مميز
الكاتب: الدكتور محمود رمضان البوطي
التاريخ: 12/01/2021

عنهجية لا تليق بعبد

مقالات

ظاهرة تنمُّ عن عنجهية لا تليق بعبدٍ قد دان بالعبودية لمولاه، ولا يرى في الكون مدبراً سوى الله.


ما إن يقع فلانٌ من الناس تحت براثن داء من الأدواء حتى يغدو كتلة صغار ومسكنة والتجاء ودعاء، ليس هو فحسب، بل هو ومن حوله، فإذا ما تبدت علامات الشفاء على جسده حتى ينسى ربَ العزة الذي أذن له بالعافية، وينسى الذين كانوا حوله أيضاً من أهله وذويه أنفسهم أيضاً، كيف كانت أكفهم منبسطة إلى سماء رحمة الله، وحناجرهم تلهج بالدعاء، ودموعهم تنهمر تستجدي من الله عز وجل الشفاء. فإذا سَرَت العافيةُ في جسده وأذن المولى بالشفاء، ظهرت عبارات التبجح على ذات الألسن التي كانت بأمس تلهج بالدعاء، وكأنه بهذا الشفاء الذي أذن الله عز وجل به قد سطّر لنفسه وبنفسه البطولات. فتسمع منه أو من ذويه وأصحابه عبارات فيها من سوء الأدب مع الله ما فيها، وتحمل من معاني الجحود والنكران ما تحمل. من قبيل: فلان قهر المرض، فلان انتصر على المرض، بإرادته القوية وعزيمته الصلبة تجاوز المرض..


عبارات نسمعها أو نقرأها في وسائل التواصل لا تتناسب وحال من كان قبل أيام في أدنى دركات المسكنة والتذلل، وقد كادت روحه أن تخرج مع آهاته لولا لطف الله عز وجل فيه، عبارات فيها لؤمٌ مع من قد أذن بالشفاء ووضع أسباب العافية في الدواء. والله تعالى يقول على لسان سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) فأنى لك وبأي جُرأة تقول: "انتصرتُ على المرض". تنسب الفعل والعافية لنفسك، والشافي المعافي يسمع كلامك.


ترى لو عاد إليه المرض وأخذ بخناقه مرة أخرى، هل سيعود ويتبجح بالعافية؟ أم سيعود كتلة من الذل والصغار لا يملك من أمر نفسه حولاً ولا قوة، يستجدي الدواء، ويقرع أبواب الأطباء.  


مهما أوتيتَ من قوةٍ يا أيّها الإنسان، ومهما بلغ علمكَ، وفي أي عصر وُجِدت أنتَ عبدٌ في كل شؤونك وتقلباتك، العجز يركبك من فرْقك إلى قدَمِك، محكومٌ بيدِ الذي خلقكَ فسوّاك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك. تلك هي هوية كل إنسان، غنياً كان أم فقيراً، أميراً كان أم حقيراً. فأنّى لك أن تدعي لنفسك حولاً وتدبيراً.


لقد قهر الله عز وجل عباده بالنوم من قبل أن يقهرهم بالمرض أو بالموت، كما قهرهم بالحاجة إلى الطعام، وقهرهم بالدخول للخلاء وللحمام ... ومهما بلغ شأن إنسان ما من الناس، ومهما قوي نفوذه، وخشيت قراراته، فإنه لن يخرج عن كونه عبداً لا يملك أن يحرر نفسه من مظاهر قهر الله عز وجل.


واليوم كم من عبدٍ ذليلٍ مقهور بالنوم والجوع والضعف، يتبجح بقوته الموهومة ويغتر بالعافية التي أسبلها الله على جسده، وأجله مخبوء خلف أذنه، تتراءى له القوة والعافية وبغتة يأتيه الموت على غير معياد، فيرحله إلى المصير الذي يخشاه. فيغدو لبرزخه ولسان حاله يقول: (رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).


والحسرة على من يمضي حياته منتشياً بكأس نعيمه وبسطة قدرته، لا يخضع لربوبية خالق ولا يرى في عنقه سنة لواهب. فإذا أدبرت النعمة عنه، أو تسل مرض إلى جسده ولم يجد المجير والنصير من الضعفاء أمثاله، عندئذ يهتف مستغيثاً برحمة الله وألطافه. فإذا زال المرض، عاد إلى طغيانه.


والعبد الذي تجلبب بكساء العبودية لله، يتعامل مع كل نعمة ترده من الله عز وجل؛ الصحة، المال، الجمال، العافية، القوة، العقل، المأوى، الأسرة، الكفاية ... على أنها وديعة يمتعه بها إلى حين ويسلبه إياها إن شاء ومتى شاء، يشكره عليها ولا يركن إليها، يستخدمها فيما يرضيه ولا يتبجح أو يستكبر بها. أما من نسي عبوديته وتاه في عجرفته وعنجيته فهو معرضٌ للسقوط في الهاوية التي يسقط بها عادة المستكبرون على الله أحفاد قارون وفرعون وهامان الذين اتخذوا من حال قارون منهجاً عندما خرج على قومه في زينته وصار يقول إنما أوتيته على علم عندي. وجواب الله عز وجل يتردد صداه: (أوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا).

تحميل