يرحلوا إليه وهو راضٍ عنهم غفَّار لهم.
فلما صدقوا فيما ألزموا أنفسهم به من حق الله عز وجل، وفَّاهم الله حقهم الذي تكفل لهم به، فأعادهم إلى الأرض التي أخرجوا منها، وأورثهم أرضاً ودياراً أخرى لم يعرفوها ولم يحلموا بها، وجعل منهم قادة العالم، ووٌرَّاث الحضارة، فكانوا بحق سدى ولحمة المجتمع الإسلامي.
هل كان سعيهم وجهادهم قبل ذلك تخطيطاً لبلوغ حكم، أو إمعاناً في قهر حاكم، أو مناورة لإنشاء حلف. لم يكن هذا شأنهم قط، بل لم يخطر لهم شيء من هذا على بال.
بل مما لا شك فيه أنهم لو ولّوا وجوههم شطر شيء من هذه المشاغل أو صرفوا أفكارهم إليها، لما حقق الله لهم شيئاً مما قد أكرمهم به، ولما جعل منهم أئمة الارض ووراث الحكم وقادة العالم، بل لوكَلهم عندئذٍ إلى أفكارهم المخططة، وأحلامهم المهتاجة، ولما جاءت قدراتهم من ذلك كله بشيء.
فذلك ما نقرؤه واضحاً في كتاب الله:واجبات كلفنا بها وأناطها بأعناقنا، وحقوق تكفل بها لنا، إن نحن أخلصنا القيام بتلك الواجبات.
وهذا ما فعله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعله الله لهم:عاهدوا أن ينفذوا أوامره، وأن يمارسوا عبوديتهم له بإخلاص وصدق، وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه...وعندئذٍ وفَّى الله وعده لهم فورثهم الأرض والديار، وألقى أزمَّة الحكم في أيديهم، وبثَّ الهيبة منهم في قلوب الناس.
وقد علمنا أن الله عزَّ وجلَّ جعل من أصحاب رسول الله النموذج الذي يٌتبع في صحة التوجه والسلوك، فهم الذين يصدق عليهم قول الله عزَّ وجلَّ:(أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَد، فليس لنا َى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ).
وإذا كان الأمر كذلك، فليس لنا عن الاقتداء بهم أي محيص، إلا إن أردنا أن نسلك سبل الغواية بدل الرشاد، أو أن نغامر في اتباع ما لا يجدي أو غرس ما لا يثمر. ونسأل أن يسلّمنا ويقينا من الوقوع في هذا التيه.
ونحن اليوم نعلن عن صدق إيماننا بالله واستسلامنا لألوهيته وحكمه، تماماً كما أعلن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويظهر اليوم في الساحة الإسلامية من يسمون بالإسلاميين أو الجماعات الإسلامية، يضعون أنفسهم من عامة الناس موضع الصحابة ممن بعدهم، فهم النموذج الذي ينبغي أن يقتدى به اليوم بعدهم، إذ هم طليعة رجال الدعوة إلى الله، والقائمون بأمر الله والمجاهدون في سبيله، والمنافحون عن حرماته.
والحق أن على عامة المسلمين، في هذه الحال، أن يقتدوا بهم وينهجوا نهجهم، إذ هم الوارث للخصائص التي تميز بها الصحابة عمن سواهم.
ولكن، أفيسلك هؤلاء "الإسلاميون" فعلاً مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثم مسلك أصحاب رسول الله؟أفيحصرون أنفسهم، فعلاً، في نطاق الواجبات كلفهم الله بها، في حق أنفسهم والناس الذين من حولهم، ويفوضون ما التزم لهم به الله إلى الله.
أننا ننظر، فنجد، ويا للأسف، عكس ذلك تماماً.
لقد نامت في نفوسهم مشاعر الواجبات الذاتية، التي أذاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفسهم في ضرام السعي إليها والنهوض بها، واستيقظت بدلاً من ذلك
لديهم مشاعر التطلع إلى الوعود التي تكفل الله لهم بها.
أمرهم الله عزَّ وجلَّ أن يصطبغوا بذل العبودية لله عزَّ وجلَّ؛شعوراً وتبتلاً وأخلاقاً وسلوكاً، فشردوا عن واجبهم هذا بأحلام السعي إلى إقامة الحكم الإسلامي!..
وأمرهم الله عزَّ وجلَّ أن يعرفوا الناس على الله وأن يبلغوهم كلماته وأحكامه، وناشدهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: (بلغوا عني ولو آية).فتشاغلوا عن واجبهم هذا بهموم الوصول إلى الحكم، ومناوأة من يصدٌّهم عن ذلك.
والخلاصة أنهم قصروا كل التقصير فيما طلبه الله منهم، واجتهدوا كل الاجتهاد فيما ضمنه الله لهم!.. فصدق عليهم قول ابن عطاء الله السكندري: "اجتهادك فيما ضٌمِن لك، وتقصيرك فيما طٌلِب منك، دليل على انطماس البصيرة منك".
هما كلمتان، خاطب الله بهما عباده المسلمين من خلال قرآنه:
حققوا في أنفسكم أهلية الحكم في الأرض عبودية وإخلاصاً لله، وتزكية نفسية ومن ثم أخلاقاً زكية مع عباد الله، أصعدْ بكم إلى سدَّة القيادة في الأرض، وأضع بين يديكم مقاليد الحكم من حيث لا تحتسبون.
وقد رأينا كيف وعى أصحاب رسول الله هاتين الكلمتين، فعكفوا على الواجب الذي ألزمهم به الله عبودية وإخلاصاً وتزكية وأخلاقاً.. وما هو إلا أن ورثهما الله مقاليد الحكم، من حيث لا
يحتسبون.. أجل من حيث لا يحتسبون!..
ثم خلف من بعدهم خلف، تجملوا من حيث الألفاظ والشعارات، بما يرقى بهم إلى
مصاف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنكبوا من حيث العمل والسلوك عن
هذا النهج الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جعلوا كل همهم بدلاً عن ذلك في طرق أبواب الحكم، بكل ما تطول إليه أيديهم من الوسائل التكتيكية والاسباب المتنوعة.
أين هي ليالي التبتل بين يدي الله؟ وأين هي مجالس "تعالوا بنا نؤمن ساعة"؟ وأين هي معارج التزكية بالنفس إلى حيث الإيثار بدلاً من الأثرة، والحب بدلاً من الحقد، و التضحية بالحظوظ بدلاً من التضحية بالخصوم؟ وأين هي حِلَق الذكر التي كانت تزدان بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتورثهم الأفئدة الرقيقة والعيون الدامعة؟
أين هي مجالس التبليغ عن الله والتعريف بألوهية الله وعظيم سلطانه؟أين هو البحث عن
التائهين والشاردين والضالين، وما أكثرهم في كل فجٍّ وصوب، للحوار معهم و الإجابة عن
مشكلاتهم وتذويب شبهاتهم والصبر في سبيل ذلك على أذاهم؟
أين هو السلاح الأول في حياة المسلم الرباني القائم على حدود الله وأوامره؟وهل هو إلا صدق التوكل على الله والثقة بالله والرضا عن الله، ثم الاصطباغ_في التعامل مع الناس_ بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيما صحَّ عنه : (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فلتسعهم منكم بسطة الوجه وحسن إنني أنظر.. وينظر الناس جميعاً معي، فلا نر إلا انصرافاً عن هذا كله.
آلاف التائهين والشاردين، تتصيدهم كل يوم شباك الشهوات والأهواء، أو تتربص بهم جهود الدعاة إلى النار، وقد تسلحوا بما كان أولى بالإسلاميين أن يتسلحوا به، من حسن المعشر وخفض النجاح ولين الجانب، والصبر على مشاق الرحلة، ومخاوف الصدِّ والردِّ.. ولسان حال هؤلاء التائهين والجاهلين يصرخ قائلاً:ألا من منقذٍ يخلصنا من رقِّ أهوائنا التي تحكمت بنا، أو من هؤلاء الماكرين المبشرين الذين يحيطون بنا؟أين هم ورَّاث شريعة الله و رجال الدعوة إلى الله، ينتشلوننا من عذاب نفوسنا ومن كيد المتربصين بنا ؟
غير أن لسان حال الإسلاميين والجماعات الإسلامية يردٌّ قائلاُ: نحن في شغل شاغل عن هذا الذي تدعوننا إليه وتستنجدون بنا من أجله؛إننا مشغولون عنكم باتخاذ أسباب الوصول إلى الحكم ولسوف ننعطف إليكم من فوق كراسي الحكم، لنقودكم إلى الحق عندئذٍ كرهاً، بدلاً من أن نحاوركم وندعوكم إليه عن طواعية ورضا!
أجل.. هذا ما يقوله اليوم لسان حال هؤلاء الإسلاميين. بل هذا ما يقوله كثير منهم بألسنتهم عندما يأتي من يذكرهم بتنكبهم عن الطريق، وهذا ما قاله لي كثير منهم في كثير من المناسبات.
ولكن، ألا ترى، يا قارئي الكريم، أن هذا الاعتذار الذي يأتي بلسان الحال أو بلسان المقال، إنما هو في الحقيقة تطاول إلى تصحيح النهج الذي قضى وأمر به الله؟إن المضمون الذي يختفي وراء هذا الاعتذار،ليس إلا قراراً تصحيحياً لما أمر الله به عباده ولما تعهد لهم به، ثم للسلوك التطبيقي الذي لبى من خلاله الصحابة أمر الله، وللعهد الذي أنجزه الله لهم لقاء ذلك، وإن هذا القرار التصحيحي لينطق قائلاً:خير من سلوك هذا الطريق الطويل إلى نشر دين الله في الأرض وبسط سلطانه على النفوس والبلاد، عن طريق دعوة الناس ومحاورتهم فرداً فرداً، أن نقفز إلى كراسي الحكم فنتبوأها، فنفرض سلطان الإسلام على الناس من هناك شرعة ومنهاجاً. والحكم الذي سيحققه الله لنا، باتباع هذا المنهج الطويل، من حيث لا نحتسب، بوسعنا أن نناله الآن، بسلوك الأسباب والوسائل التي يسلكها غيرنا، من حيث ندري ونحتسب!..
هذه هي مأساة العمل الإسلامي الذي تحول إلى جهد خائب وسعي ضائع، وأخفى عن كثير من الأذهان الحقيقة العلوية المشرقة للإسلام، ثم أبرز له صورة زائفة أخرى ما هو منها في شيء تبعث على الاستيحاش والنفور منه، بل وربما بعثت على الارتياب في مصدره وحقيقته.
غير أنا لا بدَّ أن نستثني قلة من المسلمين الإسلاميين يسلكون سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في سكينة وهدوء، يبلغون عن الله كما كانوا يبلغون، ويلقون بالدعوة إليه فلول التائهين والشارين والفاسقين في حوار ليِّن مشفق كما كانوا يفعلون، وقد تركوا النتائج التي تكفل لهم بها الله لمشيئته وحكمته.. وإني لأعدٌّ جماعة التبليغ أول السالكين في هذا الطريق وخير القائمين بهذا الواجب، ولكنهم من القلة بحيث لا يسدٌّون مسدّاً، وربما كانوا بحاجة إلى دعامة من العلم والعلماء يكونون رفداً لهم في سلوكهم، وسلاحاً إضافياً أمام الشبهات وعكر الفلسفات الجانحة التي تواجههم.
ومهما يكن من فضل هؤلاء المبلغين وجهودهم السلفية الأصيلة الحميدة، فإن ضجيج هذه الجماعات الإسلامية التي تنكبت عن تعاليم القرآن ثم ابتعدت عن النموذج التطبيقي لهذه التعاليم في حياة الصحابة الكرام، لم يبقِ فرصة في الآذان التي تسمع أو للأبصار التي ترى، للتنبه إلى وجود خطوط أو خطوات أخرى، سليمة عن أي اعوجاج، تنهج منهج كتاب الله وتتعقب خطوات رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صحابته البررة الكرام... ذلك لأن قلة أصحاب هذا الخط، وابتعادهم عن الأضواء إلى الظل، وعن الضجيج إلى الهدوء، من شأنه أن يدع الساحة البارزة الكبرى لا تفور إلا بهذا النهج الثوروي الأرعن، ومن ثم فهو وحده الذي يقع تحت أشعة الأضواء الإعلامية التي يستغلها ويتاجر بها الأعداء العالميون لهذا الدين. وإنهمليقطفون اليوم من ثمار ما يجري على هذه الساحة ما لم يكونوا يرجونه ولم يخطر منهم على بال.
أجل، هذه هي مأساة العمل الإسلامي، في أبرز ما يتجلى على الساحة الإسلامية، ولكن
ما هو مصدر الأخطاء التي أورثت هذه المأساة، والتي يقطف اليوم منها، الأعداء العالميون لهذا الدين، أشهى النتائج والثمار؟إن مصدر الأخطاء كلها، يتمثل في العدوى التي سرت إلى الجماعات الإسلامية، من واقع المذاهب والأنظمة الوضعية، والاتجاهات السياسية والثورية التي يسلكها قادة هذه المذاهب ودعاتها، لفرض مذاهبهم وأنظمتهم على المجتمع.
ومن المعلوم أن هناك قاسماً مشتركاً بين الإسلام والمذاهب الوضعية، ولكنَّ بينهما فارقاً أساسياً كبيراً في الوقت ذاته.
أما القاسم المشترك، فيتمثل في أن كلاً منهما يقدم مشروع نظام، يفترض أنه الأفضل والأكثر استجابة لحاجات الإنسان ومصالحه.
وأما الفارق الأساسي الكبير، فيتمثل في أن النظام الإسلامي يأتي ثمرة دينونة الإنسان لله، وإيمانه الطوعي بوجوده ووحدانيته، وثقته وعدله ورحمته، ومن ثم فهو لا يطمئن إلى حكم غير حكمه ولا يثق بنظام يصلح لمعاشه ومعاده غير نظامه، أما الأنظمة والمذاهب الوضعية فهي ثمرة رؤى وأفكار بشرية، تبناها أصحابها بدافع مزيج من الاجتهادات التي اقتنعوا بها، والأغراض التي استهوتهم، والعصبيات التي أسرتهم؛ومن هنا لم يكن لها من سبيل إلى الأفئدة والعقول، تقديساً لها وإيماناً بها؛إذ الناس مهما اختلفوا في الأعراق وتمايزوا في الثقافات والمدارك، تجمعهم مشاعر الندبَّة المتكافئة وتفرق بعضهم عن بعض مصالحهم المتخالفة وأهواؤهم وأمزجتهم المتعارضة. فهيهات أن تسري آراء ثلة من الناس إلى عقول الآخرين من أمثالهم، من خلال قناة التقديس والإذعان آراء أخرجت للناس.
ولما كان أصحاب كل مذهب حريصين على أن يكون مذهبهم هو السائد بين الناس وهو المعمول به في المجتمعات، كان لا بد لهم من سلوك السبيل الوحيد الذي لا ثاني له ولا غنى عنه، ألا وهو سبيل الفرض والإلزام، وللناس بعد ذلك أن يعتقدوا أو لا يعتقدوا بجدوى نظامهم وفائدته.. وليس من سبيل إلى الفرض والإلزام إلا الوصول إلى الحكم ثم استعمال السلطة التنفيذية من هناك.
ويتلخص هذا الفرق في أن بلوغ الحكم في سلَّم العمل الإسلامي، نتيجة وثمرة للقناعات الإسلامية الحقيقية إذ تنتشر في عقول الناس وأفئدتهم، على حين أن بلوغ الحكم في سلَّم الأنشطة التي يمارسها قادة المذاهب والنظم الوضعية، هو المفتاح الذي لا بدَّ منه لبسط أنظمتهم ومذاهبهم التي يدعون إليها.
نعود إلى المصدر الأول للأخطاء التي وقع فيها جلٌّ الجماعات الإسلامية اليوم، وقد قلنا إنه سريان عدوى هذه الأنظمة الوضعية إليها.
أجلْ، فقد نظر قادة هذه الجماعات إلى قادة الأحزاب والمذاهب الوضعية، ورأوا كيف يتجهون إلى كراسي الحكم عن طريق الدخول في المعتركات السياسية، أو اقتحام الطرق الثورية، وما هي إلا بضع محاولات على هذه الساحة أو تلك، وإذا هم متربعون فوق عروش الحكم، وإذا بأنظمتهم وأفكارهم تنبسط في المجتمع دون أي مشاغب أو معارض!.. فما هو إلا أن استهوتهم_أي استهوت الإسلاميين_هذه السرعة الخاطفة في نجاح تلك المنظمات أو الأحزاب في فرض سلطانهم، ومن ثم فرض أفكارهم وأنظمتهم على الناس.
وأخذت العدوى تفعل فعلها في أفكارهم، بل في نفوسهم :
لماذا لا نسلك مسالك هؤلاء الناس؟.. إنهم يحملون إلى الناس أفكاراً وأنظمة بشرية تافهة، ونحن نحمل إليهم الإسلام، ألسنا أولى منهم بالتوجه إلى كراسي الحكم والتحكم بمقاليده، سواء أتيح لنا ذلك بالاشتراك في المعتركات السياسية أم باقتحام الطرق الثورية؟!.. ولئن كان قدر الناس في هذا العصر أن تفرض المذاهب عليهم بالقوة، فلنكن السباقين إلى ذلك، وليكن المذهب المفروض عليهم هو الإسلام !!..
وفي غمار هذه المحاكمة أو المراوضة الفكرية التي فرضتها العدوى، نسي قادة العمل الإسلامي أن الإسلام الذي يدعون إليه وينهضون بخدمته إنما هو دين واعتقاد قبل كل شيء، والدين إنما يسري إلى العقول عن طريق القناعة واليقين، وإنما سبيله الدعوة والحوار والإقناع، أما ما فيه من شرعة ونظام، فنتائج طبيعية لدينونة العقل والقلب لألوهية الله وسلطانه، ولو أن إحدى دول البغي والكفر في الأرض أعجبت من الإسلام بشرعته ونظامه، فاتخذت من شرائعه وأحكامه بديلاً عن نظامها الذي كان سائداً، لما أدخلها ذلك في حظيرة الإسلام من حيث إنه دين يستجيب به الإنسان لأمر الله ويمارس من خلاله العبودية لله. وليس بين شريعة الإسلام والنظام الذي كان سائداً من قبله، في هذه الحال، أي فرق.
ولكن قادة الجماعات الإسلامية نسوا، في غمار هذه المراوضة الفكرية تحت سلطان تلك العدوى، هذه الحقيقة التي هي من البداهة بمكان، واستهوتهم مغامرات رؤساء المنظمات والأحزاب، فأعرضوا عن مهام الدعوة إلى عقائد الإسلام عن طريق التربية والحوار، ثم تفرغوا هم الآخرون للدخول في المعتركات السياسية، أو اتجهوا إلى رسم الخطط الانقلابية والثورية.
وهكذا تحول هؤلاء الذين عرَّفوا الناس على أنفسهم، دعاة إلى الله وخداماً لدين الله، إلى طلاب حكم ينتجعونه في ساحة العمل السياسي أو يطرقون أبوابه من خلال المغامرات الثورية.
وبوسعك أن تتبين عندئذٍ سلسلة الأخطاء والانحرافات الفرعية التي لا بدَّ من الوقوع فيها نتيجة هذا الخطأ الكبير القتال.
ولست أدري هل أنا بحاجة إلى عدِّ هذه الأخطاء التي لا أحسب أن فينا من لا يتبينها أو لا يعلم ضرورة الوقوع فيها، بعد الاستسلام لهذه العدوى الخطيرة التي تحدثنا عنها.
ومع ذلك فلنزد هذه الحقيقة الواضحة وضوحاً بعدِّ بعض من الأخطاء:
قريباً الجزء الثاني من المقال بإذن الله تعالى

تحميل



تشغيل