مميز
الكاتب: ثلة من محبي الشهيد
التاريخ: 15/04/2013

مقالات وإضاءات حول العلامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي

مقالات
خاتمة الأستاذ البوطي.. والأدب مع الله تعالى
الكاتب: محمد الغريب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لم نزل نسمع من العلماء في دروسهم وخطبهم ومجالسهم، الحديثَ عن خاتمة الإنسان، وكيف يلقى الله تعالى، وكنّا نسمع منهم التأكيد على أنّ الخاتمة نتيجة وخلاصة صادقة لأيام عمرالإنسان وحياته التي أمضاها.. من أجل ذلك كان أوّل ما يخطر ببال المسلم - الذي يدرك ما معنى حسن الخاتمة وسوء الخاتمة - إذا سمع بموت إنسان، أن يسأل: على أيّ حال مات، وبأي هيئة لقي ربّه؟.
من أجل هذا توقّعت حين بلغني نبأ استشهاد الأستاذ البوطي، أن ينتهي اللّجاج بشأن موقفه، وأن يُقطع شكّ مَن في قلبه شكّ، بهذا اليقين الذي أظهره الله تعالى لمَن يعتبر من عباده.
ولكنّني فوجئتأنّ كثيراً من الناس - بما فيهم كثير من السادة العلماء - لم يشغلوا أنفسهم بهذا السؤال، بل تشاغلوا عنهبالحديث عن القاتل، وأصدروا أحكامهم الجازمة منذ اللّحظة الأولى بتحديد الجهة التي قتلت.
ثمّ كان منهم الشامت، ومنهم من لم يطاوعه لسانه على أن ينطق بكلمة رحمه الله في حقّ مسلم عالم أمضى عمره كلّه - إلى اللحظة التي استقبل فيها الموت - في خدمة هذا الدّين، ولم يستطع أحدٌ أن يدّعي أنّه جعل من الدين مطيّة لدنياه في يوم من الأيام.. وكان منهم كذلك مَن كذب على الشيخ، بل ربّما كان يقصد أن يكذب للشيخ، فادّعى أنّ الشيخ كان قد غيّر موقفه بخصوص ما يجري في سورية..وعلى كل حال هو كذب، سواء كان كذباً عليه أو كذباً له
كان جديراً بكلّ مسلم أن يتعامل مع هذا الحدث بالمنطق الإيماني، لابمنطق الفضائيات والسياسة.. وكان قميناً بكلّ مسلم – فضلاً عن العلماء – أن يقف مليّاً عند الخاتمة التي اختارتها حكمة الله تعالى الباهرة لهذا الرّجل.
لقداتّهموه بأنه باع دينه، بل كنّا نسمع ونرى مَن جعل من نفسه لسان الغيب، ليفتري على الله الكذب، فكان يتّهم الرجل بالنفاق، ويجزم بأنّه سيلقى سوء الخاتمة إذا بقي على موقفه.
لقد بقي الرّجل ثابتاً على موقفه إلى اللّحظة التي لقي الله تعالى فيها، فما الذي كان، وكيف اختار الله تعالى له أن يلقاه؟.
أقول لك يا أخي المسلم: دعك من منطق الفضائيات، ودعك من الذين تورّطوا في أوحال السياسة وأدرانها، وعش مع قوله تعالى:(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَاكَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)، دعك ممّن قتل، وتأمّل في حكمة المدبّر المقدّر، وشاهد تعامله مع من صدق معه من عباده، وقف مليّاً عند قوله تعالى:(وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ).
لقد كان الأستاذ البوطي رحمه الله يخرج من بيته إلى صلاة الفجر كلّ يوم، حتى في اليوم الذي قبض فيه.. وكان يخرج إلى الجامعة، وإلى غير ذلك من الأماكن.. وما كان أيسر أن يُقتل في الطريق برصاصة واحدة أو رصاصتين.. إن السيارة العتيقة التي كان يركبها لم تكن مصفّحة.. لماذا لم يقدّر الله تعالى له أن يقتل بمفرده،في شارع من شوارع دمشق، أو في بعض أزقّتها؟!.
لقد شاء الله تعالى أن يلقى عبده ليلة الجمعة، وهو معتكف في بيت من بيوت الله، يتميّز بما يموج به من النشاط العلمي، وبما يرتاده من جموع طلبة العلم الصادقين.. وكان الرّجل قد أدّى صلاة المغرب ثم جلس ينتظر صلاة العشاء،وقد صحّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال:(ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟. قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط).
نعم كان في رباط.. ولكن أيّ رباط.. لقد كان في اللّحظة التي أتاه فيها الأجل، عاكفاً على تعليم الناس الخير، فكان يفسّر كلام الله تعالى، وليس غيره.. أجل، اختار الله تعالى أن يقبضه وهو يفسّر كلامه، ولو كان عاكفاً على تدريس غيره، ربّما جاء أفّاك أثيم ليرفع عقيرته،ويقول بلهجته التكفيرية الجاهلية العمياء: إنّه كان يدرّس من كتب المبتدعة وأهل الشّرك والضلال!.. ولكن شاء الله تعالى أن يخرس هؤلاء، ويريح الناس من نعيقهم.
ورسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول في الحديث الصحيح عند الإمام مسلم وغيره:(ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده).
وحين أصيب الأستاذ البوطي كان آخر ما سمعه الناس من كلامه قولَه:"يا الله" فاختار الله تعالى أن يكون آخر ما يجريه على لسان عبده لفظ الجلالة.. وكان آخر ما رأى الناس من فعله الإرادي، أنّه خرّ ساجداً لله تعالى.. وهي أحب وضعية إلى الله تعالى، وأقرب ما يكون العبد من ربّه وهو على تلك الحال، كما ثبت في صحيح مسلم وفي غيره:(أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد).
ثم قد اختار الله تعالى أن يأخذ هذا الرّجل في موكب مهيب ضمّ حوالي خمسين من طلبة العلم الصادقين.. وكأنّ الله تعالى يقول للشهيد السعيد: ما ينبغي أن تأتينا بمفردك، وأن نخصّك وحدك بكرمنا، بل سنرفع معك العشرات من تلامذتك الصادقين الأطهار، الذين بقوا على العهد، وما زاغت بهم الأهواء، ولا هزّتهم العواصف، سنرفعهم معك ليزفّوك إلينا –وأنت عروسهم- وليسعدوا برفقتك إلى جلوتك في حضرة القدس:
وإذا سخّر الإله أناساً
لسعيد فإنّهم سعداء
أجل، سنفعل ذلك تكريماً لك ولتلامذتك.. وقبل ذلك سنفعله تكريماً لمَن هم في استقبالك، ممّن تحبّهم ويحبّونك، وممّن كنت في شوق إلى لقائهم، وهم في شوق إلى لقائك، وعلى رأسهم فخر الكائنات حبيبنا المصطفى عليه الصلاة والسلام، الذي تمسّكت بهديه، وقدّمت حياتك في سبيل أن يرضى عنك، وأن تلقاه غير مبدّل لما جاء به.
وتكريماًللصدّيق الأكبر أبي بكر رضي الله عنه، رمز الثبات في هذه الأمّة المحمّدية، الذي ثبت يوم الرّدّة وثبت يوم وفاة محمد عليه الصلاة والسلام، فأشبهته في ثباتك، حين اضطرب الناس.
وتكريما لشهيد المحراب عمر، ولشهيد الدار عثمان الذي سال دمه الزكي على المصحف الشريف كما سال عليه دمك الزّكي، وشهيد الحق عليّ رضي الله عنهم وأرضاهم، هؤلاء الذين أحببتهم وأحبّوك، فأشبهت أوّلهم بموتتك في المحراب، والثاني باستشهادك وأنت عاكف على تلاوة كتاب الله تعالى ومدارسته، والثالث، باستشهادك على أيدي المارقين المجرمين.
وتكريماً لحجّة الإسلام الغزالي رضي الله عنه، الذي كان منطقك أشبه شيء بمنطقه في الذّود عن دين الله بالحجّة والبرهان، والجمع بين العقل والوجدان.
وتكريماً للشيخ عبد القادر الكيلاني وابن عطاء الله السّكندري، وبقية الورّاث المحمّدييّن رضي الله عنهم، الذين كانت تربطك بهم صِلة روحانية خاصّة.
وتكريماً للسعيد الأولبديع الزمان النورسي رضي الله عنه، الذي كنت تعدّ نفسك واحداً من تلاميذه، وتحرص على اتّباع منهجه، لتكون أنت عندنا السعيد الثاني الشهيد إن شاء الله.
هذه معان وضعها الله تعالى لنا على طرف الثمام لنجنيها - من غير كُلفة - من قصّة خاتمة الأستاذ البوطي الشهيد السعيد رحمه الله تعالى ورضي عنه، وهي معان يفهمها المؤمن بفطرته، مهما كان زاده من العلم قليلاً.
ومع هذا فقدشاء الله تعالى أن يظهر شرف عبده وفضلَه وعظيم قدره عنده، لكلّ من ينتمي إلى الجنس الإنساني، حتى أولئك الذين لا يتعاملون مع المنطق الإيماني ولا يفهمونه.
لقد اختار الله تعالى لكأيها الشهيد السعيد جوار ذلك الأسد، الذي خشعت الدنيا لزئيره، وذلّت الرّوم لهيبته.. ذلك الجوار الذي كان على موعدٍ معك، فبقي شاغراً ينتظرك منذ تسعة قرون تقريباً، لتسعد تلك التربة بك وتنتشي إذ تضمّك بحنان، كما تضمّ الأمّ الرّؤوم ولدها الحبيب بعد طول غياب، وليسعد ذلك الأسد بجوارك المبارك، فهنيئاً لك وهنيئاً له.
أيّها الشّهيد السعيد: لقد علّمتنا كيف يكون ثبات المسلم على الحقّ الذي آمن به، وكيف يستهين العالم الصادق بالدنيا كلّها في جنب مرضاة الله تعالى، وقد أبى الله عزّ وجل إلا أن يجعل من استشهادك درساً لكلّ مسلم، ليتعلّم منه أيّ خاتمة يسأل اللَه تعالى أن يكرمه بها، إذا هو سأل الله حسن الخاتمة.
نسأل الله تعالى أن يكرمنا بخاتمة مثل الخاتمة التي أكرمك بها.. وهل هناك وليٌّ لله تعالى أوصَديق لا يغبطك على تلك الخاتمة؟!.
فيا أخي المسلم، ويا أيها العالم الذي أكرمه الله تعالى فجعل من عقله وصدره وعاء للعلم الشريف، ألا ينبغي أن نتأدّب مع الله تعالى، وأن نكفّ عن ظنّ السّوء، وتحريك ألسنتنا بقالة السّوء في حقّ من أظهر الله تعالى لكلّ ذي لبٍّ، جانبَ الاستكبار، ولم يتنكّر للإنصاف - دلائل صدقه مع جنابه.
ويا أيّها الإنسان، الذي عرف معنى البطولة والشهامة والغيرة، حذارِ حذارِ من أن تسيئ إلى صلاح الدين في جواره.
اللهمّ ارزقنا حسن الأدب معك ومع أوليائك ومع عبادك المؤمنين بك.
الإثنين20 جمادى الأولى، الموافق 01 نيسان، 2013
العلامة محمّد سعيد رمضان البوطي في رحاب الخالدين
الكاتب:السيد منير بازهير
إن من رجال العلم من إذا غابوا لم يفتقدوا لخلودهم في نفوس العقلاء بجهودهم العلمية العميقة التي أبانوا بها الحقيقة.. وردوا بها عن دين الإسلام الفرية والشبهة..
صحيحأن بقائهم بين عشاق الفضيلة والقيم النبيلة، بغية شريفة،ومطلب سامي، حتى أنه لو جاز افتداؤهم بآلاف منا لكان الأمر لدينا محبوباً، لأنا ندرك تعدي نفعهم، وواسع علمهم،كما ندرك تصاغرنا عن سامي مقامهم، وعلي فضلهم.
ولكنا مع جميع ذلك لا نسخط ما قضاه الله وقدره، بل نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون،والله نسال أن يخلف هذا الإمام في الأمة وفي أهله وتلاميذه بالخلف الصالح،وكثر الله في أمة الإسلام الدعاة المخلصين من أمثاله،وأعلى في فراديس الجنان نزله ومقامه.
ولكون العلامة محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى من عشاق بيوت الله تعالى وروادها، وفقه الله تعالى أن يستشهد في محراب من محاريبها.
ولكونه من عشاق البلاغ لدعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لم يقض نحبه،ولم يلفظ آخر أنفاسه، إلا وهو على منبر البلاغ عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ولكونه من أهل استدامة التعرض لنفحات الله تعالى، لم يمت إلا في وقت شريف، هو وقت مابين المغرب العشاء، في ليلة شريفة، هي ليلة الجمعة.
ولكونه ممن يعشقون الشهادة،وهي مرتبة علية، لا ينال وسامها المجيد بصدق ووضوح إلا الأبطال الأمجاد، توجه الله بتاجها،وجعله من أسعد الناس بنوالها، بعد أن ساقها الله إليه وهو في محراب العبودية لله والخدمة لشرعه..وهكذا يجمع الله تعالى الخيرات المتعددة للخيرين من خلقه..والصالحين من عباده..
أما أرباب الاندفاع وراء سراب الأوهام،أو من طمس الهوى بصائرهم،ممن لم يعذر الشيخ في اجتهاده، كفاهم في الرد عليهم، افتئاتهم على نصوص الشرع الصريحة الواضحة،التي يستند عليها هذا الإمام في موقفه الأخير، من عدم خوضه في أذكاء نار الفتنة بين أبناء الملة الواحدة، ومنها: أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلزوم الجماعة وإمامهم، والسمع والطاعة للأمير، وإن ضرب الظهر وأخذ المال،وقد بوب الإمام النووي لأحاديث صحيحة وردت في صحيح مسلم، تدل على هذا دلالة قاطعة، فقال: "باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، وفي كل حال، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة"فراجعه .
والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى، ما عهدناه في قراراته العلمية جباناً في قول الحق، ولكن عهدناه شجاعاً مقداماً في البوح بالحق إذا استبانت له أدلته وخلت عن الشبهة والمعارض..أما غيره ممن ينكر عليه، فقد سارت بتناقضاتهم الركبان، وتحدث بتلاعباتهم بنصوص الشرع صغار الولدان..
فرحم الله البوطي، فقد عاش داعية شجاعاً، ومات بطلاً شهيداً، وعلماً يحتذى به في الثبات على المبادئ الشرعية، والقواعد الدينية المرعية،حتى أتاه اليقين..
ورحمه الله حيث قال:وصفوة القول أن هناك حرباً معلنةً تسعى سعيها اللاهث إلى أن تحيل ألوهية الله ورحمانيته إلى شيطان غوي ماكر، وأن تسمو بالشيطان وكيده إلى مستوى الربوببية الحاكمة دون الله عز وجل وهيهات..
على أن هذه الحرب المعلنة، ما كان لها بكل هذا الذي تحاوله وتسعى إليه أن تجعل من الحقائق البدهية قضايا مشكلة، لولا سماسرة لقادة هذه الحرب منتشرون ومنتثرون في شتى مناكب عالمنا الإسلامي، دأبهم تلقي الأوامر لتنفيذها، وترقب الشعارات لترديدها.
وصدق من قال: لم يكن لقطعة الفأس أن تنال شيئا من جذع الشجرة، لولا أن غصنا منها تبرع أن يكون مقبضا للفأس..
وإذا كان في مجتمعاتنا الإسلامية من يتبرعون أن يكونوا سماسرة أذلاء لقادة هذه الحرب المعلنة على الإسلام، فإن في مجتمعاتنا هذه بحمد الله تعالى من ينهضون ليكونوا سماسرة التبصير بالحق لينالوا شرف الدعوة إليه، وليعودوا بالشاردين والتائهين إلى ساحة العبودية الضارعة لله تعالى، وإلى واحة الالتزام بدينه وهديه.
لا لقوة ذاتية لديهم تسمو على قوة خصومهم ولكن لأن الله اصطفاهم جنوداً على طريق تنفيذ قراره الحتمي القائل: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) هذا وبالله التوفيق .
فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر
الكاتب: مخلص حميد الدين
كنت منذ خمسة أشهر قد كتبت مقالاً عنوانه وما بدلوا تبديلا بينت فيه أن موقف علامتنا الشهيد لم يكن وحياً قد ألقي إليه ولا استلهاماً من بنات أفكاره وإنما كان منهجاً سار عليه هو وكثير من أولياء الله والعلماء قبله وقد رسم هذا المنهج من خلال دراسته لسيرة سيد البشر سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم وقد كان موقف سيدنا الشهيد مصداقاً لقول الله تعالى (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا) وقد كان سيدي حين كتبته "ممن ينتظر" أما اليوم وقد "قضى نحبه" ويشهد الله أنه ما بدل ولا غير فقد كان شهيدنا مثالاً في الثبات والرسوخ ولا يرضى من الأعمال إلا أحبها إلى الله متبعاً بذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أحب الأعمالإلى الله أدومها وإن قلّ)فكانت الديمومة المنهج الذي سار عليه في كل حياته.
ومثالاً على ذلك مما أعلم:
أولاً: استمر في إعطاء دروس العلم يومي الاثنين والخميس بين المغرب والعشاء في مساجد دمشق طيلة أربعين عاماً ونيف _ وقد سمعت من أحد الشيوخ الذين تتلمذوا على يد العلامة الشهيد في جامعة دمشق ثم خرج لينال درجة الماجستير في جامعة خارج سوريا، فلما علم عميد هذه الكلية أن هذا الطالب يستطيع التواصل مع شيخنا العلامة: قال له سلم على الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي وقل له أن جامعتنا تتشرف أن تكون من أعضاء الهيئة التدريسية فيها والسكن مؤمن والمركب مؤمن والأسرة مؤمنة والمبلغ الذي تضعه يكون راتباً شهرياً، فما كان من هذا الطالب إلا أن ذهب إلى الشيخ في أحد دروس الاثنين والخميس في جامع السنجقدار ونقل للشيخ ما قاله عميد هذه الجامعة فرد عليه الشيخ قائلاً: أبلغ سلامي لهذا الدكتور وقل له إن محمد سعيد رمضان البوطي ليستحيي أن يقف أمام الله فيسأله عن خمسة آلاف طالب ضيعهم من أجل عرض من الدنيا زائل، وأشار بيده إلى الطلاب الحاضرين في الدرس وكانوا قرابة خمسة آلاف _ فهكذا كان تمسكه باستمرار هذا الدرس واستشهد في مسجد الإيمان في أحد هذه الدروس التي لم تتوقف رغم ما مر على هذه البلدة من نوائب.
ثانياً: لا ينام بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس، وقد علمت من أحد أفراد أسرته المقربين أنه لا يعرف عنه أنه نام ليلة عن التهجد (قيامه قبل الفجر بساعة أو أكثر) مهما كان متعباً.
ثالثاً: يقرأ ما لا يقل عن جزء من القرآن يومياً _ مع العلم أنه كان في شبابه شديد التعلق بكتاب الله ومكثراً لقرائته _ وفي أواخر حياته وصل إلى خمسة أجزاء يومياً.
رابعاً: لم يترك قراءة سورة يس كل يوم صباحاً منذ أن أوصاه بها والده.
خامساً: استمر في برنامجه التلفزيوني والذي يعرض على التلفزيون السوري الرسمي مساء كل أربعاء من كل أسبوع أكثر من عشرين عاماً ونيف. وهو البرنامج المعروف والمشهور باسم (دراسات قرآنية).
سادساً: زيارة قبر والده في مقبرة باب الصغير كل يوم جمعة بعد صلاة الفجر، واستمر في هذه الزيارة حتى فترة قريبة من استشهاده.
سابعاً: درس تفسير قصير بعد صلاة الجمعة استمر قرابة ثلاثين عاماً، بلغ عددها ما يقارب الألف درس. وتوقف هذا الدرس مع انتقاله خطيباً من مسجده (مسجد ملا رمضان البوطي إلى الجامع الأموي).
هكذا كانت حياة علامتنا الشهيد ملكاً للدعوة إلى الله قضاها كلها متعلماً ثم معلماً داعياً إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة:
إما على طاولة التأليف التي أبقت لنا ما يقارب أربعين كتاباً، لخدمة دين الله والدفاع عن الإسلام والذود عنه وإظهار جوهره ومكنونه العظيم أمام عين الجاحد والجاهل والمستشرق والحاقد والمتعلم.
أو على المنابر والمحاريب وكراسي التعليم، ويشهد له الحال التي لقي بها الله عز وجل وهو على كرسي العلم الذي نذر نفسه له، وهي الحال التي سيقوم بها على رؤوس الأشهاد بإذن الله تعالى هو والخمسون من طلبة العلم الذين نالوا شرف صحبته، وذلك مصداقاً لقول حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم:(يحشر كل عبد على ما مات عليه).
لا يكاد يغيب عن خيالي ذلك المشهد الذي سنقفهيوماً ما بين يدي رب الأرباب حيث سيحشر كل واحد من بني البشر على الحال التي قبض الله فيها روحه.
فمن عاصٍ لله يبعث على صورته وهو يعصيه، ومن آخر ساه معرض عن دعوة الله تعالى. ومن مقبل على الله تعالى بعبادة من العبادات. لكن شيخنا يظهر للأنام بصحبة خمسين من طلابه ممن أبوا أن ينقطعوا عن دروس التفسير رغم الظروف التي أحاطت بنا. ومنهم إخوان لي وأحباب يحشرون متحلّقين حول شيخهم.
لقد رحلوا، وتوقف الدرس الذي لم يبق سواه في الشام مدينة العلم والعلماء.. لأن هناك شقياً من الجهلاء، قد أقنعه بعض من دعاة أبواب جهنم بلسان حالهم، ومنهم من نجده في بعض القنوات: أنك إذا أوقفت درس تفسير كتاب الله الذي لم يبقى سواه في الشام فسوف يكرمك الله بكرم ما بعده كرم وستكون حوريات الجنة بانتظارك!!
بالله عليكم أليس من علّم هذا الشقي أشد إجراماً منه؟!
ولم يبقى لنا الآن سوى أن ندعو الله أن يكرمنا بما أكرم به علامتنا وطلابه وأن يفرج عن بلدنا ما نزل بها وأن يرحمنا رحمة واسعة وأن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.
اللهم إنا نسألك الإخلاص في كل ما نقول وما نعمل.
والحمد لله رب العالمين.

تحميل



تشغيل