مميز
التاريخ:

مكــتب عنبـــــر 1867م

معالم الشام

مكتب عنبر 1867م
الباحثة نبيلة القوصي
"لقد عاش مكتب عنبر من أواخر القرن الذي مضى، إلى أوائل الحرب الثانية، وهو يضم جمهرة المتعلمين في هذا البلد، كان هو الثانوية الرسمية المفردة في دمشق، فكان يمر عليه كل شاب في دمشق".
للأستاذ ظافر القاسمي
"لقد كان عهد مكتب عنبر، جنتي التي خرجت منها ثم لم أعد إليها، فرجعتني إليها يا أخي ظافر بكتابك، أطير من فوق أسوارها العالية، وأبوابها الموصدة، بجناحين من ذكرى وخيال، حتى أدخلها مرة ثانية، فأعيش فيها، في حلم ممتع فتان".
الشيخ علي الطنطاوي / دمشق
رحمهما الله
هل قمتم بزيارته أو تجولتم في أرجائه ؟
لابد أن نتعرف عليه "مكتب عنبر"، وما هي حكايته الجميلة، التي كان يحيا بين جدرانه شباب بأسماء لامعة، جمعهم المكان الجميل والقصص الأجمل، في منافسات بعلمية، ونشاطات رياضية، وتاريخ واحد .. بقلب واحد ينبض على وتر واحد .. ما أجمل أيامك يا مكتب عنبر.
لقد بكى الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله، وهو يقرأ كتاب للأستاذ ظافر القاسمي، عن مكتب عنبر فقال:
وهل أرجو أن يعود لي أمسي الذي مضى
وآمل أن يرجع شبابي الذي ولى
وليست عشيات الحمى برواجع
عليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
رحمه الله تعالى، وهيا معاً نتجول ونتعرف على حكايته، وقبل التجول فلنقرأ الفاتحة الشريفة إلى أرواح الشيخ علي والأستاذ ظافر، وندعو لهما أن يجزيهما الله خيراً، فقد حركوا في قلوبنا معاني سامية وراقية، ولنبدأ ..
مكتب عنبر يقع شرقي الجامع الأموي، وهو في الأصل منزل وبيت من بيوت دمشق القديمة شيده صاحبه على الطراز الدمشقي الشهير، وهو مستطيل الشكل بمساحة خمسة آلاف متر مربع، قُسم إلى أربعة أقسام، كل قسم له باحة خاصة به "الديار"، والتي تحيط به الغرف بلغ عددها40 غرفة على طابقين. كيف الوصول إليه؟؟
فمن باب الجابية إلى الباب الشرقي، حيث يطلق على هذا الشارع بسوق مدحت باشا، نسبة إلى واليها، وقد كان يسمى المستقيم، وإلى غرب هذا السوق تجد الأزمة الضيقية والمعوجة والكثيرة، اتجه نحو طريق سوق الحرير ثم سوق الخياطين، ثم هناك سوق ثالث يوصلنا إلى المسكية فسوق الحميدية، وإلى الشرق من سوق القباقبية طريق فرعي يؤدي إلى العمارة، يقابله طريق يؤدي إلى مكتب عنبر.
تاريخ بناء مكـــتب عنبــــــر:
كان هذا البناء ملك لأحد أثرياء اليهود واسمه (يوسف عنبر) شيده وبناه في عام 1867م، وأنفق على بنائه 43 ألف ليرة، ولكن لم يتمكن من إتمامه لأسباب مادية، فوقع مكتب عنبر في مُلك الدولة العثمانية لدين لها على يوسف عنبر.
ومنذ تلك اللحظة أخذ مكتب عنبر يمر بمراحل وعهود تاريخية، نقوم بتقديم خلاصة لهذه العهود متسلسلة كالتالي:
1- مكتب عنبر في العهد العثماني:
من يقف أمام الباب الخارجي للمبنى يرى لوحة خارجية حفر عليها:
"مكتب إعدادية ملكية" ويعلوها الطفراء - الطرة - السلطانية للتفريق بين الملكية، والمدارس العسكرية.
المدارس الملكية خاصة بالمدنيين، بينما العسكرية هي التي تؤهل طلابها للالتحاق بالجيش العسكري.
ومكتب عنبر لم يطلق عليه هذا الاسم أبداً، ولكن غلبت عليه هذه التسمية، لأنها سبقت التسمية الرسمية فعرف بمكتب عنبر.
ويقول العالم المؤرخ محمد كرد علي في "خطط الشام": "مكتب عنبر من أهم مدارس الحكومة، وصفوفها تنتهي إلى صف التاسع فقط، وأكثر طلابها عربا من أبناء دمشق، ثم أكملت صفوفها حتى الصف الحادي عشر فأصبح ثانوية كاملة، وسمي عندها: (تسلطان مكتب) أي المدرسة السلطانية، ولكن اللوحة على الواجهة لم تبدل، وبعد فترة أصبحت الصف الثاني عشر الثانوي هو أعلى الصفوف".
2- مكتب عنبر في العهد التركي:
بعد تسلم زعماء الاتحاد والترقي الحكم في استانبول، بدأت سياسة التتريك، وغدت اللغة التركية هي الرسمية، وجُعل جهاز الإدارة والتدريس أجمعه أتراك.
وقال الأستاذ فخري البارودي في مذكراته: كان مكتب عنبر المدرسة الإعدادية الوحيدة في دمشق، يتراوح عدد طلابها مابين الخمسمائة والستمائة، الطلاب النهاريون يتعلمون مجاناً، بينما الليليون أو الداخليون يدفعون أجرة الطعام والنوم، وكان يُدرس الآتي:
القرآن الكريم، العلوم الدينية، الفقه، اللغة العربية، ترجمة اللغة التركية، الفارسية، علم الاقتصاد، علم الجغرافية والفلك، وجغرافية الدولة العثمانية، تاريخ الدولة العثمانية، الحساب الجبر، الزراعة، الرسم، حسن الخط، الكيمياء والفيزياء والميكانيك، علم طبقات الأرض، النباتات الحيوانات.
ويقول البارودي: "إن من تخرج منها أمثال: شكري القوتلي، سعيد الغزي، سعيد حيدر، فوزي الغزي ومظهر رسلان ووصفي رسلان والدكتور صلاح قنبار وأسعد خورشيد وفؤاد الساطي ونسيب البكري وغيرهم".
3- مكتب عنبر في عهد الملك فيصل:
بعد الحرب الأولى، في زمن الملك فيصل بن الشريف حسن، واستلامه الحكم والسلطة، وبدأت المؤسسات بالتعريب والعودة إلى اللغة العربية لتكون الرسمية للبلاد، وكان مكتب عنبر من أول المؤسسات المعربة، فدرس فيها نخبة مختارة من علماء البلد، أمثال: حسن يحيى الصبان، أبو الخير القواس، شكري الشربجي، كامل نصري، محمد البزم، رشيد البقدونس، مسلم عناية، جودة الهاشمي، محمد الداودي، سليم الجندي، وغيرهم ..
وأُطلق على المكتب اسم "مدرسة التجهيز ودار المعلمين" بدل من سلطاني مكتبي.
4- مكتب عنبر في عهد الانتداب الفرنسي:
منذ أن وقعت الفاجعة في وطء أقدام غورو لمدينة دمشق، مروراً بمعركة ميسلون، ثم نكوص الحلفاء عن وعودهم بالاستقلال، لم يعقد طلاب مكتب عنبر أي هدنة مع المستعمر الفرنسي إلى أن رحل عن الوطن، فقد كانوا يشنون الحروب عليهم في مقاومة مستمرة لهذا العدو الغاصب إلى أن رحل.
وكان أول مدير عربي بعد الحرب العالمية الأولى هو الضابط المتقاعد شريف رمو ثم مصطفى تمر، فجودة الهاشمي، .. وغيرهم.
فكان مكتب عنبر "مدرسة التجهيز ودار للمعلمين" للعلم، وموئل للوطنية، ومصدر الحركات الشعبية منها انطلقت شرارة المشاركة في الثورة السورية الكبرى 1925 م.
5- مكتب عنبر في عهد الاستقلال وما بعده:
اتخذ المكتب لعدة سنوات فيما بعد، مقراً لمعهد التجهيز والفنون النسوية، فقررت الحكومة الاستجابة لطلب وزارة الثقافة بجعل البناء مقراً لقصر الثقافة العربية، فقامت الوزارة بالتعاون مع المحافظة بإجراء بعض الإصلاحات أعادت للبناء رونقه وبهاءه، حيث تم إلغاء المطبخ ومطعم الطلاب الليلي، وحولت القاعة الكبيرة قاعة دروس الكيمياء والفيزياء إلى قاعة محاضرات، وجعل مدخلها من الباحة الأولى.
ثم إقامة تعريشة خشبية ضخمة في الباحة الأولى، لتحمل الأشجار الكثيرة من الكرم وأشجار الزينة، وإعادة ترميم الحمام وفتحه للزوار، فصل الدار التي ألحقت بالمكتب - كانت معدة لصفوف السوابع والثوامن ودار المعلمين وصالة للرسم وملعب للرياضة - وتسليمها لجمعيات خيرية وثقافية، عام 1980 م.
وكان للمحافظة دور كبير لبعث الحياة في مكتب عنبر بإقامة أنشطة وفعاليات تصل الماضي العريق بالحاضر المتألق.
وباختصار فقد كان مكتب عنبر صرح حضاري هام، ومركز تعليمي رائد كان له أثر كبير في النهضة العلمية والثقافية في عهود مظلمة شهدتها البلاد.
6- أما مكتب عنبر في القرن الحالي:
في عام 2012م، افتتحت محافظة دمشق، في مكتب عنبر مركز لخدمة المواطن، وذلك ضمن خطتها لإعادة هندسة وتبسيط الإجراءات الإدارية في المديريات التابعة لها، بشكل يحقق الخدمات اللازمة للمواطن بسرعة كبيرة ويتضمن عمل المركز: معاملات ترخيص، الخدمات والشكاوى إضافة إلى الخدمات الخارجية التي يقدمها مركز خدمة المواطن بمحافظة دمشق، فتشمل المعاملات غير المحكوم، إخراج القيد والترخيص الإداري، والسجل التجاري، ويختص المركز بتقديم المعاملات الواقعة ضمن المدينة القديمة داخل السور وخارجه والشرائح والمباني الأثرية.
ويقوم المركز في إنجاز المعاملات على أحدث الأساليب الدولية، بشكل يخفف المدة الزمنية.
أما عن هيكلة بناء المركز فقد أصبحت كالتالي:
قاعة استقبال، نظام الدور ومكتبية استشاري ومكاتب أمامية عددها سبعة، منها مكتب الدعم والمساندة والأرشيف والديون والذاتية، ومكتبات لخدمة الزبائن.
وهكذا نأتي على ختام المراحل أو العهود التي مر بها مكتب عنبر منذ القرن التاسع عشر ميلادي القرن الحالي، فكان ملخص سيرته الذاتية كالآتي:
بناؤه كان لبداية ومنتصف القرن التاسع عشر ميلادي، واسمه مشتق من اسم بانيه أحد الأثرياء اليهود "يوسف عنبر"، ثم مصادرته للدولة العثمانية سداداً لدين لها عليه - على يوسف عنبر- وقامت باستثمار عام 1205 - 1877م باسم "مكتب إعدادي" ثم حولته إلى "مكتب سلطاني"، والمكتب معناه بالاصطلاح العثماني مكان الكتابة، بدلاً من مصطلح المدرسة.
ثم في عام 1921 تحول "المكتب السلطاني" إلى مدرسة ثانوية باسم "التجهيز" وفي الأربعينات أصبح مكتب عنبر مدرسة للفنون النسوية.
وفي عام 1974 أُخلي ورمم وأصبح مكتب عنبر قصر للثقافة العربية 1981م.
وفي هذا القرن الحالي أخذ يرتدي حلة جديدة، فأصبح مركزاً لخدمة المواطن السريعة، المعاملات والإجراءات الإدارية السريعة، بإشراف محافظة دمشق.
وفي ختام الكلام عن هذا المعلمُ الأثري التاريخي، مكتب عنبر أو مدرسة عنبر الإعدادية أو الثانوية، التي شكلت مع الأيام بأنفاس وأرواح من تعلم بين جدرانها، نواة لمجمع علمي كبير ثقافي وطني العقيدة والسلوك.
وقبل الختام يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله) ومن هذا المنطلق يتوجب علينا أن نقدم أسمى آيات الشكر والعرفان للقائمين على رعاية هذا الصرح الشامخ العريق لما قدموه لموقع نسيم الشام من صور قيمة مفيدة من تراثهم الثري .. والشكر موصول لكل من كان سبباً في ذلك في محافظة دمشق وغيرها.
ونختم هذه النبذة عن مكتب عنبر بتذكر كلمات شيخنا الجليل الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله عن مكتب عنبر وما رافق ذلك من أشجان ولواعج داهمت روح شيخنا رحمه الله.
وهذه كلماته، ننهي فيها جولتنا السريعة لهذا المكان:
"أين أنت يا عهود الصبا، ويا مرتع الأحلام؟ تعالي أنظري ماذا صنعت الأيام بتلك الأحلام.
ولقد زادني شجناً على شجن، لقد انتزعت قلبي من صدري، فعادت به إلى بيوت دمشق.
على ذلك الفن الشامي الأصيل، الذي قفز من فوق البحر، فوصل الشاطئ الغربي في اسبانيا، بالشاطئ الشرقي في الشام، وحمل عبقرية العمران، إلى بلاد المغرب والأسبان، فامتلأ بسحرها كل مكان، وبقيت فيه إلى الآن".
رحمك الله يا شيخ علي، على هذه المعاني السامية، والعبارات الزاهية، ونحن في هذه اللحظات وبهذه الوقفات، نرجو الله عز وجل أن يجعلنا ك وللصالحين من أمثالك قرة عيناً، في يوم لا ينفع فيها مال ولا بنون، إلا من أتى بقلب سليم مشحون بمعاني العز والفخر برباط القدسية لله عز وجل عقيدة، وبرباط السلوك البشري لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، على هذه الأرض وفاءً.
اللهم آمين آمين .. يارب العالمين.
المراجع:
دمشق / الشيخ علي الطنطاوي
مكتب عنبر / الأستاذ ظافر القاسمي
خطط دمشق / الأستاذ محمد كرد علي
مذكرات الأستاذ فخري البارودي


تشغيل