مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 25/06/2013

الحيل الشرعية

بحوث ودراسات

ما هو المقصود بالحيل الشرعية ؟


وإنما قيدنا الحيل بالشرعية، ليُعلَم أن حديثنا هنا ليس عن أي شكل أو نوع من الحيل وإنما هو عن تلك التي أجازها جمهور العلماء، فكانت بذلك شرعية.

أما التي اتُّفق على بطلانها فليس لنا غرض بها لأنه لا إشكال فيها.ولكن ربما التبست هذه بتلك، لمن لم يتصور حقيقة الحيلة الجائزة ومحترزاتها، فلا بد إذن من إيضاح هذه الحقيقة والكشف عن محترزاتها.

الحيلة الشرعية هي: قصد التوصل إلى تحويل حكم لآخر بواسطة مشروعة في الأصل.

فخرج بقصد التوصل ما لو توصل إلى تحويل الحكم بواسطة مشروعة ولكن دون قصد منه إلى ذلك فلا يعتبر ذلك حيلة مطلقاً.كما لو تزوجت المطلقة ثلاثاً بزوج آخر ثم صادف أن طلقها دون تواطؤ بينهما أو بين الزوج الثاني والأول على قصد التحليل، فهذا وما يشبهه إنما تحول الحكم فيه بناء على تأثير شرعي محض دون أي شائبة أخرى.

وخرج بقيد "بواسطة مشروعة" ما لو قصد تحويل الحكم بواسطة غير مشروعة في أصلها أي بواسطة محرمة، فمثل ذلك تحايل محرم فلا تسقط الحرمة به ولا يجوز أن يتوصل به إلى أي غرض شرعي صحيح باتفاق المسلمين وإن ترتب عليه الوصول إلى غرضه في ظاهر الحكم.كما لو قصد المجامع في نهار رمضان التهرب من وجوب الكفارة عليه بأن يأكل أو يشرب الخمر أولاً ثم يجامع، أو أن ينوي قطع الصوم قبل الجماع، فلا يكون بذلك قد أفسد صيامه به. ومثله ما لو كان مطالباً عند الحاكم بحق لغيره عليه، وجيء بشاهد يشهد عليه بذلك صادقاً، فاختلق خصومة معه لكي لا تصح شهادته عليه، ومثله أيضاً أن ترتدّ الزوجة عن الإسلام لتفسخ نكاحها فتتخلص بذلك من زوجها.ومن هذا القبيل حيلة بني اسرائيل في التخلص من مسؤولية تحريم صيد السبت، وحيلتهم في التخلص من حرمة استعمال الشحوم بإذابتها حتى يتغير اسمها. ذلك لأن الوسيلة في المثالين غير مشروعة.إذ هي في المثال الأول أنهم حفروا حياضاً وأشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت بفعل الأمواج فلا تقدر على الخروج لبعد العمق وقلة الماء فيتلقفونها يوم الأحد، وكانت الحيتان لا تظهر إلا يوم السبت. فحقيقة الاصطياد إنما هي في يوم السبت وإن أخروا تناولها بعد الإستيثاق منها والاطمئنان عليها إلى اليوم الثاني، فمناط التحريم لم يتغير.

وفي المثال الثاني لم يزيدوا على أن أدخلوا الشحم تحت اسم آخر في العرف أو اللغة مع بقاء الحقيقة التي هي مناط التحريم.وقد علمنا فيما سبق أن العرف اللغوي لا يقضي على العرف الشرعي المستند إلى حكم متعلق به، فلو حلف لا يصلي لم يحنث إلاَّ بذات الركوع والسجود وإن كان لها معنى لغوي آخر.

فهذه الأمثلة وأشباهها خارجة عن مسمى "الحيل الشرعية" التي قال بها جمهور العلماء، ومن ثم فهي غير متعلقة ببحثنا هذا إذ لم يقع أي خلاف في حرمتها بين العلماء.

ومن هنا تعلم أن ابن القيم رحمه الله لم يكن دقيقاً فيما كتب، حينما أطال في الإنكار الشديد على الحيل والقائلين بها، واستدل على مدعاه بفيض من هذه الأمثلة، إذ هي محل وفاق في إنكارها والحكم بتحريمها، فهي لا تنفع في إلزام الجمهور، لأن مسمى الحيلة التي هي محل البحث عندهم غير هذا.ولو أن لبن القيم رحمه الله حرر مقصوده من الحيل المحرمة أو الجائزة تحريراً واضحاً منضبطاً ثم بنى كلامه على ذلك، لا تضح أنه لا يخالف الجمهور في أصل هذه المسألة، بدليل أنه ساق بعد ذلك ما ينوف على مائة مثال للحيل الجائزة في نظره.

فكما أن أمثلته المائة هذه، هي بنظره مختلفة عن حيل بني اسرائيل الباطلة والأمثلة المتشابهة لها مما احترزنا عنه في التعريف، فكذلك الأمثلة التي يقصدها الجمهور، هي غير هذه الحيل المحرمة ومختلفة عنها أيما اختلاف.

وإنما قيدنا الواسطة المشروعة بكلمة "في الأصل" إشارة إلى أن العبرة في مشروعية الواسطة وعدمها، هي فرض الأخذ بها بحد ذاتها بقطع النظر عن التوصل بها إلى تبديل حكم شرعي، أما بعد استعمالها في ذلك فهو مجال البحث هنا، وهو ما سنتناوله عند تحرير المقدمة الثانية.

فإذا اتضحت محترزات هذا التعريف وما يخرج بقيوده، اتضح ولا ريب إلى جانبها القدر المقصود من الحيل في بحث الأئمة والفقهاء، وسهل ربطها بما صدقاتها من الأمثلة الكثيرة المختلفة.

فمن أمثلتها في باب الطهارات والعبادات، أن يقصد صاحب الجنابة إلى وضع يده مثلاً في الماء الذي يريد الاغتسال به دون أن يصبح بذلك مستعملاً، وذلك بأن ينوي الاغتراف.ومن ذلك أن يقصد التوصل إلى قراءة شيء من القرآن دون أن يأثم بها وذلك بأن ينوي مجرد الذكر.

ومن أمثلتها في المعاملات والعقود، أن يكون عند الرجل تمر رديء يريد أن يستبدل به أجود منه، ويمنع من ذلك عدم جواز التفاوت في التبادل بين المثلين من الأطعمة، فيتوصل إلى ذلك بأن يبيع الرديء لصاحب الجيد بالنقد ثم يعود فيشتري منه الجيد بالثمن الذي أخذه منه، ومن ذلك أن يريد الرجل دابته لآخر وإلزامه بعلفها، وذلك غير جائز لأن العلف مجهول، فيتوصل إلى ذلك بأن يجعل ما يظن أنها تحتاج إليه، من الأجرة نفسها، ثم يوكله في انفاق ذلك القدر عليها.ومن ذلك أن يعلق الرجل طلاق امرأته ثلاثاً على فعل معين يصدر منها ثم يقصد التوصل إلى أن لا تبين منه بذلك ولا يقع تحت مشكلة التحليل، وذلك بأن يخالعها فإذا بانت منه فعلت ما علق طلاقها عليه ثم يعقد نكاحه عليها ثانية,ومن ذلك أن تقصد المرأة المطلقة ثلاثاً العودة إلى زوجها أو يقصد زوجها ذلك، فتتزوج من آخر قاصدةً ذلك، ثم يطلقها فتعود إلى الأول بشرط أن لا يدخل أي شرط للتحليل أو التطليق في صلب العقد، وإلاَّ انقلبت الواسطة غير مشروعة لأن الشرط المنافي لطبيعة العقد يبطله، أللهم إلاَّ عند الحنفية حيث يبطلون الشرط ويصححون العقد.ومن ذلك أن يكون للرجل على آخر دين وقد عجز عن أدائه له، فيعطيه صاحب الدين الواجبة في ماله واستحصال الحق الذي له على صاحبه.

فهذه الأمثلة وما شابهها داخله في تعريف الحيل الذي ذكرناه، لأن فيها توسطاً إلى استحلال حرام أو إسقاط وجوب بواسطة مشروعة في أصلها.وهذا القدر هو الذي تعلق به بحث الأئمة والفقهاء عند حديثهم عن الحيل وقبولها.

وإذ قد انتهينا من تحديد المقصود بالحيل الشرعية وهو ما يتعلق بالمقدمة الأولى وتحريرها، فلننتقل إلى بيان حكمها وهو الصحة، ثم تحديد معنى الصحة فيها والدليل على ذلك، وهو ما يتعلق بالمقدمة الثانية وتحريرها.

حكم الحيل ودليل ذلك:

حكم هذه الحيل الصحة، والدليل على ذلك كل من القواعد الفقهية المتفق عليها وما

صح من الكتاب والسنة.

الدليل الفقهي:اعلم أن أثر النية والقصد في تصحيح الأحكام أو افسادها، يختلف حسب اختلاف الأحكام، فمنها ما لا بد لصحته من توفر النية الصحيحة إلى جانب الأركان والشروط الضرورية كالصلاة والصوم وعامة أنواع العبادات.ومنها ما يكفي لصحته توفر الأركان والشروط الظاهرة فيه دون نظر إلى ما في أعماق القلب من النية والقصد، كعقود البيع والشراء وعامة المعاملات.وضابط ذلك أن كل حكم كانت الصلة فيه بين العبد و ربه، بحيث لا يتوخى من ورائه فائدة عاجلة، بل المقصود فيه نيل المثوبة من الله عز وجل، فالنية مشترطة فيه كعامة أنواع العبادات.وكل حكم كانت الصلة فيه بين العبد وأخيه، بحيث تشيع به فائدة عاجلة بينهما، فالعمدة فيه على الظاهر دون أن يكون للنية أثر في التصحيح أو الفساد.

قال ابن حجر في فتح الباري عند شرحه لحديث (إنما الأعمال بالنيات)ما نصه:"وقد ذكر

ابن المنير ضابطاً لما تشترط فيه النية مما لا تشترط، فقال:كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب المثوبة، فالنية مشترطة فيه.وكل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب المثوبة، فالنية مشترطة فيه.وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة وتعاطته الطبيعة قبل الشريعة لملائمة بينهما فلا تشترط النية فيه إلاَّ لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب، قال:وإنما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة".

والحكمة من هذا التفريق ظاهرة، فالتعامل القائم بين العبد وربه لا بد وأن يكون القلب هو المحكم في أمره، لأن الله عز وجل مطلع على كوامن القلوب فهو لا يحتاج إلى دلائل الصيغ والعقود التي تعبر عما فيها، وما يطلب من ذلك إنما يطلب ويشترط تبعاً.أما التعامل الجاري بين الإنسان وأخيه، فلا يمكن أن يناط إلاَّ بالدلائل الظاهرة؛إذ هي وحدها السبيل إلى معرفة المقاصد والنيات.

وبما اشتمل القلب في بعض الأحيان على غير ما يدل عليه ظاهر الصيغ والألفاظ ولكن الشريعة لو أوقفت صحة هذه العقود والمعاملات إلى أن ينقطع كل احتمال مخالف لما هي عليه في الظاهر، لتعطلت معظم المعاملات ولعادت بذلك على الناس أضعاف المفاسد التي يمكن أن تعود عليهم من جراء الاحتمالات المحجوبة عن الظاهر، عدا ما في ذلك من المشقة والعسر في تمييز المقاصد السليمة من غيرها. ولذلك أناطت الشريعة صحة هذه الأحكام بأركانها وشروطها الجلية الواضحة ووكل قلوب الناس ومقاصدهم إلى من لا تخفى عليه خافية.

فالوسائط المشروعة التي يراد التوصل بها إلى تغيير حكم شرعي، لم يطرأ عليها سوى قصد استعمالها لغير ما شرعت من أجله في عموم الأحوال.وما دامت هذه الوسائط من الأمور التي لا يتحكم القصد في صحتها وبطلانها، فهذا الذي طرأ عليها لا أثر له في بطلانها، إذا كانت كاملة الأركان والشروط.هذا على فرض أن قصد التحايل كان ظاهراً وجلياً في عمله أو قوله، أما إذا لم يظهر ولم يتجاوز الأمر عن كونه تهمة أو احتمالاً_وهذا هو الغالب_فإن مسمى الحيلة نفسها غير متوفر حينئذ كما مر بيانه في تعريف الحيلة وتحديد المقصود فيها، ويكون الحكم القضائي هو الصحة، دون أي إشكال.

وكأني بك تستعجل قائلاً:ولكن أفلا يعلم صاحب الحيلة قصد نفسه؟غير أني أستمهلك في الجواب عن هذا إلى أن يأتي مكان الجواب عنه، وذلك عند بيان مرادنا بالصحة وتحقيق القصد منها.

ثم لا يغيبن عن البال أن الأحكام التي لا تؤثر النية فيها تصحيحاً أو فساداً قد تؤثر فيها من ناحية أخرى، كتقييد مطلق وتخصيص عموم، وتوضيح كناية وتعيين أحد مسميات المشترك.فلو حلف ليكرمن رجلاً ونوى به زيداً، فإن هذه النية تؤثر في تقييد المطلق، وهو "رجل" فلا يبر بإكرام غيره.ومثله ما لو حلف ليضر بن أسداً ونوى به رجلاً شجاعاً أو أقسم لينظرن إلى عين وأراد بها العين الباصرة مثلاً، فإنه لا يبر بيمينه إلاَّ بفعل ما قصده من لفظه.ومثل ذلك أيضاً ما لو قضى عن غيره ديناً ونوى به التبرع فليس له الرجوع بالبدل، أو اشترى متاعاً ونوى أن ذلك لموكله الذي وكله بذلك، كان له ولم يجز له التصوف فيه.

وذلك لأن ما قد يوجد في صيغ العقود وألفاظها من الاحتمالات بسبب عوارض الألفاظ المختلفة لا يمكن أن يتحكم في تعيينها سوى القصد فيعمل بأظهر الاحتمالات إن لم يكشف صاحب العقد عن قصده، وإلا روعي ما أراده مما يعتبر جائز القصد في اللغة والعرف، ولذا فإن من أقر قائلاً "لفلان عليَّ ألف" ولم يفسر مراده بالألف حٌمل على أكثر ما يقصد عادة، وإلاَّ روعيت نيته وحكم للمدين بموجب ذلك.

غير أن هذا النوع من تأثير النية، لا دخل في إبطال الحيلة التي عرفناها، لأن تأثيرها ليس من حيث تفسيره وتعيينه، بدليل أن هذا التأثير يصبح لاغياً أمام النصوص الصريحة التي لا احتمال فيها.

أقول هذا، لأن ابن القيم رحمه الله مهد لحديثه الطويل عن تحريم الحيل بكلام عن أثر النيات والمقاصد في الأحكام، حيث أطلق القول بأن النيات لها تأثير في صحة العقود وبطلانها، فقد قال ما

نصه: "وقد تظاهرت أدلة الشرع وقواعده على أن القصود في العقود معتبرة، وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده وفي حلَّه وحرمته بل أبلغ من ذلك، وهي أنها تؤثر في الفعل الذي ليس بعقد تحليلاً وتحريماً فيصير حلالاً تارة وحزاماً تارة باختلاف النية والقصد".

ثم راح يستشهد على كلامه هذا بأمثلة بعضها من النوع الأول للأحكام، وهو ما ضبطناه بكونه عملاً بين الإنسان وربه وليس عقداً ومعاملة بين فردين من الناس كتذكية الأنعام عند الذبح، وكتحريم الصيد للمحرم وكعامة العبادات.وقد علمت أن التحايل في ذلك غير جائز عند أحد فهو ليس محل بحث.وبعضها تأثير النية فيه خاص بالتفسير والتحديد، لا بالصحة والفساد، كالأمثلة الذي ذكرناها الآن.

فليس فيما استشهد به أي دليل على ما ادعاه من أن النيات تؤثر في العقود صحة وفساداً، بل هو شاهد على عكس ذلك، لأن أحداً لم يقل بأن المشتري إذا اشترى السلعة من البائع وهو قاصد استعمالها في محرم فالعقد باطل وعلى البائع أن يسترد سلعته ويعطيه الثمن، بل الكل متفق على أنه عقد صحيح ما دامت أركانه وشروطه كاملة متوافرة وأن البائع متلبس بكسب شرعي صحيح،

ولذلك قال الفقهاء إن بيع الذهب والفضة صحيح وإن نوى المشتري استعمال الإناء، ذلك لأن الذهب والفضة مقصودان لذاتهما في عامة العصور والبلدان. قال النووي في المجموع: "فرع:بيع إناء الذهب أو الفضة صحيح قطعاً لأن المقصود عين الذهب والفضة".

على أن ابن القيم عاد هو نفسه بعد ذلك يقول عكس هذا، وراح يرجع إلى ما هو معروف من قواعد الفقه المتفق عليها، وهي أن العقود يلاحظ فيها الظاهر دون أن يكون للنية تأثير في الصحة والإبطال.فقد قال في ج3 ص 132 ما نصه:

"وهذه الأقوال إنما تفيد الأحكام إذا قصد المتكلم بها_حقيقة أو حكماً_ما جعلت له، وإذا لم يقصد بها ما يناقض معناها.وهذا فيما بينه وبين الله تعالى، فأما في الظاهر فالأمر محمول على الصحة وإلاَّ لما تم عقد ولا تصرف؛فإذا قال:بعت أو تزوجت، كان هذا اللفظ دليلاً على أنه قصد معناه المقصود به، وجعله الشارع بمنزله القاصد وإن كان هازلاً..." إلى أن قال: "فإن المتكلِم، عليه أن يقصد بتلك الألفاظ معانيها، والمستمع عليه أن يحملها على تلك المعاني، فإن لم يقصد المتكلم بها معانيها بل تكلم بها غير قاصد لمعانيها أو قاصداً لغيرها، أبطل الشارع عليه قصده؛فإن كان هازلاً أو لاعباً لم يقصد المعنى، ألزمه الشارع المعنى".

ولكنه ما لبث أن رجع عن هذا بعد ذلك بصحيفة واحدة، حيث جاء بمثال من ألفاظ الطلاق، فجعل القصد مؤثراً فيه آناً وغير مؤثر فيه آناً آخر دون أي موجب للتفريق.وهذا هو نص كلامه فانتبه إلى ما يقول:فإن قصد ما يجوز له قصده، نحو أن يقصد بقوله "أنت طالق" من زوج كان قبلي أو يقصد بقوله "أمتي أو عبدي حر" أنه عفيف عن الفاحشة، أو يقصد بقوله "امرأتي عندي مثل

أمي" في الكرامة والمنزلة ونحو ذلك، لم تلزمه أحكام هذه الصيغ فيما بينه وبين الله تعالى وأما في الحكم فإن اقترن بكلامه قرينة تدل على ذلك لم يلزمه أيضاً، لأن السياق والقرينة بينة تدل على صدقه، وإن لم يقترن بكلامه أصلاً وادعى ذلك دعوى مجردة لم تقبل منه.

فتأمل كيف يبعد القصد في آخر هذا النص عن مجال الحكم_وهو مقصودنا بالصحة

والبطلان_ إلاَّ إذا كان نصيب من دلالة اللفظ وقرينته.ثم اسمع تتمة كلامه: "وإن قصد بها ما لا يجوز قصده، كالتكلم بنكحت وتزوجت بقصد التحليل، وبعت واشتريت بقصد الربا، وبخالعتها

بقصد الحيلة على فعل المحلوف عليه، وتملكت بقصد الحيلة على إسقاط الزكاة أو الشفعة وما أشبه ذلك، فهذا لا يحصل له مقصوده الذي قصده وجعل ظاهر اللفظ والفعل وسيلة إليه، فإن في تحصيل مقصوده تنفيذاً للمحرم".

وهنا أسقط اللفظ والصيغة عن الاعتبار، وتمسك بناصية القصد وجعله هو المحكم!!..فما الفرق بين الحالتين؟ومن أين جاء أثر نوع القصد في اعتباره أو عدم اعتباره حتى يقال:إن كان قصداً جائزاً فالعبرة في الحكم باللفظ والقصدٌ لا قيمة له؛وإن كان غير جائز فالعبرة بالقصد واللفظ لا قيمة له؟.

والحقيقة أنه في كلامه عن المقصود وأثرها في الأحكام_وهو التوطئة التي مهد بها لتحريم ما يسمى بالحيل_مشى على أساس مضطرب ونسق غير واضح، فقد خلط بين الصحة في معناها القضائي والصحة بمعناها الخاص بين العبد والله تعالى.وهما معنيان مختلفان لا نريد أن نشوش البحث بالحديث عنهما قبل أوان ذلك فجاء كلامه بسبب ذلك مناقضاً بعضه لبعضه في ذلك، ومن ثم جاء كلامه بعد ذلك عن الحيل مطبوعاً بهذا التناقض ذاته كما ستجد فيما بعد.

ولنعد الآن إلى ما كنا فيه من تقرير الدليل الفقهي:

فإذا ثبت أن الأحكام التي تتوخى منها فائدة عاجلة تشيع بين الناس، لا أثر للقصد فيها من ناحية الصحة والبطلان وإنما الأثر لأركانها وشروطها المنصوص عليها، وجميعها أمور ظاهرةفإن الواسطة المشروعة التي يتوصل بها الفرد إلى حكم شرعي، لم يطرأ عليها ما يفسدها من نقص الأركان أو الشروط ما دامت مشروعة، وإنما الذي طرأ عليها هو القصد فقد أراد بها غير ما شرعت له في أعم الأحوال، وما دامت هذه الواسطة مما لا أثر للقصد فيه صحة وبطلاناً، فإن هذا الطارئ لا يمكن أن يفسد صحيحاً.وأما إذا كانت مما للقصد أثر فيه، كالعبادات، فلا ريب أن تغيير النية عن وجهتها الصحيحة يفسدها ويبطلها، ولم يقل أحد من المسلمين أنها يجوز أن تستعمل حيلة لشيء، فهذا هو الدليل الأول.

دليل الكتاب والسنة:أما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى لأيوب عليه السلام: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ) إذ كان قد أقسم أثناء مرضه أن يضرب زوجته مائة ضربة لسبب اختلف المفسرون فيه، وكأنما أخذته الرحمة لها بعد ذلك، فقد كانت تحسن خدمته وكان راضياً عنها، فرخص الله سبحانه وتعالى له ولها، وأمره أن يبر بقسمة بأن يأخذ بيده ضغثاً وهو حزمة من حشيش ونحوه فيضربها به ضربة واحدة، فتلك وسيلة شرعها الله لنبيه ليتحلل بها عن يمينه عوضاً عن أن يضربها مائة ضربة مستقلة كما هو العرف والمتبادر عند الاطلاق، وقد استدل بهذه الآية جمهور العلماء على أن للإنسان أن يتخذ مما شرعه الله أو أباحه وسيلة للترخص والتخفيف.قال ابن كثير: "واستدل كثير من الفقهاء بهذه الآية الكريمة على مسائل في الأيمان وغيرها وقد أخذوا بمقتضاها".

ولا يخدش هذا الدليل أنه متعلق بشرع غيرنا، لأنا إن جرينا على القول بأن شرع من قبلنا لنا ما لم يرد ما يخالفه فذاك، وإن جرينا على أنه ليس بشرع لنا، فإنما ذلك عند عدم وجود ما يؤيده ويدعمه في شرعنا، وما ثبت في شرع أيوب عليه السلام جاءت السنة بمثله في شرعنا أيضاً.قال أبو حيان في تفسيره: "وقد وقع مثل هذه الرخصة في الإسلام، أٌتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخدج قد خبَثَ بأمة، فقال خذوا عٌثْكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها، وقال بذلك بعض أهل العلم في الأيمان" وسنذكر حديث العثكال هذا بعد قليل.

كما لا يخدشه ن تكون كفارة الأيمان غير مشروعة في ذلك العهد، كما قال ابن القيم في رده لهذا الدليل، بل الآية تصبح حينئذ أقوى دلالة، إذ لا محيص عندئذ عن البر باليمين كما أقسم وأراد، وليس ثمة أي موجب أن ينقلب اليمين بذلك نذراً، لأن الكفارة ليست هي الفارق الوحيد بين اليمين والنذر كما هو معروف.وإذا انحصر المخرج من اليمين بفعل ما أقسم عليه فإن أيوب عليه السلام لم يفعل عين ما أراده بالقسم، بل توسل إلى التخفيف على نفسه وزوجه من ذلك بما شرعه الله وهداه إليه، وهو عين ما تصدق عليه الحيلة التي شدد ابن القيم في إنكارها.

وأما السنة، فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلّ تمرِ خيبر هكذا؟قال لا والله يا رسول الله، انا لنأخذ الصاع من هذا

بالصاعين، بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا تفعل، بع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً).

فقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوسط إلى ما أراده من أخذ الجيد من التمر الرديء بالطريق المشروع في الأصل، وهو أن يبيع الرديء بالدراهم مثلاً، ثم يعود فيشتري بتلك الدراهم التمر الجيد، فيكون بذلك قد وصل إلى بغيته دون أن يتورط في عمل ربوي وهو مبادلة المطعوم بمثله متفاضلين.

فهذه الواسطة التي أرشد إليها رسل الله صلى الله عليه وسلم، لا تتخذ_عند ممارستها_لذاتها، أي لعين ما شرعت له في الأصل، وهو ما شرع له البيع عادة، وإنما تتخذ لغرض آخر توقف نيله عليها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو نفسه الذي أرشد إلى هذه الواسطة وإلى قصد هذا الغرض بها كما هو واضح في قوله: (...ثم ابتع بالدراهم جنيباً).

وهذه نفسها هي العلة التي يحرم ابن القيم الحيل من أجلها، فقد جعل أساس دليله أولاً، أن المقاصد المستكِنة في النفس محكَّمة في الصحة والفساد، ثم ظل يعيد ويكرر أثناء كلامه هذا الدليل، فأسمعه يقول مثلاً: "ان المقصود الذي شرع الله تعالى له البيع وأحلَّه لأجله، هو أن يحصل ملك الثمن للبائع، ويحصل ملك المبيع للمشتري، فيكون كل منهما قد حصل لهمقصوده للبيع، هذا ينتفع بالثمن، وهذا بالسلعة.وهذا إنما يكون إذا قصد المشتري نفس السلعة للأنتفاع بها أو التجارة فيها، وقصد البائع نفس الثمن".

ونحن نقول لا..لم يقل أحد أن مقصود البيع الذي لا يصح إلاَّ بقصده هو أن ينتفع هذا بالثمن ليس إلاَّ، وذلك بالسلعة ليس إلاَّ، بل أن هذا الحديث الصحيح واضح صريح بعكس هذا، ثم من قال إن وجوه الانتفاع بالثمن ضيقة إلى هذا الحد بحيث لا تتسع لأن يشتري بها البائع مثل السلعة التي باعها به أو أجود منها خروجاً من الربا بطريقة شرعها الله؟.

وهذه الحجة الواضحة في هذا الحديث، ثابتة سواء قلنا إن كلمة "بع" في الحديث عامة أو مطلقة، بل الحق أن الكلمة من قبيل المطلق كما قال ابن القيم، ولكن وجه الاحتجاج بالحديث غير ناظر إلى عموم الكلمة ولا إلى إطلاقها، لأن المطلق لابد له من فرد يصدق عليه في الخارج وأياً كان هذا الفرد، فهو مشتمل على قصد التوصل بمشروع لغير ما شرع له بحسب الظاهر، وذلك بدلالة نص الحديث كما ذكرنا.

ولقد تخيل ابن القيم أن خصمه إنما يستدل بهذا الحديث على صحة بيع العينة_وهو لا يمكن أن يدل إلاَّ إذا اعتبرنا "بع" كلمة عامة_فراح يطيل في إثبات أن الأمر هنا بمطلق البيع لا بعموم ما يسمى بيعاً، ولأن الإذن بمطلق البيع ليس إذناً بكل صوره وأنواعه.وكلامه في ذلك صحيح لو كان النقاش حول صحة البيع أو أي بيع معين آخر، والاستشهاد بهذا الحديث على ذلك.ولكن الكلام في مطلق بيع يقصد منه التوصل إلى تبادل مطعومين متفاضلين، والحديث نص في الإرشاد إليه، وسيان في ذلك أن يقع البيع والشراء من رجل واحد أم رجلين مختلفين، ما دام القصد هو هذا.

قال ابن حجر في فتح الباري عند شرح هذا الحديث: "استدل به على جواز بيع العينة وهو أن يبيع السلعة من رجل بنقد ثم يشتريها منه بأقل من الثمن، لأنه لم يخص بقوله ثم اشتر بالدراهم جنيباً غير الذي باع له الجمع، وتعقب بأنه مطلق والمطلق لا يشمل ولكن يتبع فإذا عمل به في صورة سقط الإحتجاج به فيما عداها".

وبعد أن نقل عن القرطبي نحو هذا الكلام قال ما نصه:

"واستدل أيضاً بالاتفاق على أن من باع السلعة التي اشتراها ممن اشتراها منه بعد مدة فالبيع صحيح، فلا فرق بين التعجيل في ذلك والتأجيل، فدل على أن المعتبر في ذلك وجود الشرط في أصل العقد وعدمه، فإن تشارطاً على ذلك في نفس العقد فهو باطل، أو قبله ثم وقع العقد بغير شرط فهو صحيح ولا يخفىالورع.وقال بعضهم ولا يضر إرادة الشراء إذا كان بغير شرط، وهو كمن أراد أن يزني بامرأة ثم عدل عن ذلك فخطبها وتزوجها فإنه عدل عن الحرام إلى الحلال بكلمة الله التي أباحها وكذلك البيع والله أعلم.

فأنت ترى أن الكلام عن الإطلاق والعموم إنما هو في معرض البحث عن بيع العينة، وهو بيع خاص له قيود سبق بيانها فيما مضى، وقد استدل الذين منعوه بالسنة وبمبدأ سد الذرائع، فإطلاق هذا الحديث لا يتناوله إذ هو يتقيد بما لم يرد النهي عنه، وهو كلام لا يمس دلالة الحديث على موضوعنا الذي نحن بصدده اطلاقاً.

ومن ذلك أيضاً ما رواه أبو أمامه بن سهيل عن سعيد بن سعد بن عبادة قال:

كان بين أبياتنا رويجل ضعيف مخدج، فلم يٌرَعْ الحي إلا وهو على أمة، من إمائهم يخبث بها، فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذلك الرجل مسلماً، فقال:(اضربوه حدَّه)، فقالوا يا رسول الله إنه أضعف مما تحسب، لو ضربناها مائة قتلناه، فقال:(خذوا له عثكالاً فيه مائة شمراخ ثم اضربوه به ضربة واحدة)، قال ففعلوا.رواه أحمد وابن ماجه، وروى أبو داود بمعناه.وأخرجه أيضاً الشافعي في كتابه الأم.

ومحل الشاهد في هذا الحديث أن الضرب بالعثكال ليس هو الحد الواجب في الأصل، بدليل أنه عليه الصلاة والسلام قال لهم قبل أن يرشدهم إلى هذا:اضربوه حده، وإنما هو واسطة شرعها الله تعالى للتوصل إلى إسقاط الحد في حق مثل هذا الرجل، فقد صدق عليه حد الحيلة السابق ذكره.

ولا ينافيه أنه خاض بمن كان جسمه لا يطيق الحد، لأن هذه الواسطة بخصوصها مشروعة عند الضرورة فقط، فاستعمالها في غير ذلك توصل إلى الغرض بما لم يشرع، وهو خارج عن محل بحثنا كما سبق بيانه.

وليس صحيحاً أن يقال:إن علة سقوط الحد الأصلي في الحديث إذن هي الضرورة، بل العلة هي الضرب بالعثكال، أما الضرورة فسبب، لا علة.وإلاَّ لما احتيج إلى ضربه بالعثكال.

ذلك لأن تأثير الضرورة في الإسقاط غير مباشر، بل بالواسطة التي أمر بها الرسول عليه الصلاة والسلام.نعم لو ثبت أن عدم تحمل الجسم مسقط للحد بدون أي واسطة، لصدق أن الضرورة هي وحدها العلة، ولا نظر إلى غيرها، كالكذب حينما يلجأ الإنسان إليه ضرورة ولا مجال لتورية أو تعريض.ولكن الحديث ينص على الضرورة استعمال هذه الواسطة، وعليه اتفق علماء الفقهاء من الشافعية والحنفية والحنابلة.

على أن أي واسطة مشروعة تتخذ لإسقاط حكم أو تغييره، لابد أن تكون مستندة إلى ضرورة أو حاجة وإلاّ لما كانت مشروعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يرشد إلى بيع التمر بالدراهم ثم شراء الجنيب بها، إلاّ استجابة لحاجة الناس في الحصول على الأجود من الطعام دون أن يقعوا في إثم الربا، ولم يرشد السلف إلى المعاريض للإحتراز بها عن الكذب إلاَّ استجابة لحاجة الناس في كثير من الأحيان إلى ستر الحقائق أمام من يبحث عنها.ولذلك كانت المعاريض التي يٌبتغى بها أكلحق للغير أو أخذ مال له، محرمة قطعاً، حتى وإن كان ذلك مع الزوجة التي أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم الكذب عليها، قال النووي: "وأما كذبه لزوجته وكذبها له فالمراد به في إظهار الود والوعد بما لا يلزم ونحو ذلك، فأما المخادعة في منع ما عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها فهو حرام بإجماع المسلمين".وقال الغزالي في الإحياء بعد أن تحدث عن المعاريض وجواز استعمالها:

"...فأما إذا لم تكن حاجة أو ضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعاً، ولكن التعريض أهون".

فهذا الحديث أيضاً مما استشهد به الجمهور على صحة الحيل الشرعية:قال في نيل الأوطار: "وهذا العمل من الحيل الجائزة شرعاً وقد جوز الله مثله في قوله: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً)

وقال ابن قدامة في المغني: "..فان خيف عليه من ذلك، جمع ضغث فيه مائة شمراخ فضرب به ضربة واحدة، وبهذا قال الشافعي، وأنكر مالك، وقال:قد قال الله تعالى: (فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) وهذه جلدة واحدة.

ثم ساق هذا الحديث مستدلاً به على المالكية، وقال ما نصه:

"وقولهم هذا جلدة واحدة، قلنا يجوز أن يقام ذلك في حال العذر مقام مائة كما قال الله تعالى في حق أيوب: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ) وهذا أولى من ترك حده بالكلية أو قتله بما لا يوجب القتل".

وقال القاضي زاده في حاشيته على فتح القدير ما نصه: "ولو كان المرض لا يرجى زواله كالسل أو كان خدلَّجاً ضعيف الخلقة، فعندما وعند الشافعي يضرب بعٌثكال فيه مائة شمراخ فيضرب به دفعة".

ومن ذلك أيضاً ما تواتر عن السلف من قولهم:إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب وما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:أما في المعاريض ما يكفي الرجل عن الكذب، وما صح عنه صلى الله عليه وسلم من استعماله المعاريض في المزاح والملاطفة، وفي الحروب وسبلها، مما لا نريد الإطالة بسرده وتفصيله.فهو كله ليس إلاَّ توسطاً بما هو مشروع لتحويل ما هو كذب في الظاهر إلى الصدق وعدم التأثم به.

ولا ينفع في رد هذا الدليل قول ابن القيم رحمه الله: "وإنما تجوز المعاريض إذا كان فيها تخلص من ظالم كما قال الخليل هذه أختي" لأننا نقول كما قلنا في الدليل السابق، لو لم يمكن في المعاريض تحقيق ضرورة أو حاجة أو ما هو مكمل لأحدهما، لما كانت واسطة مشروعة مع ما فيها من الإيهام والخداع وتحويل الذهن عن المقصود، ولأننا نقول أيضاً:إذا كان مناط الصحة هو رفع الظلم أو تحقيق الضرورة أو الحاجة فلماذا لم يجز الكذب في ذلك رأساً دون التجاء إلى المعاريض؟مع العلم أن الراجح هو عدم جواز الكذب حتى عند الحاجة إذا أمكن اللجوء إليها، وأن ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم في الكذب في ثلاث حالات:الإصلاح بين الناس، والرجل يكذب لامرأته، والكذب في الحرب_إنما هو محمول على أن يكونذلك بواسطة المعاريض، بدليل أنه عليه الصلاة والسلام كان يستعمل هذه الوسيلة أثناء الحرب مع ترخيصه في الكذب فيها.

فقد ثبت بهذه الأدلة أن استباحة أمر كان محرماً، أو إسقاط حكم كان واجباً بواسطة هي مشروعة في الأصل، أمر صحيح لا غبار عليه، ولا يضر أن تكون هذه الواسطة مشروعة لغير ذلك في عموم الأحوال، إذا كانت مما لا مدخل للنية فيه صحة وفساداً، لأن العبرة حينئذ بتوفر مالها من أركان وشروط فقط.

فإذا خالع الرجل زوجته لتبين منه فتحلل بذلك من الطلاق الثلاث الذي علقه على صدور فعل منها إذا فعلته، ثم أعاد نكاحه عليها، فكل من الخلع والنكاح الثاني صحيح، ولا أثر لوقوع المعلق عليه بعد ذلك، وإذا طلقها ثلاثاً ثم تزوجت بآخر، وطلقها بعد الدخول بها، حلَّت لزوجها الأول ما لم يدخل شرط الطلاق أو التحليل في صلب العقد، وإذا أراد استبدل ذهب بذهب الثاني فالعقدان صحيحان، وإذا ارتكب الفاحشة وقصد التخلص من حدها بالتستر وعدم الإقرار والإعتراف فهو تخلص جائز صحيح.وإذا أراد استثمار مال عنده دون أن يقع في إثم الربا فأعطاه لمن يضارب بالتجارة فيه، أو وضعه أسهماً في شركة وافية بشروط الشركة وأركانها فذلك عمل صحيح,وإذا أراد بيع ما ليس متوافراً عنده فتوصل إلى ذلك بعقد السلم فهو عقد صحيح..إلى آخر ما هنالك من الأمثلة المنطبقة على ما ذكرناه.ولن تجد_لدى التأمل_أي فرق فيما بينها.إذ كلها لا يعدو أن يكون توسطاً بشيء مشروع في الأصل، للوصول إلى أمر كان محرماً في الأصل، لولا هذه الواسطة.

لمتابعة البحث اضغط على الملف

تحميل



تشغيل