مميز
التاريخ:

جامع الورد برسباي قديماً 784ه

مساجد الشام
جامع الورد برسباي قديماً
الباحثة نبيلة القوصي
"هذي دمشق أيها الأخ السائح، قد لاحت لك أرباضها، ودنت رياضها، أفما تراها وأنت قادم عليها من نحو القبلة، مع الصباح الأغر كيف نامت من غوطتها على فراش من السندس صنعته يد الله.
وقد توسدت ركبتي قاسيون فكان رأسها في الصالحية، وقدمها في القدم، وقلبها في الأموي بيت الله الأطهر.
فإذا أردت أن تعرفها وتصل إليها، فاخرج من نزلة أمية، وخذ إلى يمينك، إلى جادة القنادق، حتى تبلغ سوق صاروجا الذي كان حي الباشاوات من الأتراك والمجددين، فصار الآن حي التجار المحافظين، وزر في طريقك جامع الورد ثم أمشي إلى العقيبة، وعرج على منازل علماء الأمس، فقد كانت هذه المنازل مدارس، وكانت جامعات، وكانت منائر هدى للناس، وكانت هي دعائم نهضتها ثم ادخل الجامع الأموي، وامكث فيه وسائله الماضي واستنطقه، وطر بروحك في سمائه، واسمُ بها إلى عليائه، ثم عد إلي أحدثك إن شاء الله حديثه، وإن حديثه لطويل"
كلمات للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله
من كتاب دمشق صور من جمالها وعبر من نضالها
إخوتي:
بعد أن قرأنا تلك السطور الرائعة في وصف جميل لمدينة دمشق العريقة، وبما تحمل من تراكم حضاري كبير.
أدعوكم كي نعبر معاً بوابة التاريخ الإسلامي، ونقف أمام جامع الورد الكبير، الكائن في وسط حي قديم ومشهور، يدعى حي ساروجة، أو بحي سوق ساروجة.
لقد ذكرت المصادر أن حي ساروجة، من أوائل الأحياء القديمة في دمشق، والتي بنيت خارج سورها القديم إلى شمالها الغربي، كحي الصالحية، العقيبة، البحصة، الميدان ...
وقبل الحديث أو زيارة جامع الورد الكبير، لا بد من لمحة عن حي سوق ساروجة، هذا الحي بدت ملامحها في الظهور بعهد المماليك، ودام حكمهم لسوريا عدة قرون 658ه، 1259م إلى 922ه، 1516م.
تقول المصادر إن الحركة العمرانية قد شهدت ازدهار ونشاط كبير في عهدهم، خاصة في الفترة الأولى من حكمهم والتي سبقت كارثة تيمورلنك 1-14م.
فقد عُرفت الدولة المملوكية في دمشق من خلال سلاطين عظام نعمت البلاد في أيامهم بالقوة والأمن والاستقرار.
من هؤلاء السلاطين الأمير تنكز أو سيف تنكز في القرن الرابع عشر ميلادي، وكان لهذا الأمير قائد اسمه: صارم الدين ساروجة والمتوفى عام 743ه، 1342م.
إليه ينسب هذا الحي ، حي سوق ساروجة.
في عصر المماليك كان التنافس فيما بينهم في المجال العمراني، فانتشرت وازداد عدد المباني العمرانية، من مدارس ومساجد وقصور..، كان قد وضعت البذور الأولى لهذه النهضة العمرانية
على يد نور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي رحمهما الله.
وحي سوق ساروجة شهد نوع من أنواع التنافس العمراني، وعندما تتجول في هذا الحي العريق تجده يضم عدة حارات.
وحي الورد هو من ضمن تلك الحارات التي تشكل سوق ساروجة، وفي وسط هذا الحي: جامع الورد الكبير والذي كان يُعرف باسم برسباي الناصري، والذي كان من المماليك، يعمل كنائب لمدينة طرابلس وحلب.
وتقول المصادر أن هذا الأمير برسباي كان في عهد الأمير تنكز، قد بنى هذا الجامع فوق أنقاض جامع صغير مملوكي يعود تاريخه، 784ه، 382م.
دفن هذا الأمير في تربة فيه، في عام 850ه بعد وصية له.
والآن معاً إلى جامع الورد الكبير.
لماذا سمي بجامع الورد؟
الجامع موجود في وسط حي الورد، وهناك حمام الورد، ذلك لوجود "حكر الورد" ذو الرائحة الجميلة التي كانت تسقى من عين صافية فياضة عذبه باردة، "عين الكرش" الموجودة في سوق ساروجة، تبعد هذه العين عن الجامع شمالاً حوالي 200م.
هذه العين هي عبارة عن بحرات متتابعة تغمر المنطقة بأكملها، قبل انتشار العمران وتزايد السكان، حيث كانت تُعرف هذه المنطقة كملاذ صيفي لأهل دمشق، حيث يقضون الأوقات بجانب هذه العين والتي هي عبارة عن بحرات صغيرة.
وكلنا يعرف الوردة الدمشقية المشهورة برائحتها الذكية، ولونها البديع، وقد عرفت الوردة الدمشقية منذ أقدم العصور وكانت تزرع في كل بيوت دمشق لأنها تمتاز بجمالها ورائحتها الزكية وفوائدها الطبية والاقتصادية وهي تزهر مرتان في السنة، ولقد ذكر البدري في كتابه من محاسن الشام، وهو يتحدث عن الوردة الدمشقية قائلاً: "ونقلت من (الفردوس) للامام الحافظ أبي شجاع شيرويه مسنده، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق الورد من بهائه، وجعل له ريح أنبيائه، فمن أراد أن ينظر إلى بهاء الله، فلينظر إلى الورد الأحمر ويشمه، فيشم رائحة أنبيائه). رحمه الله".
إخواني:
إذا نظرنا إلى الجامع نجده كنموذج بسيط بالنسبة للمساجد المملوكية، ولم يبقى من ذلك العصر المملوكي إلا مئذنته المربعة.
هذا وإن ما يميز العمارة المملوكية الأمور التالية:
من حيث الهندسة والتخطيط، أكثرها تعتبر صغيرة الحجم، باستثناء مسجد يلبغا وتنكز.
ومعظم المساجد المملوكية الصحن السماوي قد أُلغي أو غٌطي بسقف .
من حيث العناصر المعمارية، أبوابها مفتوحة على إيوان مرتفع، ويسود في بنائها التناوب بين الأبيض والأسود وأحياناً الأصفر، من الحجر جيد النحت.
وظهرت الشبابيك على الشارع، كواجهات للمسجد في القسم السفلي منه، وكطاقات صغيرة في القسم العلوي للمسجد.
والشبابيك مستطيلة، أما الطاقات دائرية الشكل.
أما الأقواس في قناطر الأروقة وفي الأبواب، فهي من النوع الشائع في العمارة الاسلامية.
الزخارف: هو أكثر ما يميز العمائر المملوكية عن الأيوبية والزنكية، التي مثلت الطابع
البسيط ولكن القوي والمتين.
وجامع الورد الكبير: الناظر إلى مئذنته، يجدها تطل على الشارع، مربعة الشكل، فن الحجارة النحتية.
يخترق جدران المئذنة نوافذ ذات طاسات ثلاثية الفصوص، وللمئذنة شرفة بارزة مصنوعة من الخشب، مطلية بالكلسة البيضاء وعليها زخارف حمراء قوامها.
وإذا دخلنا من باب المسجد نجد صحن مفروش بالحجارة السوداء والبيضاء، فيه بركة ماء مستطيلة فوقها شمسية خشبية.
يحيط بالصحن من الجهات الثلاثة أروقة:
الرواق الشمالي، خمس قناطر حجرية.
الرواقان الشرقي والغربي، ثلاث قناطر.
وفي القبلة محراب حجري حسن الصنع، وسقفها من الخشب والحور المتقن.
هذا المسجد الجميل، الشامخ بمئذنته المربعة الشكل، والتي يظن الناظر إليها أنها تعود للأيوبي، فقد اشتهروا بالمآذن المربعة، والعصر المملوكي بالمآذن المثمنة.
أقول: هذا المسجد تجده أيها السائح المسلم، يجمع بين الطريق المؤدي من بوابة طريق الصالحية وحتى المدرسة الشامية البرانية لست الشام، والموجودة بحي سوق ساروجة.
هذا الحي كان للباشاوات من الأتراك والمجددين، فصار حي للتجار والمحافظين.
ولذلك نجد أن معظم قاطني هذا الحي، يحملون كنية تركية ، ليسوا أتراك، إنما لأنهم يقطنون في هذا الحي الذي كان يُعرف بحي الباشاوات، استنانبول الصغرى.
وهذا المسجد بُنب على غرار المساجد المملوكية بالشام، من المداميك الأبلقية السوداء والبيضاء، ويقع في مساحة كبيرة من حارة الورد.
وكذلك مدخل الجامع من الأبلق والمدكك، وعلى يمين باب الجامع، يقع سبيل ماء للجامع، فريد النموذج بطراز بنائه، عليه زخارف جميلة، بناؤه أبلق التركيب في تناوب للحجارة بين الأبيض والأسود، ويتألف من ثلاث فتحات على شكل أقواس، وعلى القوس الأوسط منقوش كتابة أبيات من الشعر مؤرخه 1258ه.
فاز من أنشأ سبيلا للنجاة أضحى وسيلا
من إله العرش حقاً قد منح خيراً جزيلاً
أرختها حتى هدى عيناً تنتي سلسبيلاً
هذا التاريخ للسلسبيل يعود للفترة العثمانية، بينما هذا الجامع للعهد المملوكي، ارتفاعه 3م وعرضه 5م بعمق 50سم.
فائدة: لا يزال هذا الجامع جامع الورد الكبير منذ بنائه تُقام فيه الشعائر الدينية، وقد كان يقوم على خدمته علماء من آل عابدين من سلالة صاحب الحاشية، الحاجب الكبير. وهو من مالكي أراضي حارة الورد. ولا ننسى الشيخ الطبيب أبو اليسر عابدين رحمه الله كان إمام وخطيب هذا الجامع من سلالة صاحب الحاشية، رحمه الله و رضي عنه وجعلنا جميعاً خير خلف لخير سلف اللهم آمين.
وبعد يا إخوتي:
لقد انتهت جولتنا في جامع الورد الكبير.
ويحضرني سؤال لكم، ما هي الفائدة التي خرجتم بها من هذه الجولة؟
نرجو أن تفيدونا.
و لا يغيب عن بالنا قول الله تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بنى لله مسجداً بنى الله له كهيئته في الجنة).
بهذه المعاني الرفيعة السامية، رجاء الأجر والثواب، أقيمت بيوت الله عزوجل على أرض دمشق فكانت مهبط الملائكة ورحمة الله على العباد، فهذه البيوت هي ملتقى العباد المؤمنين.
هذه دمشق يا إخوتي، حفظها الله ومدن الإسلام جميعاً، وأختم هذا البحث بكلمات للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله فلتستمع:
"هذي دمشق كانت لب العربية، وبقيت لب العربية، وستطلع على العصور القوادم وهي للعربية لب وقلب وفؤاد، لها لين الماء الذي يضحك به بردى، وشدة الصخر الذي يشمخ به قاسيون، وصراحة السهل الذي تزدهي به المزة، وكرم الأرض التي تعطي في الغوطة أكلها أربع مرات في العام. لها لين بردى، ولكن بردى إذا ضيّق بالسدود، علا وفاض واجتاح البلاد والعباد، و دمر كل شيء يقف في طريقه، ويقطعه عن مراده، فقل للغافلين:لا يغركم من بردى لينه و ابتسامه، فإنه سرعان ما يعبس ويثور فاتقوا غضبه الحليم".
الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله
المصادر والمراجع:
دمشق / للريحاوي
العمارة الإسلامية / للريحاوي
محاسن الشام / للبدري
دمشق / الطنطاوي
الدارس في تاريخ المدارس / للنعيمي


تشغيل