مميز
الكاتب: الشيخ خاشع حقي
التاريخ: 18/06/2013

عالم خسر بفقده العالم فهل عنه من عوض

مقالات

عالم خسر بفقده العالم فهل عنه من عوض أو عنه من بدل ...؟
رحيل العالم الرباني العلامة
( الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي )عليه شآبيب الرحمة من ربه
خاشع ابن الشيخ ابراهيم حقي العلواني
أستفتح هذا المقال بما كان يستفتح به الفقيد معظم مؤلفاته وهو:
الحمد لله الذي تفضل علي فسخر لساني وقلمي للتعريف بدينه، وأكتب هذه الأسطر القليلة عن عالم رباني جاهد بلسانه وقلمه عمره كله دون كلل أو ملل صابراً صادقاً محتسباً مخلصاً وهي صفات ما اجتمعن في شخص إلا كان من كبار أولياء الله تعالى والمقربين منه دونما ريب فلله دره من عالم وعند الله أجره وثوابه حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
بدأ حياته التعليمية والإرشادية والإصلاحية في مجتمعه منطلقاً من بيوت الله تعالى وهي المساجد فاتخذها منابر لدعوته إلى دين الله وهي خير بقاع الأرض وقضى نحبه في أحدها وهو يتلو كتاب الله عز وجل درساً وتفسيراً وبياناً وتعليماً.
وذكرتني خاتمته هذه التي ذهب فيها إلى ربه تعالى بأمير المؤمنين "عثمان بن عفان" الخليفة المظلوم حيث ثار عليه الغوغاء فقتلوه في داره صابراً محتسباً وهو يتلو كتاب الله عز وجل واستشهد على هذا الحال وسال دمه على المصحف الذي كان بين يديه يقرأ فيه، ولا يزال هذا المصحف محفوظاً "في متحف اسطنبول" في تركيه.
فما أشبه الواقعيين ببعضهما حيث اغتالت فقيدنا أيد أثيمة لا ترعى الله وعباده إلا ولا ذمة وكان ذلك في "جامع الإيمان" بدمشق في:21 آذار 2013 م.
كما تأتي هذه الخاتمة شاهدة له وبشارة عاجلة على الكيفية التي سوف يقومها بين يدي ربه يوم القيامة ففي الحديث قوله عليه الصلاة والسلام "يبعث العبد على ما مات عليه" فهنيئاً له.
كما كان لهذه النهاية صدى واسع في العالم أجمع لم يسمع قبله لعالم قبله إذ شغل هذا الحدث قنوات التلفزة العربية والإسلامية والعالمية أياماً فسمع به القاصي والداني و رأوا بأم أعينهم تشييع جنازته المهيب وخروج دمشق عن بكرة أبيها رجالاً ونساء، شيوخاً وأطفالاً في جموع غفيرة لم تشهدها دمشق من قبل باكين داعين وفاءً وحباً له وأسفاً على فراق عالمهم الجليل الذي أعطاهم حياته كلها دون أن يطلب منهم أجراً إنما أجر على الله وحق لهم ذلك.
وفقدت دمشق برحيله ألقها الحضاري وعبقها الثقافي وأريجها العلمي فلم تعد دمشق الثقافة دمشق الحضارة دمشق العلم دمشق كما كانت في حياته ورحم الله من قال:
أما الخيام فإنها كخيامهم
وأرى نساء الحي غير نسائها
وتمثلت فيه أبياتاً لأمير الشعراء "أحمد شوقي" قالها في مثل فقيدنا وهي:
مررت بالمسجد المحزون أســـــأله
أفي المصلى أو المحراب مروان
تغير المسجد المحزون واختلفت
على المنابر أحرار وعبدان
فــــلا الأذان فـــي منــــارته
إذا تعالى ولا الآذان آذان
ثم شاءت إرادة الله تعالى وحكمته أن يتم دفنه إلى جانب بطل حطين "صلاح الدين الأيوبي" رضي الله عنه قاهر الصليبيين بجهاده وسيفه ودمه وما أقرب الشبه بينه وبين فقيدنا قاهر المتربصين بدين الله والمتآمرين عليه بلسانه وقلمه منافحاً ومدافعاً، أجل ما أقرب الشبه بين البطلين حركة وجهاداً ودماً ومداداً ففي الحديث "يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء فيرجح مدادٌ العلماء على دم الشهداء".
عاش فقيدنا داعية إلى دين الله عز وجل وقضى شبابه في ذلك حتى بلغ الشيخوخة
حيث جاوز الخمسة والثمانين عاماً من عمره ومات شهيد الحق والعلم في سبيل الله فهنيئاً له وسعداً لما يلقاه عند ربه في أعلى عليين في الجنان الخالدة والفراديس العالية بل الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا _ولا نتألى على الله_ لكن هذا ما نأمله ونرجوه من رحمته تعالى التي وسعت كل شيء ومن كرمه العظيم وعطائه الجزيل.
بعد هذه المقدمة الوجيزة والحديث ذو شجون ولا أريد أن استرسل لئلا يطول المقال حان الآن يا قارئي العزيز أن نستعرض معاً جوانب من حياته الشخصية والعلمية والجهادية لعلها تكون حافزة لنا ولشبابنا وأجيالنا الذين منحهم الفقيد كل ما يملك من طاقات علمية وفكرية وجسمية نبراساً ومثلاً حياً عشنا معه ما يقرب من نصف قرن أو يزيد.
وأبدأ من تخرجه من "جامع الأزهر" في القاهرة في مصر حيث تخرج منه حاملاً شهادة "الدكتوراه في الشريعة الإسلامية "وكان موضوعها "ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية" والتي نالها بدرجة "امتياز شرف" مع التوصية بطبعها.
ثم تعين استاذاً في كلية الشريعة بجامعة دمشق وكنت أحد تلامذته فيها وهو الذي أشرف على رسالتي الجامعية عند التخرج من الكلية، وكان خلال وجوده فيها علماً بارزاً ومرجعاً علمياً موثوقاً به وعالماً جليلاً، تولى عمادة الكلية مرات واخلص فيها فكان نعم العالم ونعم العميد ونعم
الناصح فجزاه الله عنا وعن الأجيال التي تخرجت من تحت يده وبإشرافه وتعليمه خير الجزاء.
ولم تكن المساجد والجامعة ميدانه الوحيد على أهميتها بل شمل بدعوته ميادين الحوار والنقاش مع الموافقين له والمخالفين في موضوعات شتى وكان المبرز في حواراته بإسلوبه العلمي وذخيرته الثقافية العميقة واستشهاداته بالبراهين والأدلة من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام داخل القطر وخارجه سواء في الندوات التي كانت تعقد في دمشق وجامعتها أو خارج القطر من البلاد العربية والإسلامية حيث قام بزيارات عديدة إليها وترك فيها بصماته العلمية حيثما ذهب وكانت الأنظار تتجه إليه من البلاد الأجنبية والأوربية فيقوم بزيارتها بطلب منها وقد تطول أحياناً أياماً لما كان يجد من الإقبال على دروسه ومحاضراته من الأجانب وممن لا يدينون بالإسلام إذ كانت تلقي دروسه تجاوباً كبيراً وتجاذباً عظيماً من قبل جميع الفئات لزخارة علمه ومخزون ثقافته وذاكرته الحية وسرعة بديهته في أسلوبه الواقعي وموضوعاته الساخنة التي كان ينتقيها وحاجتهم إليها فكانت الآذان تنصت إليه والأسماع تصغي بمزيد من الشوق والارتياح وكان له في ذلك حوارات ولقاءات شخصية مع كبار المفكرين و المستشرقين ورؤساء وزعماء تلك البلاد وله في ذلك كتاب أخرجه تحت عنوان "هذا ما قلته أمام ملوك ورؤساء العالم" إذ كان ذا أسلوب علمي مشوق يخاطب العقل ويخصه بمزيد الاهتمام ولا ينسى أن يستثير العاطفة التي لا بد منها للداعية و الانسان عقل وعاطفة، كل ذلك ضمن توجيهات القرآن الكريم و السنة النبوية وحياة الصحابة وأقوال السلف الصالح.
وكان يستشهد أحياناً بأقوال المفكرين والفلاسفة الأجانب من غير المسلمين لبيان صدق ما جاء في الإسلام عقيدةً وأحكاماً وأخلاقاً ونظاماً فكان لذلك بالغ الأثر على عقول مستمعيه ونفوسهم وكان رحمه الله ذا اطلاع واسع على ما يكتب هؤلاء ويقولونه لكبار شخصياتهم العلمية ومنظريهم ويرد عليهم بأسلوب علمي هادئ وشواهد ناطقة بالحق مبيناً فساد رأيهم فيما يخالف الإسلام ويحاورهم في ذلك ويوضح لهم باطلهم ولاسيما في واقعهم ومشكلاتهم النفسية والعقلية والاجتماعية و الأسرية وحيرتهم ولاسيما عنصر الشباب مما كانوا يعانونه من الضياع وعدم الاهتداء تائهاً قلقاً مضطرباً خائفاً على مستقبله فكان يهرب من هذا الواقع التعيس في عيشه المادي مع تنوعه وكثرته وفراغهم الروحي فيجنح إلى المخدرات "الموت البطيء" لعله يجد فيها راحته فتزيده قلقاً فييمم وجهه نحو "الموت السريع" وهو الانتحار.
وخاض معهم معركة "حقوق المرأة" التي لا تزال موضع أخذ ورد ورغم ادعاءاتهم الكثيرة بأخذ المرأة حقوقها فإنها لا تزال تعاني من الظلم البين الشيء الكثير سواء في نيلها حقوقها أو في إنسانيتها وكرامتها إذ هي لا تزال سلعة رخيصة في أسواق عبيد المال من التجار حيث يستغلونها في ترويج بضائعهم ومنتجاتهم متلهين بها حيناً ومستخدمينها في أحط الأعمال أحياناً أخرى فكان يرد على دعاويهم بردود مفحمة مبيناً كرامتها وإنسانيتها ونيلها حقوقها في ظل الشريعة الإسلامية دون مطالبة
منها أو مظاهرات صاخبة في الشوارع العريضة فقد أكرمها الإسلام أماً وبنتاً وأختاً وزوجة ثم جمع تلك الردود وأضاف عليها إضافات وأخرجها كتاباً بعنوان المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني.
كان رحمه الله تعالى داعياً بلسانه الذاكر لله وبقلمه السيال ويؤلف ويرد حتى بلغت مؤلفاته ما يربو على "80 كتاباً" أو تزيد في موضوعات شتى "دينية واجتماعية و أخلاقية وعلمية" فأغنى المكتبة الإسلامية بمؤلفاته هذه التي ترجم الكثير منها إلى ما يزيد على عشرين لغة أجنبية أذكر من هذه الكتب :
"كبرى اليقينيات الكونية وفقه السيرة" وكان هذان المؤلفان باكورة إنتاجه العلمي ثم تابع ولم يتوقف فأصدر كتبه الباقية ومنها "السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، وهذه مشكلاتهم وهذه مشكلاتنا، والفقه المقارن لطلاب كلية الشريعة بدمشق، وتحديد النسل، ومنهج العودة إلى الإسلام، وحوار حول مشكلات حضارية، وشخصيات استوقفتني، والجهاد في سبيل الله كيف نفهمه وكيف نمارسه وكتاب تحليل وشرح الحكم العطائية" في خمسة مجلدات فيها خلاصة التصوف أو ما كان يسميه هو "تزكية النفس ومقام الإحسان".
وأنصح كل مسلم ومسلمة بقراءته فإنه كتاب نفيس ومؤلف نادر لم أعثر على مثله قبله وهو أشبه بكتاب "إحياء علوم الدين" للإمام حجة الإسلام الغزالي رحمه الله الذي شهد له معاصروه من العلماء ومن جاؤوا بعدهم بالعلم الغزير والعقل الكبير وقالوا عن مؤلفه هذا "كاد الإحياء أن يكون قرآناً".
بها أيما انتفاع ولا يزال نفعها سارياً وسوف يبقى إلى ما شاء الله وهو بذلك حقق قول
النبي الكريم عليه الصلاة والسلام حيث يقول: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له). فترك من بعده الثلاث.
أما صدقة جارية فما أكثر المساجد التي سعى في إقامتها وإنشاء الجمعيات الخيرية، وأما علم بنتف عبه فهذه المكتبة الإسلامية زاخرة بمؤلفاته تشهد له بذلك، وأما ولد صالح يدعو له فقد خلف أولاداً صالحين _ولا نتألى على الله_ جعلهم الله كذلك.
وأما الحديث عن جهاده اللساني والقلمي فلا يكاد ينتهي فضلاً عن ترجمته كتباً من اللغة الكردية إلى اللغة العربية وهو كردي ويجيد التكلم بها وكثيراً ما كان ينطق بها لسانه إذا اقتضت الحاجة ومن هذه الكتب المترجمة "مموزين، وسيامند_ فتى الأدغال" ويذكر من خلال هذه الترجمة شيئاً كثيراً عن تاريخ الأكراد وجهادهم القتالي والقلمي واللساني وما سطروه من كتب ومؤلفات في وقت كان التأليف فيه نادراً والطباعة متعذرة فضلاً عن مؤلفاتهم باللغة العربية التي عشقوها لأنها لغة القرآن الكريم ولغة رسول الله عليه الصلاة والسلام فأولوها اهتمامهم البالغ لذلك وكتبوا وألفوا ودرسوا في موضوعات شتى من أهمه "علم الآلة أي علم النحو والصرف وعلم الفقه وأصول الفقه وغيرها".
ولم يأل فقيدنا جهداً في لفت أنظار الحكام العرب وشعوبهم إلى جهاد هذا الشعب الذي قارع الصليبين تحت قيادة البطل "صلاح الدين الأيوبي" رحمه الله تعالى حتى حرروا فلسطين بتأييد من الله ثم بشجاعة هذا البطل المغوار ومن معه من الأحرار.
فتاريخهم مليء بالبطولات والجهاد في سبيل الله الذي آمنوا به ودخلوا في دينه اختياراً وطواعية وحباً وقناعة ودافعوا عنه بكل قوة باذلين أموالهم وأرواحهم في سبيل الله ولا يزالون، ومن حبهم الصادق للعرب أنك لا تجد واحد منهم إلا على المذهب الشافعي العربي بينما تجد غيرهم من الشعوب مالوا إلى أئمة آخرين "كالإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت" وهو غير عربي وأخص بالذكر "الشعب التركي" والأكراد كلهم "سنة" وعلى مذهب الإمام الشافعي كما سبق أن ذكرت ولا تجد واحداً منهم "على مذهب الشيعة".
فعلى العرب إخوتهم في الدين حكاماً وشعوباً أن يقدروا فيهم ولهم هذه الخصال من الجهاد القتالي معهم وإلى جانبهم واللساني القلمي والتعليمي ويقدروهم أعظم تقدير.
هذا كله قبل نشوء القومية التي غدت عقيدة لا مجرد انتماء وهي التي فرقت المسلمين وجعلتهم شيعاً وأحزاباً، كل حزب بما لديهم فرحون وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وخاض معارك عديدة في الحوار والنقاش وأحاديث ساخنة منافحاً ومدافعاً عن دين الله عز وجل وشرعه ومن هذه الحوارات الساخنة حواره مع الدكتور "الطيب التيزيني" الذي كلن نصيراً للعلمانية والإلحاد في سورية واستطاع ببراهينه العلمية وأدلته عقلاً ونقلاً من القرآن والسنة والتاريخ والوقائع أن يتغلب عليه وبذلك أوقف الإلحاد في هذا البلد وتراجع "الطيب التيزيني" عن كثير من آرائه التي كان يعتقدها صحيحة ثم جمع هذا الحوار بحلقاته وطبع في كتاب تحت موضوع "الإسلام والعصر _تحديات و أفاق_".
فضلاً عن خطب الجمعة التي كان يلقيها في مسجد والده في ركن الدين بدمشق ثم عين أخيراً في الجامع الأموي بدمشق خطيباً وهو أكبر مسجد فيها وأقدم وكلها
مسجلة على أشرطة "كاسيت" وبعضها مجموعة في كتاب "خطب الجمعة".
كما كان لمقالاته الكثيرة والمتنوعة الموضوعات وإصداره رسائل صغير لتوعية الناس إذ لا تستغرق قراءتها وقتاً طويلاً مراعياً عصر السرعة الذي يعيش فيه والمشاغل الكثيرة للإنسان المعاصر وأخص بالذكر منها "ورد الإمام النووي" الذي لقي إقبالاً عظيماً من القراء وهو كتيب صغير الحجم لكنه ذو فائدة عظيمة لكل من يقرؤه بل بلغ الأمر بقراءة بعضهم له كل صباح أن حفظه غيباً وأنا أحدهم ولا ننسى ونحن نعدد ميادين جهاده العلمي والقلمي اشتراكه ومساهمته في العديد من المناسبات التي كان يدعى إليها "كالمولد النبوي الشريف، والأعراس والتعازي، والإصلاح بين الناس" لثقتهم به فقد كان فريداً في معالجته للمشكلات وحواراته ونصائحه ولم يكن يألو جهداً مع الآخرين في بيان الإسلام عقيدةً وعبادةً ونظاماً وأخلاقاً وأسبقته في كل ذلك شرائع العالم قديمها وحديثها ملتزماً في بيانه هذا "الوسطية" دون غلو أو تطرف وينظر إلى الناس جميعاً حتى المخالفين له في الرأي نظر رحمة وإشفاق ودعاء لاتباع الحق ومن دعائه الدائم "اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاصلين".
ويدعو بكل ما أوتي من قوة إلى الرحمة بالناس ويتضرع إلى الله عز وجل أن يصلح القلوب ويجمعها على محبته ومحبة نبيه عليه الصلاة والسلام مبدياً ضعفه أما خالقه العظيم و بإسلوبه الضارع الهادئ في بيان الحق متبعاً كتاب الله عز وجل مردداً "هذا بيان الله لعباده" داعياً إلى التمسك به عقيدة ومنهجاً وهدي نبيه عليه الصلاة والسلام طريقاً ومسلكاً ويحرص أشد الحرص على تجنب ألقاب "الكفر والشرك" على الآخرين ويكلهم إلى الله تعالى العليم بالسرائر وما تكنه الصدور حفاظاً على وحدة المسلمين وقوتهم ويذكر بين الحين والآخر قوله تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً" وبقوله تبارك وتعالى (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم".
ويوجه الدعاة خاصة إلى العدو المتربص بالإسلام وأهله من اليهود وأذنابهم من المستعمرين والمتآمرين والماكرين والكائدين لهذا الدين ويجأر إلى الله تعالى ليل نهار أن يحفظ الإسلام والمسلين وبلادهم من ضلالهم وكفرهم وشرهم ويخص بلاد الشام بمزيد من الدعاء، وكان ذا أسلوب راق في الدعوة ومستوى عال لا يفهم عنه إلا الندرة من المستمعين والمشاهدين حتى أنني قلت له مرة (يا دكتور أنت بإسلوبك هذا الذي تخاطب به المشاهدين والمستمعين لا يفهم عليك إلا الطبقة المثقفة ثقافة عالية وهم قلة فلو جئتهم بإسلوب سهل كي يفهم عليك الخاصة والعامة والمتعلم والأمي فكان جوابه رحمه الله تعالى: إنني تعودت على هذا الأسلوب منذ حداثة سني ويتعذر علي أن أنزل عنه أو غيره "كما كان لأحاديثه الشيقة في التلفاز ولاسيما دراسات قرآنية" الذي كان يبثه التلفزيون السوري من دمشق كل أسبوع تأثير بالغ على مشاهديه فأقبل الشباب المثقف حتى النصارى منهم على حديثه هذا إقبالاً منقطع النظير وبلغ من تأثرهم به وحبهم له أنه عند وفاته ذهب وفد من النصارى "من مدينة القامشلي" إلى "دمشق" رغم المسافة الطويلة بين البلدين والتي تبلغ قرابة ألف كيلو متر وحضروا دفنه هناك كما حدثني بذلك بعضهم ممن كانوا في الوفد الذي ضم شرائح مختلفة منهم "محامين ومهندسين وأطباء" وقالوا بعد رجوعهم متأسفين على موته كانت وفاته خسارة كبيرة لنا ولكم وللناس جميعاً لأنه كان ذا دعوة إنسانية أخلاقية ترتاح إلى حديثه الأسماع وتطمئن القلوب وكأنه كان بكلامه هذا يعزيني من طرف خفي.
وذكرني إعجابهم به وبعلمه وأسلوبه بعالم هندي كبير وداعية إسلامي هو "أبو الحسن الندوي" رحمه الله تعالى حيث ألف كتاباً عنوانه "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" أي كانت خسارة العالم أجمع بانحطاط المسلمين وتخلفهم عن ركب الحضارة وقيادة الإنسانية خسارة جسيمة لهم جميعاً .
أجل لقد كانت خسارة العالم أجمع بفقد هذا العالم الرباني خسارة كبيرة من المتعذر أن تعوض أو أن يخلفه خلف عنه فالخطب جلل والخسارة جسيمة ولا نقول ألا ما يرضي ربنا إنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي نظري بل في نظر كل من عرفه أنه كان جبلاً من العلم أعلى وأقوى من جبل قاسيون الذي يطل على مدينة دمشق إذ كان رحمه الله تعالى يغطي البلدة كلها بعلمه ونصائحه وتوجيهاته ويسد باب كل فتنة وفساد شهد له بذلك الخاصة والعامة وصار في أواخر حياته رئيساً لاتحاد علماء بلاد الشام _وهو أهل لذلك_ وقضى نحبه وهو كذلك.
فرحمك الله "يا دكتور محمد سعيد" رحمة واسعة وإن العين لتدمع والقلب ليخشع وإنا على فراقك لمحزونون ونم قرير العين بهذه الأجيال الذين تخرجوا على يديك
ومن مدرستك العلمية الجهادية القرآنية وطب نفساً فهم على طريقك ماضون وعلى نهجك سائرون ولك داعون إذ منحتهم في مسيرتك التعليمية الطويلة مدى خمسين عاماً أو يزيد عصارة فكرك وخلاصة علمك وأغلى وقتك وزهرة شبابك فجزاك الله تعالى عنا وعنهم خير الجزاء. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله يا أرحم الراحمين. والحمد لله رب العالمين.

تحميل