مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 07/04/2013

سلطان الزاهدين إبراهيم بن الأدهم

أعيان الشام

شيخ الصوفية الذي ترك الملك لأجل الآخرة


تابعي التابعين، ولد بحدود المئة سنة 162 هجري


كان سلطان العارفين إبراهيم بن أدهم مرة يمشي في سوق بالبصرة، فاجتمع إليه الناس فقالوا: يا إبراهيم بن أدهم (ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا، والله تعالى يقول: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ). فقال: (يا أهل البصرة قد ماتت قلوبكم بعشرة أشياء: عرفتم الله ولم تؤدوا حقه، قرأتم القرآن ولم تعملوا به، ادعيتم حب الرسول صلى الله عليه وسلم وتركتم سنته، ادعيتم عداوة الشيطان وأطعتموه، ادعيتم دخول الجنة ولم تعملوا لها، ادعيتم النجاة من النار ورميتم فيها أنفسكم، قلتم الموت حق ولم تستعدوا له، اشتغلتم بعيوب الناس ولم تنشغلوا بعيوبكم، دفنتم الأموات ولم تعتبروا، أكلتم نعمة الله ولم تشكروه عليها) .


وكان يقول رحمه الله: (ما لنا نشكو فقرنا إلى مثلنا ولا نسأل كشفه من ربنا) .


وبماذا نصح عند غلاء الأسعار؟ حيث قيل له مرة إن اللحم قد غلا، فقال:  (أرخصوه أي: لا تشتروه وأنشد في ذلك: وإذا غلا شيء عليَّ تركته، فيكون أرخص ما يكون إذا غلا).  


وقال: (قد رضينا من أعمالنا بالمعاني، ومِن طلب التوبة بالتواني، ومِن العيش الباقي بالعيش الفاني!) .


فمن هو إبراهيم بن أدهم ؟


قال ابن عساكر في الجزء السابع من تاريخ دمشق حيث تكلم عنه بإسهاب دقيق في بضع وستين صفحة، وبإعجاب وتقدير لسيرته التي أضاءت قلوب من تأمل وأنصت بغية الفائدة مع المتعة الروحانية، فقال: (أصله من بلخ وسكن الشام ودخل دمشق) .


ومن أقواله المأثورة :


(اللهم انقلني من ذلِّ معصيتك إلى عزِّ طاعتك)


(إذا كنت بالليل نائماً وبالنهار هائماً وفي المعاصي دائماً فكيف تُرضي من هو بأمورك قائمًا؟)

    (إنما يتم الورع بتسوية كل الخلق في قلبك، والاشتغال عن عيوبهم بذنبك، وعليك باللفظ الجميل من قلب ذليل لرب جليل، فكر في ذنبك وتب إلى ربك ينبت الورع في قلبك واقطع الطمع إلا من ربك)


 (على القلب ثلاثة أغطية: الفرح، والحزن، والسرور. فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص، والحريص محروم، وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخط، والساخط معذب، وإذا سررت بالمدح فأنت معجب، والعجب يحبط العمل، ودليل ذلك قول القرآن الكريم: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم))


(قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع، وكثرة الحرص والطمع تكثر الهم والجزع)


وعلى مر العصور، كانت سيرة إبراهيم بن أدهم ولا تزال، مثالًا في العبادة والورع والزهد، حيث كان كثير التفكر والصمت، بعيداً عن حب الدنيا وما فيها من شهرة وجاه ومال، حريص على الجهاد في سبيل الله لا يفتر عنه. وكان برغم زهده يدعو إلى العمل والجد فيه وإتقانه، ليكون كسباً حلالاً. ولذلك أعرض عن ثروة أبيه الواسعة، وعما كان يصيبه من غنائم الحرب وآثر العيش من كسب يده.  

  


فمن هو ؟


 اسمه ونسبه:


هو الإمام العارف سيد الزهاد .. ابراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر، أبو اسحاق العِجلي وقيل التميمي الخراساني البلخي، ولد بحدود المئة الهجرية بمكة في الحج، القدوة الإمام العارف، سيد الزهاد أبو إسحاق العجلي، نزيل الشام دمشق، كان شرع الإسلام مصدره، و تتبع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم منهجه، لننصت معا، ماذا قال الكبار من الثقات عنه:


قال النسائي: هو ثقة مأمون، أحد الزهاد. وعن الفضل بن موسى، قال: حج والد إبراهيم بن أدهم وزوجته فولدت له إبراهيم بمكة، حينما خرج أبوه وأمه إلى الحج عام مائة هجرية أو قريباً منها، وفتح عينيه على الحياة؛ ليجد الثراء يحيط به من كل جانب؛ فعاش حياة الترف والنعيم، يأكل ما يشاء من أطيب الطعام، ويركب أحسن الجياد، ويلبس أفخم الثياب.


وعن يونس البلخي قال: كان إبراهيم بن أدهم من الأشراف، وكان أبوه كثير المال والخدم، والمراكب والجنائب والبزاة فبينا إبراهيم في الصيد على فرسه يركضه، إذا هو بصوت من فوقه: يا إبراهيم: ما هذا العبث؟ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا اتق الله، عليك بالزاد ليوم الفاقة فنزل عن دابته، وصادف راعياً لأبيه، فأخذ جبته فلبسها، وأعطاه ثيابه وقماشه وفرسه وترك طريقته، في التزين بالدنيا، ورجع إلى طريقة أهل الزهد والورع. وخرج إلى مكة، وصحب بها سفيان الثوري، والفضيل بن عياض، ودخل بلاد الشام فكان يعمل ويأكل من عمل يده، فماذا عمل ؟


عمله رحمه الله:


ولم يكن إبراهيم بن أدهم متواكلاً يتفرغ للعبادة والزهد فقط ويعيش عالة على غيره، بل كان يأكل من عمل يده، ويعمل أجيراً عند أصحاب المزارع، يحصد لهم الزروع، ويقطف لهم الثمار ويطحن الغلال، ويحمل الأحمال على كتفيه، وكان نشيطاً في عمله، يحكي عنه أنه حصد في يوم من الأيام ما يحصده عشرة رجال، وفي أثناء حصاده كان ينشد قائلا: اتَّخِذِ اللَّه صاحبًا... ودَعِ النَّاسَ جانباً.


يروي بقية بن الوليد، قائلاً: دعاني إبراهيم بن أدهم إلى طعامه، فأتيته، فجلس ثم قال: كلوا باسم الله، فلما أكلنا، قلت لرفيقه: أخبرني عن أشد شيء مرَّ بك منذ صحبته.. قال: كنَّا صباحاً، فلم يكن عندنا ما نفطر عليه، فأصبحنا، فقلت: هل لك يا أبا إسحاق أن تأتي الرَّسْتن (بلدة بالشام كانت بين حماة وحمص) فنكري (فنؤجر) أنفسنا مع الحصَّادين؟ قال: نعم .. قال: فاكتراني رجل بدرهم، فقلت: وصاحبي؟ قال: لا حاجة لي فيه، أراه ضعيفاً .. فمازلت بالرجل حتى اكتراه بثلثي درهم، فلما انتهينا، اشتريت من أجرتي طعامي وحاجتي، وتصدقت بالباقي، ثم قربت الزاد، فبكى إبراهيم، وقال: أما نحن فاستوفينا أجورنا، فليت شعري أوفينا صاحبه حقه أم لا؟ فغضبت، فقال: أتضمن لي أنَّا وفيناه، فأخذت الطعام فتصدقت به.


وكان إبراهيم بن أدهم كريماً جواداً، فالعسل والسمن غالباً ما يكونان على مائدته يطعم من يأتيه، سمعه أحد أصحابه ذات مرة وهو يقول: (ذهب السخاء والكرم والجود والمواساة، من لم يواس الناس بماله وطعامه وشرابه فليواسهم ببسط الوجه والخلق الحسن.. إياكم أن تكون أموالكم سبباً في أن تتكبروا على فقرائكم، أو سبباً في أن لا تميلوا إلى ضعفائكم، وألا تبسطوا إلى مساكينكم).


شهرته بتقواه وصلاحه وتواضعه:


اشتهر بصلاحه وإخلاصه وتقواه، وزهده في الإعراض عن الدنيا بالرغم أنها بين يديه، فذاع صيته بين الناس فاشتهر بقوة دعائه بأنه مجيب الدعوة، وكان يقول إن الله أنعم على الفقراء إذ لا يسألهم يوم القيامة لا عن زكاة ولاعن حج ولاعن جهاد ولا عن صلة رحم، إنما يسأل في ذلك الأغنياء فقط .


تواضعه رحمه الله:


كان إبراهيم بن أدهم شديد التواضع، لا يحب الكبر، كان يقول: (إياكم والكبر والإعجاب بالأعمال، انظروا إلى من دونكم، ولا تنظروا إلى من فوقكم، من ذلل نفسه؛ رفعه مولاه، ومن خضع له أعزه،ومن اتقاه وقاه، ومن أطاعه أنجاه).


لقد دخل إبراهيم بن أدهم المعركة مع الشيطان ومع نفسه مصمماً على الانتصار، فالصوفي من صفى قلبه من شوائب النفس والشيطان، وسهر الليالي متعبدا ضارعاً باكياً إلى الله يرجو مغفرته ورحمته، فكان مستجاب الدعاء.


 أقوال العلماء فيه :


قال بشر الحافي: ما أعرف عالماً إلا وقد أكل بدينه، إلا وهيب بن الورد وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط، وسلم الخواص.


قال شقيق بن إبراهيم: قلت لإبراهيم بن أدهم: تركت خراسان؟ قال: ما تهنأت بالعيش إلا في الشام، أفر بديني من شاهق إلى شاهق، فمن رآني يقول: موسوس، ومن رآني يقول: جمال، يا شقيق: ما نبل عندنا من نبل بالجهاد ولا بالحج، بل كان بعقل ما يدخل بطنه.


قال خلف بن تميم: سألت إبراهيم: منذ كم قدمت الشام؟ قال: منذ أربع وعشرين سنة، ما جئت لرباط ولا لجهاد، جئت لأشبع من خبز الحلال .قال خلف بن تميم: سمعت إبراهيم يقو : رآني ابن عجلان، فاستقبل القبلة ساجداً، وقال: سجدت لله شكرا حين رأيتك .


وعن إبراهيم، قال: الزهد فرض، وهو الزهد في الحرام. وزهد سلامة، وهو: الزهد في الشبهات. وزهد فضل، وهو: الزهد في الحلال.


 وقال أبو نعيم: سمعت سفيان يقول: كان إبراهيم بن أدهم يشبه إبراهيم الخليل، ولو كان في الصحابة، لكان رجلاً فاضلاً.


طبقته ورواته:


هو من تابعي التابعين، فلقد حدّث عن محمد بن زياد الجمحي - صاحب أبي هريرة -، وحدّث منصور بن المعتمر ومالك بن دينار وسليمان الأعمش وابن عجلان ومقاتل بن حيان و غيرهم كثر ... وكل هؤلاء من أئمة أهل السلف !


وحدّث عنه وطلب العلم منه ... رفيقه سفيان الثوري وشقيق البلخي وابراهيم بن بشار الخرساني والأوزاعي وأبو اسحاق الفزاري والفضيل بن عياض.


 كان إبراهيم شديد الحنين إلى وطنه. ومن أقواله لأصحابه:  (عالجت العبادة فما وجدت شيئاً أشد عليَّ من نزاع النفس إلى الوطن) كما روي عنه قوله: (ما قاسيت فيما تركت شيئاً أشد علي من مفارقة الأوطان).


وفاته رحمه الله :


تُوفي إبراهيم بن أدهم سنة 161هـ الموافق 778م، وفي رواية أخرى أنه وتوفي سنة اثنتين وستين ومائة وهو مرابط مجاهد في إحدى جزر البحر المتوسط، ولما شعر بدنو أجله قال لأصحابه: أوتروا لي قوسي، فأوتروه، فقُبِضَ على القوس ومات وهو قابضٌ عليها يُريد الرمي بها، وفي رواية أخرى قيل إنه مات في حملةٍ بحريةٍ على البيزنطيين، ودُفِنَ في مدينة جبلة على الساحل السوري، وأصبح قبره مزاراً، وجاء في معجم البلدان أنه مات بحصن سوقين ببلاد الروم.


رحمه الله جاهد النفس أولاً وأتمه بجهاد العدو، فأي حب وعشق مع تقديس لله عز وجل عاشت قلوبهم لينالوا توفيق مولاهم في تحقيق العبودية الخالصة لله، رحمه الله، وجزاه المولى خيراً.


ماذا بعد ... إنْ هي إلا كلمات من سيرته لامست وجداننا فعسى أن تسمو بها أرواحنا، وتطهر أنفسنا، وتعلو بنا إلى أرقى الدرجات من السمو والرقي الإنساني، في حب الخير لجميع العباد، ولترفع من قدر ذاك الإنسان المخلص المجاهد نفسه بنفسه، منشغلاً عن الخلائق في خلوة مستمرة مع ربه .. ولنتذكر قول ابن عطاء الله السكندري:


كيف يشرق قلب وصور الأكوان منطبعة في مرآته.


أم كيف يرحل إلى الله و هو مكبل بالشهوات.


أم كيف يطمع أن يدخل في حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته.


أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته.


المصادر و المراجع:


ـ حلية الأولياء / الأصفهاني


ـ تاريخ دمشق / ابن عساكر


ـ سير أعلام النبلاء / الذهبي


ـ معجم البلدان / الحموي

تحميل