مميز
التاريخ: 18/04/2013

أهمية المذاهب الفقهية في رعاية الوحدة الإسلامية

بحوث ودراسات
أهمية المذاهب الفقهية في رعاية الوحدة الإسلامية
الكاتب: الإمام الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
هذا البحث يتضمن بيان مدى أهمية المذاهب الفقهية في حماية الوحدة الإسلامية، وذلك على النقيض مما يتصوره بعض الناس.
كما يتضمن بيان الآفات الخطيرة التي لحقت المذاهب الفقهية في أزمنة لاحقة، فعاقتها عن مواصلة دورها الإيجابي في رعاية هذه الوحدة، وأهمَّ ما يجب على المسلمين فعله لإبعاد هذه الآفات عن حظيرة الاجتهاد الفقهي خصوصاً والإسلامي عموماً.
وتتسلسل نقاط هذا البحث طبق الترتيب التالي:
1. مقدمة في بيان أن الوحدة الإنسانية هي أهم الأهداف التي تعبَّد الله عبادَه بالإسلام من أجلها.
2. معنى المذاهب الفقهية.
3. عوامل نشأة المذاهب الفقهية.
4. تاريخ نشأة المذاهب الفقهية.
5. الاختلافات الفقهية كانت ولا تزال اختلافات تعاونية.
6. الآفات التي لحقت بالمذاهب وهي:
أ‌- تسليط قدر كبير من آثار المذاهب الاعتقادية والسياسية عليها.
ب‌- إخضاع ضوابط الرواية وفن الجرح والتعديل لتيار بعض المذاهب الاعتقادية والسياسية.
ث‌- تعصب كثير من أتباع المذاهب الفقهية لمذاهبهم.
7. كيف نعالج هذه الآفات؟.
الوحدة الإنسانية أهم الأهداف التي جاء الإسلام من أجلها:
لا نزاع في أن وحدة الأسرة الإنسانية، والقضاء على عوامل التشرذم والتفرق فيها من أهم الأهداف التي جاء الإسلام لتحقيقها، على صعيد الحياة الدنيوية هذه.
ولعل من أبرز ما يجسّد هذا الهدف ويؤكده، كلمة "الحبل" التي عبر بها القرآن عن الاسلام، ثمّ أمرٌه الناس جميعاً بالاعتصام بهذا الحبل الذي يمنعهم من التفرق بمقدار ما يمنعهم في الوقت ذاته من الضياع والهلاك، وذلك في قوله عز وجل:
(وَ اعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ)
والقرآن مليء بعد ذلك بالآيات التي تنهى عن التفرق والشقاق، وتوصي بالوحدة والاتفاق وتهيب بالناس، كل الناس، أن لا يكونوا كالجماعات والأقوام الذين خلوا من قبلهم، إذ أعرضوا عن السبيل العريض التي يوحدهم ويجمع شملهم، واستعاضوا عن السبيل العريض التي يوحدهم ويجمع شملهم، واستعاضوا عنها بسبل متعرجة شتى، تفرقوا في متاهاتها، حيث أسلمتهم بدورها إلى أودية الضياع.
ألم يقل: (..وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
أولم يقل أيضاً: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
ولكن ما هو المعنى المحدد للوحدة التي جاء الإسلام لتحقيقها ثم لحمايتها؟
إن من المهم جداً أن نطرح هذا السؤال، ولعل من أهم ما يحوجنا إلى طرحه، أن الناس كانوا، ولا يزالون، على الرغم من الحقيقة الإنسانية الواحدة الجامعة لهم، مختلفين في كثير من مشاربهم وعاداتهم، وأساليب تعاملهم مع الحياة ومرافقها، بل كانوا، ولا يزالون مختلفين في لغاتهم وألوانهم وانتماءاتهم العرقية والقومية.
من أجل هذا، كان لا بّد من أن نتبيّن الحجم المحدد المطلوب لهذه الوحدة التي جاء الإسلام لإقامتها، ثم لحمايتها وتغذيتها، بحيث تدرك أن الخطب فيما وراء هذا الحجم يسير، وإن الوحدة إذا تم نسيجها داخل حدود هذا الحجم، عاد الاختلاف فيما وراء ذلك صوراً من التعدد الهامشي لا ضرر فيها ولا خطر منها.
إن الوحدة المطلوبة هنا، هي وحدة الرؤية العقلية إلى الكون والإنسان والحياة، بحيث يصدر الناس جميعاً من عقيدة واحدة بحقيقة الإنسان والحياة التي يتمتع بها، وبالمكونات التي من حوله، وليس المعنّي بحبل الله في الآية السابق ذكرها إلا هذه العقيدة العقلية الشاملة، أما إضافة الحبل هو الله عز وجل، بل لا يملك أحد غير الله عز وجل الذي تفرد بخلق كل شيء، أن يعرفنا بها، ويبصرنا بهويتها.
ومن المعلوم أن الناس إن صدروا عن عقيدة واحدة في فهم هذه العناصر الثلاثة الجامعة لمعنى الكون، لا بد أن يتفقوا على أصول واحدة في التعامل مع الكون على أساسها، وهذه هي التي تشكل بدورها نسيج وحدتهم وتضامنهم.
ولا شك أن من هذه الأصول الأخوة الإنسانية، وعبودية الإنسان لله و وحدة المبدأ والمصير في حياة الانسان.
فإذا اجتمع شمل الأسرة الإنسانية تحت مظلة هذه الأصول، فمن حق أفرادها بل من مقتضيات الفطرة في حياتهم أن تتلوّن منهم الخبرات والعادات وأساليب الحياة تماماً كما تتفاوت منهم القدرات، وتتعدد الألوان، وتتنوع اللغات.
ولولا هذا التلون والتعدد لما وجدت فيهم عوامل التساند والتعاون التي هي بدورها الغذاء الذي لا بّد منه لتنمية واقع الوحدة والتآلف والتضامن.
ومن هنا ندرك أن كثيراً من مظاهر الاختلاف والتعددية في حياة المجتمع الانساني إن هو إلاّ روافد وعوامل أساسية لتعميق معنى الوحدة والتضامن بين أفراده.
ترى هل تعدّ المذاهب الفقهية التي نراها اليوم في المجتمعات الإسلامية، واحدة من هذه المظاهر التي تغذي في الحقيقة والمآل نسيج الوحدة الإسلامية، في حياة المسلمين؟
ولكي يأتي الجواب مدروساً ومدعوماً بالمنطق، يجب أن نعلم أولاً معنى المذاهب الفقهية، وعوامل نشأتها، ومن ثم تاريخ نشأة هذه المذاهب.
فهذه ثلاث نقاط يجب أن نمهد بها للإجابة عن هذا السؤال.
معنى المذاهب الفقهية:
المذاهب الفقهية، حصيلة اختلاف الفقهاء في مسائل اجتهادية غير قاطعة الثبوت أو الدلالة، في نطاق الأحكام السلوكية.
وهذا يعني أن في مصدري الكتاب والسنة، ما هو غير واضح الدلالة على المعنى المطلوب، بل يحمل في طيه أكثر من احتمال واحد. كما أن في السنة ما هو غير قطعي الثبوت، بل تطوف به احتمالات الصحة والحسن والضعف.
ثم إن هذا التعريف يوضح أن هذه الخلافات الفقهية التي هي مادة المذاهب الفقهية لا علاقة لها، من قريب أو بعيد، بالأصول الاعتقادية المتعلقة بحقيقة الكون والإنسان والحياة، أو بما يتفرع عن معرفة هذه الحقائق الثلاث، من سلسلة المعتقدات الإسلامية التي يتكون من مجموعها معنى الإيمان والإسلام.
نعم، إن لها علاقة بهذه الأصول الاعتقادية، ولكنها لا تزيد على أن تكون تحقيقاً لمناطاتها، واستظهاراً لكيفية تطبيقاتها.
وبيان ذلك أن اليقين بوجوب الخضوع للشريعة الإسلامية من أصول المعتقدات الدينية التي لا خلاف فيها. أما تحديد الشريعة وإبرازها من خلال نصوصها ومسائلها الجزئية، فهو الفقه الذي قد تتسرب إلى بعض مسائله عوامل الخلاف والاحتمال..
وعلى سبيل المثال: إن اليقين بوجوب تجنب البدع واحد من أصول المعتقدات الدينية التي لا خلاف فيها، أما تحديد الجزئيات التي ينطبق أو لا ينطبق عليها حدّ البدعة، فداخل في تحقيق المناط، ومن ثم ففيها ما قد يكون انطباق معنى البدعة عليه فيه شيء من الارتياب والاحتمال.
ولكن، لماذا كان في النصوص الفقهية في القرآن والسنة، ما قد يحمل أكثر من دلالة واحدة، ومن ثم كان فيه مجال واسع للاجتهاد والاختلاف.
الحكمة من ذلك أن يأتي مجموع الشرائع السلوكية ذا وجوه وطرق متعددة في استيعاب حاجات الناس ومصالحهم مهما تنوعت هذه الحاجات والمصالح، ومهما تطورت مع تطور الأزمان، وقد غدت هذه الحكمة واضحة جلية من كثرة ما تناولتها الدراسات والأبحاث المتنوعة.
عوامل نشأة المذاهب الفقهية:
يتضح مما ذكرناه في تعريف المذاهب الفقهية أن العامل الأساسي لها، وهو اختلاف الفقهاء، ينبغي أن يكون موجوداً في حياة المسلمين الفقهية منذ عصر النبوة، وهذا هو الواقع المعروف فعلاً، وإليك بيان ذلك:
لقد كان الوحي هو الحاجز الوحيد الذي يمنع تسرب الخلاف غلى الصحابة في استنباط الأحكام الفقهية من بعض النصوص القرآنية، أو الأحاديث النبوية، حتى إذا صادف أن مرت لهم ظروف أحوجتهم إلى معرفة حكم من الأحكام الشرعية التي لم يتضح وجه الدلالة عليها بيقين، وحيل بينهم وبين معرفته تلقياً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لجؤوا إلى إعمال النظر والاجتهاد في فهمه، حسب إمكاناتهم وقدراتهم العلمية، فربما اتفقوا وربما اختلفوا في الاجتهاد والفهم، والاختلاف هو الغالب.
وقد كان لا بدّ أن يعرضوا اجتهاداتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد انقشاع تلك الظروف عنهم، فلم نسمع ولم نعلم قط أن رسول الله عنّفهم أو عاتبهم على ذلك الاجتهاد والاختلاف، بل سكت سكوت المؤيد لسعيهم الذي بادروا إليه، بقطع النظر عن تأييده، أو عدم تأييده للنتائج التي انتهوا إليها.
ولعلنا جميعاً نذكر أن من أبرز الشواهد الواقعية على ما نقول، حيرة نفر من الصحابة في فهم المعنى المراد من قوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه، يوم بني قريظة: (ألا لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة)، إذ كانت الشمس أوشكت على المغيب، وهم لم يصلوا العصر بعد، والطريق بينهم وبين بني قريظة ما يزال بعيداً.
ترى أيطلب منهم رسول الله في هذه الحال أن يتركوا صلاة العصر ولو خرج وقتها حتى يصلوا إلى بني قريظة فيصلوها هناك كما أمرهم بذلك، أم المطلوب منهم أن يوجَدٌوا في بني قريظة خلال وقت العصر، بحيث إذا حيل بينهم وبين هذا المطلوب لم يكن من فرق عندئذ بين أن يصلوا العصر في أي الأماكن شاؤوا، ولا شك أن المطلوب عندئذ هو الرجوع إلى الأصل وأداء صلاة العصر في ميقاتها المشروع؟
إن المعنيين: كما نلاحظ، واردان ومحتملان، والمصير الوحيد الذي يملكه أولئك النفر الذين
تخلفوا في الطريق هو الاجتهاد في بلوغ المعنى المطلوب وتحقيقه.
وقد أوقعهم ذلك المصير، كما نعلم، في اختلاف فيما بينهم، فمنهم من ظهرت له دلائل المعنى الأول، ومنهم من تجلت له دلائل المعنى الثاني، ولم يكن من سبيل إلا أن يتحمل كل من الفريقين مسؤولية اجتهاده، وما سكنت إليه نفسه. حتى إذا وصلوا إلى رسول الله وأخبروه بشأنهم، سكت سكوت المؤيد للفريقين، أي للذين قاموا فصلوا العصر قضاء، وللذين عاجلوا فوات الوقت فصلوها في طريقهم إليه.
وعندما رأى أحد الصحابة، وقد وصل متأخراً إلى المسجد، أن النبي صلى الله عليه وسلم يوشك أن يركع، أسرع يركض في المسجد حتى لحق رسول الله في الركوع، اجتهاداً منه بأن ذلك هو الخير. ولنا فرغ رسول الله من الصلاة، وعلم بشأنه، نظر إليه قائلاً: (زادك الله حرصاً ولا تعد).
فقد أعجب النبي صلى الله عليه وسلم باجتهاده، وشكر له حرصه على أن لا تفوته الركعة مع رسول الله، غير أنه لفت نظره إلى ما هو المفضل في علم الله وهديه، وهو التمهل والمشي الهوينى في المسجد. ولو لا وجود رسول الله والوحي الذي كان مؤيَّداً به، لامتّد من اجتهاد ذلك الصحابي مذهب مشروع في اختيار ما هو الأفضل في مثل هذه الحال.
إذن فالعامل الأساسي في نشأة المذاهب، هو اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية المستنبطة من الأدلة المحتملة. وقد رأى رسول الله هذا ولا يعارض تأييده له أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينبه الصحابي المجتهد إلى الرأي الصواب أو الأصوب، كقوله لذلك الصحابي: (زادك الله حرصاً ولا تعداً). وكقوله لعمار وقد أجنب في سرية فلم يجد ماء، فتمعك بالتراب، (إنما كان يكفيك أن تضرب بيدك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بها وجهك وكفيك).
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بموقفه ذاك، بين تدريبه أصحابه على الاجتهاد في فهم ما غمض من الأحكام كلما اقتضت الحاجة، وتحويلهم إلى الحكم الصحيح - باعتباره نبياً
مؤيداً بالوحي - كلما تنكب أحدهم في اجتهاده عنه.
هذا، ولم نشأ في هذا البحث المكثف أن نأتي على ذكر جزئيات العوامل المتعلقة بنشأة المذاهب، مكتفين بينبوع هذه العوامل ومصدرها، ألا وهو الاحتمال القائم في الأدلة الفقهية الباعث بدوره على اختلاف الفقهاء، ولا شك أن لهذا الاحتمال أسبابه الجزئية، غير أنها مطوية في هذا العامل الرئيسي، ولا غرض لنا في تفصيل القول عنها في هذا الصدد.
تاريخ نشأة المذاهب الفقهية:
يعود تاريخ نشأة المذاهب الفقهية إلى عصر الصحابة، وهو العصر الذي يلي وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة.
فقد كان فقهاء الصحابة، على الرغم من اتفاقهم في معرفة أكثر الأحكام الفقهية، يختلفون في فهم بعض يسير منها. فكانت الآراء التي يختص بها أحدهم تشكل مذهبه الفقهي الذي ينفرد به عن الآخرين. ولا شك أنه لا مدخل لقلّة الآراء. أو لكثرنها في تكوين المذهب الفقهي إذ إن حجم المذهب، اتساعاً وضيقاً، يكون تابعاً لحجم المسائل التي يتكون منها.
فحتى لو لم يكن للفقيه أكثر من رأي اجتهادي واحد في مسألة فقهية واحدة، فإن انفراده برأيه الخاص في تلك المسألة يجعل له في ذلك، بكل جدارة، مذهباً.
ومن هنا فقد كان لعبد الله بن عباس مذهب خاص به في جملة من المسائل الفقهية، وكان لعبد الله بن عمر مذهبه الخاص، أيضاً في جملة أخرى من المسائل، وكان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه مذهبه الخاص به في مثل ذلك... وهكذا.
ويعود السبب في عدم بروز مذهب كل من هؤلاء الصحابة، وعدم ارتباطه باسمه خلال التاريخ، كما هو الشأن في مذاهب الأئمة الأربعة، إلى أنّ أياً من مذاهب الصحابة لم يتح له أن يٌجمَعَ، وأن يدوَّن وينسب إلى صاحبه خلال القرون كما قد أتيح لمذاهب الأئمة الأربعة .هذا
بالإضافة إلى أن الأنشطة العلمية لأولئك الصحابة إنما تجلت في اجتهادات جزئية متناثرة، دون أن ينظمها منهج كلي، إذ لم تكن قد ظهرت الحاجة بعد إلى الاعتماد في الاجتهاد على موازين ومناهج تعصم عن الخطأ، أما تطور المذاهب الفقهية، فالبحث في ذلك يطول، ولسنا هنا بصدد تفصيل القول في ذلك. غير أن أهم ما يجدر لفت النظر إليه، أن من أهم العوامل التي أدت إلى تطوير المذاهب الفقهية، تفرقٌ الصحابة، في خلافة عثمان وما بعدها في الأمصار المختلفة، وهو الأمر الذي طبع تلامذتهم من التابعين بطابع المكان الذي استوطنوا وأقاموا فيه.
وقد كانت مدرسة الرأي في العراق، ومدرسة الحديث في الحجاز، أول، بل أخطر مظهر من مظاهر هذا التطور الذي جاء نتيجة لهذا العامل الكبير.
غير أن نتائج إيجابية أخرى تلت هذه النتيجة السلبية، بل كانت ثمرة طيبة لها. من أبرزها هنا ظهور منهج يلتقي عليه الأطراف جميعاً للسير على أساسه في ضبط عملية الاجتهاد الفقهي، وهو النهج الذي يتمثل في قواعد تفسير النصوص أو ما كان يسمى بعلم أصول الفقه.
من أهم هذه النتائج الايجابية أيضاً تلاقي مدرستي الرأي والحديث على طريقة عادلة مثلى منعت من الوقوع، الذي كان وشيكاً، في كلا طرفي الإفراط والتفريط.
ومن النتائج الإيجابية الهامة أيضاً ظهور علم مصطلح الحديث، وعلم الجرح والتعديل، والاهتمام بضبط الرواية وحمايتها من الزيف والدس.
ومن هذه النتائج كثرة الرحلات العلمية في سبيل الفقه والحديث، وكثرة الحوار والنقاش في المسائل الفقهية، الأمر الذي ضيق من حجم الخلافات الفقهية وجذب كثيراً من الآراء المتخالفة إلى ساحة الاتفاق.
ففي ظل هذه النتائج ظهرت المذاهب الأربعة، ومذاهب كثيرة أخرى لم تكتب لها الشهرة التي
كتبت لتلك.
الاختلافات الفقهية كانت ولا تزال اختلافات تعاونية:
الآن، وقد تم بيان وجيز للنقاط الثلاث التي رأينا أن نمهد بها للإجابة عن السؤال الذي تطارحناه، نقول:
إننا لا نرتاب على ضوء ما قد ذكرناه الآن، في أن نشأة المذاهب الفقهية وتطورها وانتهاءها إلى التي هي عليها الآن، كل ذلك كان خير حماية للوحدة الإسلامية من التصدع والشقاق.
وقد يبدو غريباً في أذهان بعض الناس أن تكون اختلافات المسلمين في فهم الشريعة الإسلامية تعميقاً لعوامل وحدتهم وحماية لها من عادية التفرق والشقاق.
غير أن هذا الاغتراب صحيح عندما يكون مآل لاختلاف أن ينسب كل فريق صاحبه إلى انحراف في الفهم والسلوك، أو إلى الوقوع في خطيئة لا تغتفر.
غير أن الذي تبيّن لنا من معنى المذاهب الفقهية وعوامل نشأتها، أن الخلافات الفقهية التي تشكل العمود الفقري في تلك المذاهب، كانت خلافات تعاونية مبررة، لا خصومات أو شقاقات فكرية مجرّمة.
ومعنى هذا أن نسيج الوحدة الاسلامية إنما تلاقت سداه ولحمته من هذه الخلافات التعاونية. إذ لولا الساحة التشريعية العريضة التي تكونت من مجموع الاجتهادات الفقهية المتعددة، لما أتيح للمساحات الإسلامية الشاسعة والمتنوعة، أن تتلاقى وتتلاحم تحت مظلة شرعة واحدة. ومن ثم لما أتيح لها أن تخضع، على اتساعها، لنظام دولة واحدة.
وإن نظرة واحدة متدبرة إلى التفاعل الذي كان قائماً، في صدر الإسلام، وأيام الخلافة الراشدة وما بعدها، بين أنشطة المذاهب الفقهية من جانب، ومظاهر وحدة الدولة الإسلامية من جانب آخر، ليبرز ويؤكد الحقيقة التي نقولها. وما سمعنا في التاريخ قط أن خلافات المذاهب الفقهية
كانت وبالاً على الوحدة الإسلامية في أيّ من عصورها الذهبية، وما ينبغي، ونحن نؤكد هذه الحقيقة، أن ننسى دور الفكرية، واعتماد الفقهاء على قواعد تفسير النصوص التي تم تدوينها في أواخر القرن الثاني، في تحصين هذه المذاهب ضد عادية الشرود، وعوامل الانزلاق في المتاهات التي من شأنها أن تنتزع ثقة الأئمة والعلماء بعضهم ببعض، وأن تحيل اختلافاتهم التعاونية إلى اتهامات وشقاق.
ولا داعي إلى أن نعيد إلى الذاكرة ثناء أئمة المذاهب الأربعة بعضهم على بعض، وصلة الود والتقدير المتبادلين بين الإمام الشافعي والإمام أحمد، وإعجاب كل منهما بالآخر، وثناء الإمام الشافعي على أبي حنيفة وتلميذه محمد وأبي يوسف، وقول الشافعي عن الإمام مالك: "مالك معلمي وعنه أخذنا العلم".
للاطلاع على بقية البحث اضغط على الملف

تحميل



تشغيل