مميز
التاريخ:

جامع الياغوشية أو السياغوسية

مساجد الشام

جامع الياغوشية أو السياغوسية
الباحث عماد الأرمشي
يقع داخل أسوار مدينة دمشق القديمة في حارة الياغوشية المعروفة باسم الجامع في حي الشاغور الجواني جنوبي دمشق القديمة . ويتناقل تسمية "الياغوشية" أهل الشام من العوام تخفيفاً لتسمية "السياغوشية" وهي التسمية الصحيحة نسبة للوزير الأعظم سياغوش باشا .
وقد ورد في لطف السمر وقطف الثمر من تراجم أعيان الطبقة الأولى من القرن الحادي عشر للغزي أن مشيد هذا الجامع هو حسن باشا الشوربزي من كبار وجهاء الإنكشارية في الشام، والمعروف باسم شوربزة حسن، وذلك بتكليف من الوزير الأعظم "سياغوش باشا"، وقد اكتمل عمارته في عام 995 للهجرة الموافق 1587 للميلاد وذلك حسب ما جاء في خطط دمشق للعلبي، وأطلق المؤرخون عليه اسم جامع الياغوشية تخفيفاً للفظة سياغوشية كما أسلفنا.
ذكره الباحثان الألمانيان كارل ولتسينجر و كارل واتسينجر عندما قاما بمسح ميداني شامل للأبنية الأثرية والإسلامية بدمشق ضمن البعثة الألمانية العثمانية وقالا بالصفحة ـ 178 ـ أن جامع الياغوشية يعود إلى القرن الثامن عشر، ولا أدري من أين جاءا بهذا التاريخ "القرن الثامن عشر"؟ .
علماً بأنه ثابت تاريخياً لدى المؤرخين .. أنه بني في القرن السادس عشر الميلادي وتحديداً في عام 1587 للميلاد حين اكتملت عمارته كما أسلفنا سابقاً.
شيخنا الفاضل عبد القادر بن بدران رحمه الله تعالى وطيب ثراه.. كان أكثر شرحاً وتفصيلا عن تاريخ هذا الجامع، حين ذكر في منادمته أن الجامع موجود بحارة كانت تسمى بالقصاعين، داخل باب الجابية .. ونقل عن المحبي بقوله :
حكى المحبي بتاريخه الجزء الثاني ص 34 في ترجمة حسن باشا بن عبد الله الأمير الكبير المعروف بشوربزه حسن أحد صدور دمشق وأعيانها، المتوفى سنة 1027 هجرية، وكان الأمير الكبير حسن باشا منتميا إلى الوزير الأعظم سياغوش باشا، فدفع إليه مالا... وأمره أن بيني له مسجدا بدمشق، ويرتب فيه من يقوم بشعائره، فبنا المسجد المعروف بالسياغوشية بالقرب من داره، بحارة القصاعين داخل باب الجابية وأحسن بناءه.
فائدة: وكذا فعل معه الوزير الأعظم مراد باشا، فعمر له سوق المرادية بباب البريد، والخان وسوق الذراع وجعله وقفا على الحرمين وقال: أن حسنا هذا المذكور ولي وقف البيمارستان النوري، فأقام شعائره بعد أن كانت اضمحلت... وعمر أوقافه، وأتى فيه من حسن التنمية بما لا مزيد عليه .
وكذلك عمر وقف البيمارستان القيمري، وأنماه وولي توليه الجامع الأموي بعد أن كاد وقفه يذهب... فبذل جهده في ضبطه، وتنميته، وعمر حمام البزورية، وقف دار الحديث النورية، بأمر الوزير أحمد باشا الحافظ، وصرف من ماله مبلغا... واستوفاه من أجوره ثم سلمه لمتوليه بعد الاستيفاء وتوفي سنة سبع وعشرين وألف، وكذلك عمر المذكور الخان المعروف بخان الزيت بسوق جقمق "أي مدحت باشا حالياً" ووقفه مع جملة عقاراته على ذريته .
أقول هنا ضمن أبحاث مساجد دمشق دراسة تاريخية مفصلة، أنه أثناء زيارتي الميدانية للجامع في صيف عام 2004 اندهشت من شكل الجبهة الخارجية للجامع والمكونة من الحجارة الكبيرة على طول حارة الياغوشية وصولاً إلى باب الجامع. يتوسط هذه الجبهة ثلاثة نوافذ كبيرة الحجم تطل من صحن الجامع ومن حرم بيت الصلاة على حارة الياغوشية أو السياغوشية وهي الأصح، وهي مبنية من الحجارة الضخمة ويحيط بالنوافذ الحجارة الأبلفية البنيان، ومحمية بالقضبان الحديدية الغليظة وما زالت خشبيات النوافذ القديمة المحفورة بشكل أنيق على حالها منذ تركيبها .
باب الجامع ما زال محافظاً على شكله القديم لمتانة حجارته البيضاء و المزية المتراكبة، ولكن بدون أي زخارف تُذكر.
والبوابة على شكل قوس كبير مدبب الرأس بداخله قوس صغير حاضن للباب الخشبي المجدد في حقبة سابقة، وعند سؤالي لجيران الجامع عن وقفية المسجد والتي كانت موجودة فوق ساكفة الباب مباشرة.... فلم أعثر على جواب. مع أن جيران الجامع أعلموني أنه لا يوجد لوحة تحوي وقفية الجامع، وأبلغني أحد كبار السن أنها كانت على هذا الشكل "فارغة" ويتذكرها تماما منذ نعومة أظفاره، مع إعطائي شرح واف عن تاريخ بنائه .
وبهذا فإني أقول: لقد ضاعت تلك اللوحة المنقوشة أو المحفورة فوق الباب، ولا أحد يعرف عنها أي شيء، حتى المراجع التاريخية التي رجعت إليها لم أعثر على أي ذكر أي تفصيل عنها؟.
وبالتأكيد كانت موجودة: وهي عبارة عن وقفية الجامع.. وبها ذكر من بناه وعمره.. كما هو الحال في معظم العمائر العثمانية التي أنشئت بنفس الفترة التاريخية. ويدخل إلى الجامع فنجد فسحة سماوية هي صحن الجامع المفروش بالموزاييك الأبيض الجميل، فيه بركة مربعة الشكل كانت تتغذي بالمياه من نهر القنوات و تستخدم كميضأة، وقد تم تجديدها أيضاً في حقبة سابقة ووضع فيها نافورة تزيينية بعد أن استعيض عن مياه النهر بمياه من عين الفيجة. من ناحية أخرى: تم تركيب صنابير للمياه عند جدار الإيوان الشمالي للوضوء بدلاً من استخدام البحرة كميضأة، وكذلك يبدو في الجهة الشمالية إيوان صغير للمعتكفين يؤدي الى المصلى الصيفي. في الجهة الجنوبية يقع حرم بيت الصلاة وهو عبارة عن إيوان ضخم كبير فيه رواقان و مؤلف من خمس قناطر محمولة على ستة أعمدة حجرية جميلة، وفوقها خمس قباب، وتحت القبة الوسطى مدخل حرم بيت الصلاة والقبلية، وبها قبة واحدة عالية ضخمة وكبيرة الحجم قائمة على أربع قناطر، وقد تعذر تصويرها من صحن الجامع لأنها تقع في منتصف حرم بيت الصلاة. الرواق الخارجي للقبلية نفسه يستخدم أيام الصيف الشامية كمصلى صيفي خارج حرم بيت الصلاة، وله محراب خاص صغير في منتصف جدار رواق القبلية، ومبني من الحجارة المزية والخالي من العناصر التزيينية للمحراب. باب حرم بيت الصلاة جميل جداً، مصنوع من الخشب المحفور، وعلى ما يبدو لي أنه مجدد في فترة سابقة، يعلوه قوس من المدكك المزي ومحشور بين مداميك حجرية ضخمة هي من أصل بناء الجامع القديم. ومتوج بحشوات تزيينية فوق قوس الباب مباشرة وفيها مدكك جميل من الحجارة الأبلقية وقد نقش فيه "نجمة عشتار" السداسية الرؤوس، وهذه النجمة السداسية دائمة الاستخدام في الزخارف التي نراها دائماً في المساجد والمدارس والخانات وحتى في معظم البيوت العربية القديمة ومعظم منشآت دمشق، ونراها بشكل واضح في أجنحة وجداران التكية السليمانية ذات العنصر المعماري العثماني، كما هو الحال في هذا المسجد العثماني الطراز وليس لها أي مدلول عقائدي أو ديني كما يفكر البعض. بناء حرم بيت الصلاة والواقع في جنوبي الحرم الكلي من أهم العناصر المعمارية، ويتخذ الحرم شكلاً مربعا طول ضلعه ستة عشر متراً تتوزع فيه عدة قناطر رائعة التصميم، وتهيمن على الحرم قبة ضخمة كبيرة الحجم ذات قطر واسع محمولة على عنق ضخم مؤلف من عدة نوافذ عادية تستخدم للإنارة، ويحمل القبة أربعة أقواس أبلقية محمولة على أركان الجدران و مرتكزة على جدار الحرم الكلي .
ما يزال يحيط بجدار قبلية المسجد حجارة جميلة منقوشة على ارتفاع خمسة أمتار كما ذكر طلس تماماً عندما أحصى مساجد دمشق ضمن تحقيقه لثمار المقاصد تحت رقم 297 ، وبجانبي المحراب الحجري الجميل يوجد لوحتان كبيرتان من القاشاني البديع جداً قلما نجده في مساجد أخرى ما عدا جامع التوريزي وفيها نقش في وسط الأولى والقريبة من المنبر لفظ الجلاله "الله" و بجانب الثانية اسم سيدنا "محمد" صلى الله عليه و سلم. و كذلك فوق الجدران اليمينية واليسارية لوحات من القاشاني كتب في وسطها أسماء الصحابة رضوان الله عليهم "أبا بكر و عمر و عثمان وعلي و كذلك السادة الحسن و الحسين" وهي موزعة فوق الأبواب والشبابيك الشرقية والغربية وشكلها بديع جداً . محراب الجامع عادي جداً مبني من الحجارة المزية الرمانية اللون المدككة، ولا يوجد به ما يميزه من زخارف أو نقوس أو مقرنصات محرابية والجدير بالذكر وجود سدة خشبية بجانب الباب تقوم على أربعة أعمدة من الرخام الأبيض الجميل. تقع مئذنة جامع السياغوسية في الزاوية الجنوبية الشرقية من عمارة المسجد في النهاية الشرقية لجدار القبة وعند زاوية الشارع وهي مئذنة عالية شاهقة الإرتفاع ذات ستة عشر ضلعاً .
وقد ذكر الدكتور المرحوم قتيبة الشهابي في مآذن دمشق أن مئذنة الجامع فعلاً مرتفعة وقد بُنيت فوق قاعدة مربعة من الحجر، جذعها مؤلف من ستة عشر ضلعاً، مما يجعل هذا الجذع أقرب إلى الأسطوانة الصماء منه للجذع كثير الأضلاع.
خلافاً لما ورد في كتاب الآثار الإسلامية في مدينه دمشق تأليف كارل ولتسينجر وكارل واتسينجر، من كونه مؤلف من عشرة أضلاع فقط. والجذع خال من الأشرطة والنقوش أو الكتابات، وينتهي في أعلاه بمقرنصات غنية بديعة وفوقها موقف المؤذن حيث ترتكز الشرفة الخشبية البارزة المثمنة الأضلاع على محيط المقرنصات وتعلوها مظلة على غرارها، وفوق الجميع جوسق بطبقتين، السفلية منها اسطوانية كاملة الاستدارة.
أما العلوية فهي مثمنة، وينتهي رأس المئذنة بقلنسوة مخروطية مضلعة تغطيها ألواح التوتياء، ولو لم يكن جذعها عثماني كثير الأضلاع لتم تصنيف المئذنة ضمن
الطراز الشامي بتأثير عثماني. ولشدة إعجاب الدكتور الشهابي رحمه الله بهذه المئذنة فقد جعلها صورة غلاف كتابه الشهير الرائع مآذن دمشق تاريخ وطراز .
جرى توثيق الجامع بالنص والصورة والخارطة عام 2006 ضمن المباني الأثرية في مدينة دمشق تحت اسم المدرسة السياغوشية أـو مكتب السياغوشية برقم 1068 ـ "مجتمع وعمارة مدينة دمشق العثمانية بالقرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين للباحث شتيفان فيبر من جامعة برلين الحرة بألمانيا" ذكرت جميع المصادر التاريخية عن وجود سبيل ماء يتغذى من ماء القنوات "عند كارل ولتسينجر وبدران وطلس" تحت المئذنة مباشرة، ولكني لم أشاهد السبيل ولم أرى ماء ً؟ و ربما كان موجوداً في حقبة سابقة، غير أنه معطل اليوم...
المراجع:
- خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر / محمد أمين بن محمد المحبي.
- لطف السمر وقطف الثمر / نجم الدين محمد بن محمد الغزي الدمشقي.
- خطط دمشق دراسة تاريخية شاملة / د . أكرم حسن العلبي 1989.
- منادمة الأطلال و مسامرة الخيال / الشيخ عبد القادر بن بدران.
- ذيل ثمار المقاصد في ذكر المساجد / د. محمد أسعد طلس.
- مآذن دمشق تاريخ و طراز / د. قتيبة الشهابي.
- الآثار الإسلامية في مدينه دمشق / تأليف كارل ولتسينجر و كارل واتسينجر، تعريب عن الألمانية قاسم طوير، تعليق الدكتور عبد القادر الريحاوي.
- مجتمع و عمارة مدينة دمشق العثمانية بالقرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين للباحث شتيفان فيبر من جامعة برلين الحرة بألمانيا بحث لنيل درجة الدكتوراه.


تشغيل