مميز
التاريخ: 14/05/2013

استراتيجية تيار الوسطية في الإصلاح في البعد التربوي

بحوث ودراسات

استراتيجية تيار الوسطية في الإصلاح في البعد التربوي
الدكتور وهبة الزحيلي
إن العالم المعاصر يعيش في فوضى فكرية تتمثل في سلوك غير المسلمين و محاولة تغيير المفاهيم. وقلب المعايير، وازدواجية المكاييل، بسبب الغطرسة، و الاستكبار العالمي، واستمرار الاعتداء على العالم الإسلامي والعربي، ومحاولة تشويه صورة المسلمين وحضارتهم، والمساس بمقدساتهم وقيمهم وأخلاقهم، و الاساءة للإسلام فكراً وممارسة، مما يمكن وصف ذلك الجنوح بأنه هجمة شرسة على بلاد الإسلام، وشعائر المسلمين، وأفكارهم وعقائدهم.
أما العالم الإسلامي فهو يمر بمحنة صعبة وامتحان عسير، ربما أدى ذلك بسبب جهل بعض المسلمين إلى فقد التمثل للإسلام، واهتزاز الهوية الإسلامية والجنوح إلى ارتكاب أعمال تعد رد فعل عكسي متعين لسوء أعمال المعتدين والمحتلين، والمتعصبين الحاقدين على الإسلام، والجاهلين بمبادئه، وأنظمته، و التسبب بارتكاب إساءات فكرية وسلوكية، واعتداءات متكررة على بعض الدول الإسلامية والعربية.
وهذا يقتضينا المبادرة إلى أمرين أساسيين :
الأول: صد مختلف أشكال الهجمة الشرسة، ورد الاعتداء الموجه إلينا، و إخراس أجهزة إعلام الآخرين المتورطة بالكذب، والتدجيل، وقلب الحقائق.
الثاني:أداء مهمة إيجابية مدروسة،ومبرمجة تعتمد منهجية واضحة في مجال الاصلاح التربوي تتمثل فيما يلي:
دور المؤسسات التعليمي، ومناهج التعليم.
دور رسالة المسجد.
دور المراكز الثقافية، والمنتديات.
وتشترك هذه المحاور الثلاثة في ضرورة الدعوة إلى نظام الإسلام في الوسطية أي القصد والعدالة والاعتدال، في جميع ما جاء به الإسلام من شرائع ومبادئ وقيم لمعرفة الخير والشر، والحق والباطل، والصلاح والفساد، والاستقامة و الانحراف، والتسامح أو اليسر والتفريط والغلو، والدفاع أو المقاومة، والإكراه والإرهاب، والمعروف والمنكر، والتعقل والإقناع، والجهل والسفه، والأمانة و الخيانة والاعتداء والسلم العادل، وغير ذلك من المقابلات، قال الله تعالى :)وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ(. وأوضح ذلك الأثر الثابت "خير الأمور أوسطها"أو "أوساطها" وقال سبحانه: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ).
وقال عز وجل: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). والمعنى أن الأمة المسلمة تدعو الناس إلى الصلاح وترك الفساد فكراً وعملاً وسلوكاً أو ممارسة.
قال وهب بن منبه: "إن لكل شيء طرفين ووسطاً، فإذا أمسك بأحد الطرفين مال الآخر، وإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان، فعليكم بالأوسط من الأشياء".
هذه هي حقيقة الوسطية، وملامحها في الشريعة الإسلامية. والوسطية تتطلب في منهجها الجمع بين النظرية والتطبيق، والتزود بالمعرفة والممارسة، والتعلم و التربية: وهي تنمية الوظائف الجسمية والعقلية والعلمية والخلقية،كي تبلغ كمالها عن طريق التدريب والتثقيف، وهي أيضاً علم يبحث في أصول هذه التنمية، ومناهجها، وعواملها الأساسية، وأهدافها الكبرى، وتعد التربية ظاهرة اجتماعية تخضع لما تخضع له الظواهر الأخرى في نموها وتطورها، كما جاء في تجديد الصحاح للجوهري.
هذه هو المنهاج التربوي الذي ينبغي السير عليه في محاور موضوع تيار الوسطية، وهو منهاج سليم يتجلى في ضرورة تفعيل مجالات التربية، والتثقيف في ميزان الإسلام:
دور المؤسسات التعليمية ومناهج التعليم:
إن تربية الأجيال على نحو قويم تعتمد على جهود الأسرة، ومؤسسات التعليم والتربية، غير أن الأسرة في الغالب اعتمدت في التربية على المدارس و الجامعات، وأهملت أداء واجبها الأساسي في هذا المضمار، فصارت المؤسسات التعليمية تتحمل هذا العبء الأكبر إذا قامت بواجبها أيضاً.
لكن مؤسسات التعليم ومدارس ومعاهد وجامعات منها ما هو قويم المنهج، و يعتمد على الوسائل الناجعة في تربية الجيل، ويضع المنهاج الصحيح في مختلف سنوات أو صفوف الدراسة، وهي قليلة في الغالب، بسبب هيمنة
الأفكار الغربية، والنظريات المستوردة، والاتجاه نحو العلمانية أو العولمة في عصرنا، مع أن الواجب الأساسي عليها اختيار أفضل الوسائل للتعليم والتربية، وأقوم البرامج، والتركيز على الغايات، والأهداف التربوية الصحيحة التي تنطلق من مقومات الأمة المسلمة العاملة بالقرآن والسنة النبوية، والمحافظة على نضارة وازدهار التاريخ والتراث الإنساني العربي والإسلامي.
وأغلب المؤسسات التعليمية الحالية تعني بحشو أذهان الجيل بمعلومات ومعارف نظرية، وثقافات مستوردة، لنيل الشهادات العلمية، مع إهمال مادة التربية الدينية والأخلاق، وعدم مراقبة سلوك الطالب أو الطالبة، وترك العناية بمشكلات التربية، ولا سيما في مرحلة المراهقة، وإبعاد ساحة العبادات، و الفرائض الإسلامية عن مجال التطبيق العملي.
وبما أن الهدف من التربية الإسلامية هو إعداد الإنسان الصالح أي الإنسان بالمعنى الشامل، من حيث هو إنسان، لا من حيث هو مواطن فقط، فيجب أن يتضمن منهاج هذا المقرر في بحوثه العامة غير التقليدية إغناء البحث في موضوع الكلام الحيوي عن علاقة المسلم بالمجتمع، وعلاقة المسلمين بغيرهم في خارج البلاد الإسلامية، لأن العالم اليوم أصبح بمثابة قرية صغيرة، بسبب سهولة المواصلات، وتشابك وسائل الاتصال، وامتدادها عبر العالم في الانترنت وغيره. ومن أهم الأبحاث التي ينبغي على المسلم معرفتها التعمق في فهم وسطية الإسلام في حضارته المادية والروحية، وعقيدته القائمة على التوحيد، وعبادته المعنية بتهذيب الفرد والجماعة، ونظام الأسرة المتكافلة المتعاونة المحافظة على العرض، والشرف، والحياء، ونظام الأخلاق، والآداب الاجتماعية الرفيعة المتمثلة بحب التعاون، والإيثار والتضحية، ونظام الحكم، والإدارة الذي يجمع بين نظامي الإدارة المركزية، واللامركزية، ومعرفة خصائص هذا النظام القائم على احترام حقوق الإنسان، وتفعيل نظام الشورى واحترام مبدأ العدالة والمساواة والسلم والأمان، والدعوة إلى التحرر والتحرير، وسلامة الفطرة والنظر إلى الآخرة نظرة ملؤها المحبة والتسامح، ونبذ الانغلاق، والتعصب، والعنف و الإرهاب أو الغلو والتطرف.
كما أنه لا بد من معرفة نظام الاقتصاد الإسلامي القائم على مبدأ الحرية والتوازن بين مصلحتي الفرد والجماعة، واحترام وجود خصائص الملكية الفردية كأصل عام، والملكية الجماعية لصالح المجتمع، والجماعة، والأمة.
وهو نظام فريد في غاية الوسطية والاعتدال، كما يتجلى مثلاً في الأخذ بسياسة الاقتصاد المعتدل في توجهه، ومراعاة أصول التدبير المقررة في قوله تعالى: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً)، وقوله سبحانه: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً).
ولا بد من إحياء معالم العقيدة الإسلامية القائمة على توحيد الله عز وجل من أجل تحرير الإنسان من عبودية البشر، وإشعاره بالعزة والكرامة الإنسانية والمهابة، وبناء الشخصية الذاتية المحبة للإنتاج، والفاعلة في المجتمع، والتي ينبع منها الخير وإشعاع كل المعاني الكريمة نحو الآخرين، وهذه هي غاية الوسطية التي تنبذ الخضوع لغير الله عز وجل وتتعامل مع بني الإنسان باعتبارهم إخوة في الإنسانية.
والتساوي بين البشر في أنهم مخلوقات الله تعالى ينمي علاقات الود، والطمأنينة، والثقة، والرحمة والاحترام المتبادل، والتعاون في سبيل تنمية العلاقات والمشاعر الإنسانية الفياضة.
ويجب الإدراك بأن العبادات في الإسلام هي من أجل مرضاة الله مصدر للخير، والرزق، والسعادة للإنسان، وليست هي مجرد طقوس وشكليات، ولا اعتزال عن المجتمع ولا جنوح، أو إساءة ظن في النظرة للآخرين، وهي وسطية البناء، والعطاء، والتهذيب، والتفاعل مع الآخرين.
وعلينا أن نحافظ على نظام الأسرة التي هي بناء متكامل يعتمد على الأبوين اللذين يتفانيان من أجل إيجاد الذرية الصالحة، وتزويد المجتمع بالعناصر الطيبة الفعالة، وأن هذه الأسرة يسودها التراحم، والتعاون، والتكافل بين الزوجين ثم بين الكبار والصغار، وإفراز كل المعاني الخيرة ليكون المسلم أنموذجاً متميزاً في بناء علاقاته الاجتماعية مع الآخرين، وبناء صرح الوطن، والحفاظ على عزته واستقلاله وكرامته.
ويحرص الإسلام على توفير متانة الأسرة، وقوتها، وبنائها على أرسخ الدعائم، دون تفلت، ولا تحلل، ولا انفصال بين أعضائها، فالأسرة هي الإسلام متماسكة
متعاضدة، وليست منهارة، متداعية لا تربط بين أفرادها كما في حال الغرب والشرق، لاعتمادها فقط على تحقيق الكسب المادي، والدخل المعيشي وافتقاد المقومات الإنسانية والأخلاقية، وهذه هي وسطية الأسرة في الإسلام، والأخلاق في الإسلام كالصدق والصراحة والثقة والإتقان والوفاء بالعهد والوعد،ومحبة الخير للآخرين والتضحية والإيثار، والأمانة والجرأة، وإقرار الفضيلة، والبعد عن الرزيلة، هي آداب تحترم لذاتها، وليست مجرد مصالح أو منافع مادية.
وهذه وسطية جامعة بين شعاب الخير، والتخلص من السلبيات القاتلة.
ونظام الحكم في الإسلام يتميز بأنه يعمل على صلاح الدين والدنيا، ويضبط الأوضاع، ويمنع الفوضى، ويشيع الأمن والطمأنينة، ويقود الرعية أو المواطنين إلى شاطئ السلامة، ويفصل بين الخصومات والمنازعات، ولا يسمح بالجنايات وهو أيضاً نظام قوي يحقق الرفاه للأمة، ويلتزم بخصائص نظام الحكم في الإسلام بتفعيل نظام الشورى أو الديمقراطية الإسلامية القائمة على احترام أصول الشريعة وأحكامها من حلال وحرام، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، و يدافع عن وجود الدولة وشعبها، ويرد على العدوان وينشر العدل والمساواة، و يضمن ممارسة الحريات المنظمة والمسؤولة بحيث لا يلحق أي فرد ضرراً بالآخرين ويشرف على نظام التعليم النافع المحقق تقدم ونموها، وحرصها على الفضيلة، ولا يسمح بأن يعتدي أحد على أحد، مسلماً كان أم غير مسلم، مواطناً أو أجنبياً دخل البلاد لأغراض ومقاصد مشروعة. وهذه هي وسطية الإسلام في الجانب السياسي والإداري،فهو مكمل للجانب العبادي والخلقي والاقتصادي والاجتماعي والإعلامي الذي يلتزم الصدق ورعاية المصالح العامة وتقديمها على المصالح الخاصة.
وأما حقوق الإنسان في الإسلام فنابعة من الحفاظ على الكرامة الإنسانية لكل مخلوق، لقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ). وأما علاقات المسلمين بغيرهم في الداخل والخارج فقائمة على أصول السلام، والأمن ونبذ التعصب والتزمت، ومحاربة كل أشكال العنف أو التطرف في الداخل والخارج ومقاومة العدوان الخارجي في مظلة الجهاد الذي يحمي عزة الأمة وكرامتها ووجودها وقيمها وأصول شريعتها وحماية مقدساتها.
ولا تكون مقاتلة الأعداء إلا بسبب اعتادئهم لا بسبب مخالفتهم في الدين، فإنه تعالى حكم في القرآن الكريم بأنه (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ووضع نظام الدفاع في مظلة الآية الكريمة : (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) .
وجعل أصل مشروعية الجهاد بسبب تعرض المسلمين في ديارهم لظلم الأعداء، وإساءاتهم المتكررة على الديار والأفراد والجماعات، كما تبين في أول آية أذن فيها بالجهاد وهي (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ).
وسبيل إنعاش الأمة بجميع فئاتها، وتعدد أديان ومذاهب أبنائها إنما هو لتحقيق
التعايش السلمي والودّي بين المسلمين وغيرهم في ضوء الحكم القرآني السديد (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ،إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
وكل تشويه لصورة الإسلام ونبيه وأفكاره وأصوله، هو ناشئ من بواعث الحقد، والتعصب الأعمى، والكراهية، والجهل بحقيقة الإسلام وثوابته وغاياته الإنسانية وأغراضه الرفيعة.
والاقتصاد في الإسلام قائم على قاعدة الحرية الاقتصادية المنظمة، وعلى أساس قوي من المعاملات التي تظللها قواعد الاستقرار، والأخلاق العملية، وتراعي أصول التكافل أوالتضامن الاجتماعي، وتحرص على استمرار سياسة التنمية، ومقاومة الفقر والجهل والمرض، كما جاء في الآية الكريمة: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
علماً بأن مبدأ حرية الاقتصاد في الإسلام مقرر في الحديث النبوي (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ).
والتزام قواعد الأخلاق في المعاملات واضح من تفاعل الشريعة مع كل خلق كريم وسوي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ).
هذه بعض ملامح الوسطية والاعتدال في الإسلام التي ينبغي التركيز عليها في مناهج التعليم في جميع مراحله الإعدادية والثانوية والجامعية، وهي الكفيلة بإعداد أو تربية وتنشئة المواطن الصالح، وتحقيق الإشعاع الفكري والعقدي والاجتماعي، والتصور الصحيح للإسلام ومبادئه، ولفت أنظار العالم إلى حقائق وأباطيل خصومه، ولا سيما أولئك الذين يشوهون حقائق الإسلام من بعض المستشرقين، والكاتبين والصهاينة الحريصين على طمس هذه المعالم، فهي نابعة بكلمة واحدة من شريعة السماء، وهي الشريعة الباقية الخالدة المحكمة والصالحة لكل زمان ومكان، وللدنيا والاخرة.
ولا ننسى أن أصل التشويه والإساءة نابع من ضعف المسلمين، وتخلقهم عن مواكبة ركب التقدم والحضارة، وترك إعداد القوة المادية، والاقتصادية والعسكرية، التي لا يفهم الغرب أو الشرق لغة غيرها، مع عدم الاعتبار والالتفاف لقواعد الأخلاق ذات الصبغة الإنسانية الإعلامية، والتي تكمن في ستة معايير: الإخاء الإنساني، والتعاون، والتراحم، والتسامح، والمحبة، والإحسان.
ونجاح المؤسسات التعليمية، وتعديل مناهجها مرتبط أساساً باختيار أفضل الوسائل والبرمجة، وأصالة المعرفة القائمة على الوسطية، والتركيز على الغايات، وإعداد الكتاب المشرق، وهذا يستفيد منه جميع أبناء الوطن الصغير والكبير في مراحل التعليم.
دور رسالة المسجد:
كان للمسجد وما يزال رسالة توجيهية دائمة، وغاية اجتماعية حصينة، فهو مقر
العبادة المهذبة للطباع والأخلاق، ومصدر التوعية الرصينة، بل هو اساس إعداد الفرد والمجتمع إعداداً سياسياً وفكرياً وحضارياً، وإعلامياً واجتماعياً، لأنه يجمع القادة والرعية من مختلف أطيافها وفئاتها وبناة تركيبها على منهج واحد وسياسة واحدة.
وظلت المساجد في الماضي والحاضر منبر اغتراف العلوم النافعة، وانتعاش الأمة وازدهارها وتدريب شبابها وروَّادها على الالتزام الواعي بأصول الشريعة، وإدراك مقاصدها وغاياتها الحكيمة، بل كان المسجد أداة قوية التأثير على الفكر العام والخاص، وتنبيه المترددين عليه من أحوال الأطماع الخارجية للأعداء، وكشف مؤامراتهم، ومعرفة مكائدهم وخططهم، ومجابهة عدوانهم وتدخلهم السافر في شؤون الأمة الإسلامية، فالمسجد أول مقر دائم وقوي للإشعاع الحضاري والمعرفي، والحفاظ على مقدرات الأمة وسلامتها، والعمل على تحطيم قوى الشر والعدوان على أمتنا، والتخلص من ويلات الاحتلال و الاستعمار لأن المسجد كان مقراً لعقد ألوية الجيوش واختيار قادتها، وتزويدها بالمعطيات والوسائل المحققة للنصر، وهزيمة الأعداء، والتوجه المحكم لما ينبغي عمله في محاربة الأعداء، ولاسيما الحفاظ على كرامة الإنسان، وحقوق المجتمع المدني. كما أن المسجد كان وما يزال حصناً لتبديد أباطيل الخصوم، وتنفيذ الشبهات، والرد على الادعاءات، وتزييف الآراء، وبلورة معالم الإسلام في عقيدته و عبادته وسلوك أبنائه، وتوضيح قواعد علاقات المسلمين مع غيرهم. ولقد قامت المساجد عبر العصور الإسلامية إلى يومنا هذا بأداء وظائف تعليمية وتربوية عالية لإعداد الجيل الناشئ وحماية الشباب والكهول والشيوخ من الزيغ والانحراف، من خلال حلقات الدروس التربوية والتوجيه والتعليم لمختلف العلوم في الصباح والمساء، ويتوج ذلك كله خطب الجمعة التي تعبر عن علاج قضايا المسلمين العامة والخاصة.
ومن أهم المشكلات المعاصرة، والتي يكون للمسجد دور كبير في تجاوزها، و حل معضلاتها: الرد على الهجمة العدوانية على الإسلام والمسلمين في الوقت الحاضر، ومحاولة تفريغ الإسلام من محتواه العقدي والإصلاحي والإنساني و الحضاري. وستغل الأعداء بعض المنافذ والشبهات بقصد الإساءة للإسلام والمسلمين، ويقرنون مع الأسف الشديد بين المسلم والإرهابي، وبين الإسلام والإرهاب ،حتى صرنا نسمع قنواتهم الإعلامية، وتصريحات بعض قادة العدو منشأ الإرهاب هو الإسلام.
وهذا خطأ بيِّن، فهناك فرق واضح بين موقف الإسلام الإنساني الصحيح ، وبين سوء تصرف بعض المسلمين وممارستهم للإرهاب، علماً بأنه رد قوي ومناقض لإرهاب الدولة، الذي يتولى ممارسته دهاقنة الصهيونية، وينفذه الأعداء الغربيون من أجل حماية قلعة صهيون فقط وتنفيذ مخططاتها وتحقيق أطماعها الخطيرة.
إن الاحتكام لمبادئ الإسلام الكبرى وقواعده العامة، وأصوله القطعية، وفي طليعتها شيئان الوسطية الملازمة لجميع تعاليم الإسلام، وضرورة التمييز بين المقاومة أو حق الدفاع المشروع عن الوطن ومقدساته وكرامته وسيادته،وبين الإرهاب الذي هو اعتداء محض، وتخريب وتدمير وقتل غير مسوغ، ولا توافر غاية شريفة أو مقاصد إنسانية صحيحة.
وكلا الأمرين يمكن تحقيقه من خلال معرفة رسالة المسجد، للتأثير في تكوين المناهج الصحيحة، والمبادرة إلى إعلان بنود الإصلاح من خلال قيام الدعاة المسلمين في المساجد بواجب التبليغ بالقول، وبالفعل، وبالسيرة الحسنة التي لا ازدواجية في معاييرها، ولا انحراف عن مقتضيات أحكام الشريعة فيها، وذلك لأن للمسجد وظائف تربوية متعددة، وهي ما يأتي.
وظيفة روحية "أداء العبادات"، ووظيفة اجتماعية "أداء صلاة الجماعة، وتلاقي المسلمين"، ووظيفة تربوية وتعليمية "تعليم أحكام الشريعة من خلال القرآن والسنة"، وكان للمسجد في الماضي وظيفة قضائية "فصل الخصومات"، ووظيفة عسكرية "إعداد وبعث الجيوش"، ووظيفة سياسية "كونه مقر الدولة واستقبال الوفود والمفاوضات" والخلاصة أن: المسجد في كل وقت هو محراب تلقي العلوم الإسلامية، وتربية الجيل في حلقات الدروس الشرعية والعلوم الأخرى، وهو منبر التوجيه الأسبوعي في إلقاء خطب الجمعة، علماً بأن تأثير ذلك واضح على النفوس المؤمنة.
وهذا يوجب استثمار هذه المهمة للمساجد في إيضاح معالم الوسطية وغاياتها لأهل الإيمان، ومنع المسلم من ممارسة أي مظهر أو عمل مسيء سواء للمسلمين أو لغير المسلمين، وتقديم الصورة المشرفة عن أهل القرآن وأتباع النبي عليه الصلاة والسلام.
وللداعية المسلم الواعي في المساجد وغيرها تأثير بالغ الأهمية في تبليغ شرائع الإسلام قولاً وعملاً وسلوكاً، وذلك بتصحيح المفاهيم، وتنفيذ الشبهات، والرد على أضاليل الحاقدين والمسيئين للإسلام وثقافته وحضارته، ولاسيما بيان وسطيته وعدالته وسموه عن مجاراة الآخرين إذا نزلوا إلى مستوى يتنافى أو يتصادم مع الفضيلة والأخلاق الكريم.
دور المراكز الثقافية والمنتديات: .............
لمتابعة قراءة البحث يرجى تحميل الملف أدناه

تحميل



تشغيل