مميز
التاريخ:

المدرسة النورية الكبرى

معالم الشام
المدرسة النورية الكبرى
563 ه _1167 م
الكاتبة نبيلة القوصي
نادى النبي صلى الله عليه وسلم مستغيثاً "يا محمود أنجدني من هذين..",مشيراً إلى رجلين أشقرين.
استيقظ محمود فزعاً من نومه,فتوضأ وصلى ركعتين ثم عاد إلى النوم.
ليعيد عليه النبي صلى الله عليه وسلم النداء ثانية "يا محمود أنجدني من هذين..",مشيراً إلى الرجلين نفسهما..
وتكرر الأمر ذاته للمرة الثالثة عندما عاود محمود النوم بعد أن توضأ وصلى ركعتين آخرتين,فاستيقظ فزعاً وجزم:لا نوم بعد الآن!..ثم انطلق إلى المدينة المنورة كاتماً أمر الرؤيا..
دخل الحجرة الشريفة وصلى فيها ركعتين ثم جلس مع أهل المدينة علّه يصل إلى ذلكما الرجلين,ليعثرعليهما في محاولة خبيثة ودنيئة لسرقة جسد النبي الشريف صلى الله عليه وسلماستهزاء بالإسلام والمسلمين حيث أنهما كانا من النصارى واليهود الذين يختبئون تحت ظل الإسلام.
قال تعالى: (والله يعصمك من الناس)...
بكى محمود بكاء شديداً وأمر بضرب عنقهما ثم ببناء حائط للحجرة الشريفة من الاسمنت والرصاص,ولا زالت للآن.
هذه القصة ترويها مصادر تاريخية إسلامية كثيرة منها:
خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى _ علي بن عبد الله السمهودي (ت 911 ه).
الإعلام فيمن دخل المدينة من الأعلام _الحافظ جمال الدين بن محمد بن أحمد المطري(765 ه).
وغيرها من الكتب التي وثّقت هذه الرؤيا...
لا بد أن نتساءل عن صاحب تلك الرؤيا...!؟
لماذا استنجد به النبي صلى الله عليه وسلم لينقذه من ذلكما الرجلين؟؟
من هو نور الدين محمود؟!
نجد الجوابفي كتاب "نور الدين محمود الرجل والتجربة" للدكتور عماد الدين خليل:"أما الرجل فهو الملك العادل,المجاهد المرابط,أحد ملوك الإسلام المعدودين وأحد فرسانه الميامين."نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي",صاحب السيرة الحميدة والأفعال المجيدة!!!
و أما التجربة,فهي تجربة جدّ عظيمة..إنها تجربة الهدم والبناء..هدم الفساد والظلم والطغيان,وبناء الأمة بالعلم والعدل والإيمان...لقد بنى هذا الرجل النفوس بالإيمان,والصدق,والإخلاص,وبنى البلاد بالمدارس والمشافي..أسقط الضرائب والمكوس والمظالم ونشر العدل والرحمة,فأحدث انقلاباً إسلامياً جذريا في دولته ومجتمعه..كل ذلك وهو يمتطي جواده وسيفه على عاتقه,ينازل الغزاة الصليبيين ويدفع عدوان المعتدين.
كم حريّ بالمسلمين في هذا الزمان الذي تشابهت ظروفه مع ظروف هذا الرجل أن يقرؤوا سيرته من جديد,ويتعرّفوا على تجربته بعمق..".
إخوتي الكرام:
إن القارئ للتاريخ الإسلامي بعقل واعٍ وقلب محبّ سيجد العبرة والعظة تلتمع بين تلك السطور تزيّنها أسماء رجال مسلمين أحدثوا تغييرات عظيمة في نفوس العباد.. ونهضة عمرانيّة ثقافية فوق أرض الشام, بهمّة وإرادة قوية محققين الخلافة في الأرض كما يحبّ الله تعالى ويرضى... وهو القائل جلّ ذكره (إني جاعل في الأرض خليفة).
ففي أواخر القرن الخامس الهجري,عرف العالم الإسلامي وخاصة بلاد الشام عهد الأتابكة والذي هو عهد نور الدين زنكي, ثم عهد الأيّوبيين من بعده.. فكان عهد الخلافة الحقيقية بحقّ.
وقد جعل نور الدين زنكي (511 ه_ 569ه) من مدينة دمشق وحلب مركز إشعاع حضاري عالمي.. لتستقطب دمشق بالذات العلماء والعقول النيّرة!
كما ظهرت الأوابد المختلفة,حيث كان نور الدين يحمل في قلبه شعلة حبّ متّقدة للرسول صلى الله عليه وسلم فلا ينفكّ عن ترديد قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين), مؤمناً بأهمية انتشار العلم في سائر البلاد دون التعصّب لمذهب أو دين!.. فبنى المدارس وقضى على الجهل والتخلف لمواجهة العدو الصليبي والتسلّح ضده بشتّى الطرق.
وعلى رأس تلك المدارس,كانت "المدرسة النورية الكبرى" التي تخصصت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم, في سابقة له لم يعرف العالم لها من قبل مثيلاً!.. فكانت أول مدرسة تقام في الأرض لهذا الغرض النبيل السامي.. وفوق أيّ أرض؟! فوق أرض الشام المباركة, دمشق القديمة.. حفظها الله وحفظ سائر بلاد الإسلام.
فهيا بنا نتجول معاً في رحاب هذه المدرسة الفريدة التي كانت أقدم مدرسة لحفظ حديث النبي عليه الصلاة والسلام ودراسته.. ولنجعل العبرة والعظة تسكن جوانح نفوسنا فنقف ونربط الماضي بحاضرنا المؤلم القاسي, لكي نشحن وقفتنا الاعتبارية تلك بطاقة إيمانية وروح عالية تدفعنا للعمل من جديد.
فلنقرأ معاً وصف الرحالة ابن جبير من علماء غرناطة(539_614 ه) الذي رآها بعد وفاة نور الدين في عهد صلاح الدين الأيوبي: "من أحسن مدارس الدنيا مظهراً مدرسة نور الدين رحمه الله,وهي قصر من القصور الأنيقة ينصب منه الماء من شاذروان وسط نهر عظيم ثم يمتدّ في ساقية مستطيلة إلى أن يقع في صهريج كبير وسط الدار فتحار الأبصار في حسن ذلك المنظر,فكل من يبصره يجدّد الدعاء لنور الدين رحمه الله..".
أما لو اقتربنا اليوم للوصول إليها نجدها تتألف من:
بوابة عالية ذات دفتين خشبيتين تعلوه كتابة بالخط النسخي تنص على تاريخ الوقف المحدد للمدرسة.
صحن المدرسة على شكل مربع,رصّفت أرضيته بالحجر المزّي والبازلتي.
أما الحرم فهو مستطيل الشكل يقع في الجهة الجنوبية من البناء, سقفه من الخشب.. وتعلو المدرسة مئذنة بسيطة وقصيرة.
وإن مما يميّز المبنى حالياً ضريح نادر تغطي سطحه زخارف جصّية جميلة, دُفِن فيها مُنشئها نور الدين الشهيد, وهي مجهّزة بقبّة من المقرنصات الرائعة... التي تتألف من تسلسل طبقات من الخلايا الفراغية, ثم يلي ذلك قمرية لدخول النور والهواء.
وتمثّل هذه المدرسة مع الضريح الفن السلجوقي الأصيل في العمارة الإسلامية.
كما تأصّلت في عهد نور الدين المبتكرات الفنّية الشرقية التي أدخلها السلاجقة إلى سورية وامتزجت مع التقاليد الفنّية المحلية في عملية إحياء للفن الإسلامي لم تشهدها البلاد منذ عهد الأمويين.
تروي المصادر أن نور الدين زنكي قد أوقف على مدرسته شيخه الشيخ علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي,ثم العالم والمؤرّخ الشهير بابن عساكر من بعده.. وغيره من العلماء الكبار.
ومن يدري لعل ابن عساكر قد أتمّ في هذه المدرسة موسوعته الحديثية التاريخية الضخمة "تاريخ دمشق"..تلك الموسوعة التي حيّرت المحدثين وأدهشت المؤرخين.
و قد عقد ابن عساكر في المدرسة مجالس إسماع للحديث منها "كشف المغطا في فضل الموطأ" ومجلسان من مجالس أهالي ابن صاعد, ومعجم الشيوخ, فكانت هذه المجالس ذات وقار وهيبة يزينها حضور السلطان نور الدين زنكي وإنصاته لحديث رسول الله ليكون أول المبادرين إلى تطبيقه.
وتولى بعد ابن عساكر أحفاده في رواية الحديث, وابن أبي عجائز, والخشوعي, والعز بنعبد السلام... والإمام الذهبي والمؤرخ الكبير ابن الأثير.
وأوقف لها الأوقاف وجعل للمدرّسين رواتب شهرية ضمن دائرة شبيهة بنقابة المعلمين _ وهذه من الأمور المُحدَثة في عهد نور الدين _ عندما قام بإحداثها كدائرة مختصة بالشؤون الإدارية لمدرسة الحديث, من توظيف وإشراف وتوجيه.
ومما يُلاحَظ أن موضوع الوقف الذي عرفه العالم الإسلامي في ذلك العصر كان له أثر كبير في ازدهار وتنشيط الحركة العلمية الفكرية مما دفع الفقراء من الطلاب للإقبال للدراسة.. وعُنيت أوقاف المدارس بتدريسهم وإطعامهم ومنامتهم.. وهذا يفسّر لنا العامل الرئيسي للنشاط الفكري في عهد نور الدين ومن بعده من الأيّوبيّين.
كما قام بالمقابل بدعوة العلماء الكبار للتدريس والوقوف على عملية التعليم بعد أن وصل عدد المدارس وقتها إلى نحو 300 مدرسة.. رحم الله نور الدين وجزاه عنا كل الخير.
ومع توالي العصور.. فقدت المدرسة معظم معالمها الأصلية,فأصابها ما أصاب غيرها من المدارس التعليمية القديمة كالعمريّة والأشرفيّة بعد هجوم التتر... فغاب ذكرها عن كتب التراجم.
ونجدها قد انطبق عليها قول الشاعر أبي تمام:"لا أنتِ أنتِ ولا الديار ديارٌ..."
فعذراً يا سيدي يا نور الدين...أنعتذر منك أم ممن أحببته وعشقت سيرته!!؟...فكنت له تابعاً ونلت رضاه وقربه..سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
فلنقف بين يدي الله عز وجل في إنابة وعودة صادقة,ولنتعهّد بإحياء سنّة رسوله عليه الصلاة والسلام في سلوكنا وبيوتنا وحياتنا بالأعمال قبل الأقوال..
فلنتبعه عاشقين له,معظّمين لشخصه الكريم.
(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون يحببكم الله) كثرت أعمال نور الدين زنكي وفضائله... ألغى العصبيّات, ونشر العلم,كما كان يطمح ويحلم ويعمل لتحرير بيت المقدس, وقد قام بصنع منبر مزيّن بزخارف بالغة الجمال ليضعه هناك حالما يحرّرها.. ووقف بين الناس متعهّداً على نفسه


تشغيل