مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 05/03/2013

الفتن .. وكيفية النجاة منها

مقالات
الفتن .. وكيفية النجاة منها
[خطبة للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي بتاريخ 4/ 8/ 2008]
ها نحن نرى كيف أن نيران الفتن تنقدح اليوم في جنبات الأرض، وها نحن نرى هذه الفتن كيف تطوف بنا من قريب أو بعيد، حتى إن هذه الفتن أصبحت الرصيد الأوحد للأخبار الإذاعية التي تتلقاها الآذان أو تتلقاها الأبصار، التي ما تفتأ تتحدث عن الإنسانية المهيضة المكلومة في جنبات الأرض؟!
حقيقة ينبغي أولاً أن نتبينها ثم ينبغي أن نعلم أن هذه الفتن لا تأتي مصادفة ولا تسوقها رياح العشوائية وإنما هي نتيجة خطط يرسمها العدو المشترك بين يدي استلاب الحقوق والقضاء على الأوطان واستلاب الثروات المتنوعة على اختلافها والقضاء على بقايا الحضارة الإنسانية المثلى التي تتملكها أمتنا.
إن هذا العدو المشترك ينفخ في نيران هذه الفتنة بعد أن نفخ فيها طويلاً في بغداد وفي فلسطين وفي أماكن أخرى.
وإذا تَبَيَّنَ لنا هذا المعنى فإن بوسعنا أن ندرك أن الأمة تملك السلاح تحصن به نفسها وتغلق باب الفتنة، وتحيل بين هذا العدو المشترك والوصول إلى ما يبتغيه من تحويل علاقات الود بين الإخوة إلى بغضاء، من تحويل علاقات التعاون إلى تدابر وشقاق. ما الدواء؟
هو هذا الذي قاله عليه الصلاة والسلام فيما يرويه علي كرم الله وجهه: "النجاة منها - أي من الفتن - كتاب الله فيه خبر من قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم، من أعرض عنه من جبار قصمه الله ومن اهتدى به هداه الله سبحانه وتعالى".
ولكن هذا العلاج الذي نبهنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كتاب الله لا تتمثل الاستجابة له في الإكثار من طبعاته ولا في الإكثار من الهدايا التي نتوجه بها إلى الناس إذ ندعوهم إلى العقود أو الأعراس، لا تتمثل في أن نصغي إليه وهو يُتلى في الإذاعات المرئية أو المسموعة أو أن نسمعه عرضاً في أمسية تعزية ونحو ذلك، وإنما يقصد المصطفى صلى الله عليه وسلم أن نتلوه فنتدبره فننفذ وصاياه.
لقد ألَّفَ الإسلام بين قبيلتين طالما كانتا متحاربتين هما الأوس والخزرج، تحولتا إلى مثال للود والتعاون والوحدة، ولكن اليهود ضاقوا ذرعاً بهذا فأقبل رجل اسمه شاس بن قيس يحاول أن يؤلب الأوس على الخزرج والخزرج على الأوس في أمور وطريقة من الخبث كانت ولا تزال هي رأس مال هذه الفئة إلى أن تقوم الساعة، فنسي لدقائق هؤلاء الإخوة الذي وحدهم الإسلام هذه النعمة واهتاجت لدقائق معدودة عوامل البغضاء فيما بينهم، ولكن كتاب الله عز وجل سرعان ما ذَوَّبَ هذا الشعور فيهم وأعادهم إلى هذه النعمة فأقبلوا يتعانقون وأقبل الواحد منهم يعتذر لأخيه ونزل قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ). [آل عمران: 100-101] إلى أن قال: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا) [آل عمران: 103]
ما أشبه الليلة بالبارحة، ما الفرق بين ذلك الرعيل الأول وبيننا نحن المسلمين في هذا العصر، الوسائل التي كانت تستعمل بالأمس للإيقاع ولإثارة براكين الفتنة هي ذاتها التي تستثار اليوم، فلماذا استطاع أولئك أن يتساموا فوقها ولماذا عجزنا نحن عن ذلك؟ سلوا أنفسكم هذا السؤال تعلمون الجواب.
إن الذي ينجي هذه الأمة من الفتن ومن ثم ينجيها من الدمار والهلاك إنما هو الرجوع إلى وصايا كتاب الله عز وجل، يقول لنا كتاب الله عز وجل إن هنالك ثلاث دوائر كل دائرة تقي من فيها من الفتن أياً كانت:
- الدائرة الأولى: دائرة الأمة الإسلامية.على المسلمين مهما اختلفت مذاهبهم، وتعددت فرقهم أن يجتمعوا تحت مظلة الإسلام وأن يذيبوا فوارق ما بينهم فتبتعد عنهم الفتنة.
- الدائرة التي تليها: (وهي أوسع من الأولى) دائرة الأديان المتعددة التي تلتقي عند جذع من الدين الواحد:فعلى الذين فرقتهم الأديان السماوية المتعددة، ولكنها تنتمي إلى جذع واحد، أن يجعلوا من هذا الجذع الجامع وقاية لهم ضد كل فرقة وفتنة. لئن تعدد الدين في حياتهم وفي سلوكاتهم فليذكروا أن الجذع والمصدر واحد. فهذه هي الدائرة الثانية.
- الدائرة الثالثة: هي الدائرة الإنسانية: فإن كان في الأمة من لا ينتمي إلى إسلام ولا إلى دين ولا شيءٍ آخر وهو يعيش بين ظهراني هذه الأمة فليعلم أنه ينتمي إلى دائرة واسعة جداً هي الإنسانية التي قدس الله سبحانه وتعالى حقوقها أيما تقديس ونبهنا بيان الله عز وجل إلى ضرورة رعايتها عندما عبَّر عنها بالأسرة الإنسانية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء: 1] الأرحام أي الرحم الإنساني.
أرأيتم إلى كتاب الله عز وجل كيف يكون هو العاصم لنا من الفتن كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. من رأى العبرة في غيره فليعتبر، ها أنتم ترون كيف أن عدونا المشترك يسعى سعيه اللاهث إلى إيقاظ نيران الفتنة بل إلى تفجير براكين الفتنة على مقربة منا، بين الأشقاء، بين فئات اختلفت مذاهبهم، لكنهم ينتمون إلى جذعٍ واحدٍ من العبودية لله عز وجل ومن الالتفاف على دين الله سبحانه وتعالى. إن هذا العدو يسعى سعيه اللاهث للقضاء على بقايا حضارتنا وعلى بقايا الثروات التي لم تطلها بعد يد هذا العدو المشترك فعودوا إلى كتاب الله، أقولها لكل الفئات: عوداً إلى كتاب الله تمسكوا به، عودوا إليه تدبروه، نفذوا وصاياه.