مميز
التاريخ:

المدرسة العمرية 577 هـ

معالم الشام
المدرسة العمرية
577هـ -1162م
الباحثة نبيلة القوصي
«..أما المدرسة العمرية، فلا بد أن أقف عليها فإنها تستحق الوقوف، فقد كانت تسمى المدرسة الشيخة أي الجامعة، وكانت جامعة معاً، وكان فيها أقسام مستقلة (كليات) للمذاهب الأربعة، يتولاها جلة علمائها وهذا من أعجب ما رأيت من عبقرية هذه الأسرة وسبقها لزمانها، قسم للمكفوفين، وقسم للأطفال، وكان لشيخها رتبة عالية تعدل برتبة مدير الجامعة في هذه الأيام، وكان هذا كله في العصر الذي نسميه عصر الظلام».
الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله
دمشق صور من جمالها
فأين تقع المدرسة العمرية؟ والتي تميزت بحقيقة حضارية شامخة في عصر سمي بعصر الظلام.. فكيف عصر الظلام، وهذه المدرسة الفريدة من نوعها في بنائها وتخصصاتها كيف كان لها هذه الشهرة والصيت العلمي الذائع..؟؟ لابد من لمحة عن أوضاع البلاد في تلك الفترة، حيث كان العالم الإسلامي يعاني من انقسامات سياسية، واضطرابات وتهديدات خارجية، مع نهاية القرن الخامس الهجري وبداية القرن السادس الهجري، ومع بداية الزحف الفرنجي على البلاد وسيطرته على توطيد صفوف المسلمين وإعداد العدة للفرنج، وبدأ بنشر عدالته السمحة التي تميز بها حكمه في البلاد، فأخذ الازدهار العلمي في نشاط بتشجيع من الملك العادل نور الدين، وشهدت دمشق في فترة حكمه في البلاد، فأخذ الازدهار العلمي في نشاط بتشجيع من الملك العادل نور الدين، وشهدت دمشق في فترة حكمه نشاط فكري وعلمي وديني ذاع صيته في البلاد، فسمي عصره بالعصر الذهبي، ومن ضمن فعاليات هذا النشــاط كان لهذه الأســرة الجليلة أســرة بنو قدامة دور بارز في هــذه النهضــة العلمية، على الرغم أن العالم الغربي كان يسمى بعصر الظلام في تلك الفترة. وهذا الدليل كبير على أهمية لفكر الإنساني المسلم، فالحضارة تتألف من ثلاثة عناصر: الإنسان + الكون + الحياة. وبنموذج المدرسة العمرية التي فاقت شهرتها بين البلاد، لتبرز لنا أن هذا الإنسان هو أغلى وأهم عنصر في تكوين الحضارة الإنسانية لما يحمله عقله من أفكار وبما يحتضن فؤاده من عواطف ومشاعر الخير للعباد. ألا وأرجو من الله عز وجل أن يصحو المسلمون من سباتهم وينهضوا ليواصلوا المسير في بناء حضارة مميزة بفكر وعقل ثاقب وقلب وروحٍ لاهب، لعمري إن أسرة وعائلة بنو قدامـــــة رضي الله عنهم قد ساهموا وسطروا صفحات مشرقة بحبر يشع ويضيء معلناً أن لا حب إلا لله ورسوله، ولا عزة إلا بهما. «المدرسة العمرية» هي ثمرة من ثمرات هذا الحب، فجاءت مميزة المعاني والتخصص، ولذلك سميت بالشيخة والشيخية..
تقع المدرسة العمرية:خارج أسوار مدينة دمشق القديمة، في سفح قاسيون، بناها الشيخ أبو عمر ملاصقة للدير الذي بنوه ثم عُرف فيما بعد باسم مسجد الحنابلة. وحالياً هذه المدرسة هي عبارة عن آثار تحتاج إلى من يُجلي معالمها الثقافية، وهي في وسط سوق الجمعة، الذي طغت شهرته التجارية على المنطقة واليوم تفصل حارة ضيقة المدرسة العمرية عن مكان الدير القديم. أما عن تاريخ بنائها: فهو في 577ھ فقد قام الشيخ الكبير أحمد بن قدامة مؤسس الصالحية بوضع أساسياتها ثم أكمل ولده الشيخ أبو عمر بناء المدرسة وقام بتخصيص أوقافها.
وهناك قديم يُظهر تاريخ بناء هذه المدرسة، حيث يقول الحافظ الضياء عن خاله الموفق بن قدامة قائلاً: «كان أبي قد تخلى عن أمور الدنيا وهمومها، فكان المرجع في مصالح الأهل إليه..وبنى المدرسة والمصنع بعلو همته».
بعد الموقع وتاريخ البناء نتوجه الآن لنتعرف على مخطط المدرسة العمرية والتي كانت كالتالي:
المدرسة مؤلفة من طابقين، العلوي للخلاوي من الفقراء. أما الميضأة بناها جهة القبلة وتحت الخلاوي، أي في الطابق الأسفل، وضمت المدرسة حرماً و أبواب مطلة على الشرق والغرب، وباباً كبيراً من جهة الغرب، وفيها مقصورة كبيرة لقراءة القرآن ليلاً، وبنيت في المدرسة خزائن جدارية لوضع المصاحف والكتب، وأمام الباب الغربي فسحة بها بئر معلق عليها سطل من نحاس للشرب. وكان الصحن مبلطاً بحجر أسود ومزي، وفيه بئر ماء وسقاية، وقبالة الزاوية الغربية صفة لتفريق اللحم والخبز، وبالطريق الغربي يوجد المطبخ والميضأة الكبرى. هذا وقد كان للمدرسة دور اجتماعي كبير بالإضافة للدور العلمي البارز، فقد لعبت دوراً هاماً في ترابط المجتمع لذلك العصر، وسبب تسميتها بالشيخة لمؤسسها وبانيها الذي كان يلقب بشيخ الإسلام «أبو عمر»، أما الشيخية: لأنها رئيسة المدارس جميعها وهذه الأقسام والأجزاء التي تجولنا فيها جعلها في مصاف الجامعات الحديثة، فهي من أقدم المراكز التي حققت السكن الداخلي للطلاب، وتوفير حاجياتهم ومتطلبات عيشهم، من طعام وشراب وكساء ونظافة.
أوقاف المدرسة العمرية:
إن دراسة أوقافها يعطينا صورة عن النظام المالي ورعايته، والذي سيكون له الأثر البالغ في حي ومجتمع الصالحية لعدة قرون. بدأت أوقاف هذه المدرسة منذ عصر بانيها أبو عمررحمه اللهحيث يقول لنا عبد الهادي أحوال أوقافها فيقول: «هذه المدرسة عظيمة، لم يكن في بلاد الإسلام أعظم منها، والشيخ بنى فيها المسجد وعشر خلاوي فقط، وقد زاد الناس فيها ولايزالون يوقفون عليها من زمنه إلى اليوم-أي عصره-قلما تمضي سنة من السنين إلا ويصير إليها فيها وقف، فوقفها لا يمكن حصره حتى صار من كل أنواع البر إليها» النعيمية / الدارس في تاريخ المدارس.
أهم موارد وقفــــــها:
1- مايدفعه المتبرعون والمحسنون من نقود ومواد عينية.
2- العشر في البقاع - أي اللبناني - ولا غرابه فهناك علاقة بين مقادسة الصالحية ومقادسة لبنان ولاسيما (بعلبك وبونين).
3- وقف كفر بطنا - ووقف داريا.
4- من الدراهم خمسة آلاف للغنم في شهر رمضان.
5- السوق المعروف بعمارة الإخنائي غربي شمال باب الفراديس.
6- ألفا رغيف تفرق كل يوم.
أما التوزيع والاستفادة من الوقف: منهم النازلون فيها من المدرسون والملقنون والمعيدون والمكفوفون وأفراد من المجتمع الصالحاني. واللافت للنظر أن هذه الأوقات ليست وقفاً لطلبة العلم والفقراء، وإنما أصبحت تقوم بدور اجتماعي يشبه دور المؤسسات والجمعيات المعاصرة. أعرفتم لماذا قال الشيخ علي الطنطاوي والذي [سبقت زمانها ..] رحمه الله.
فأي عزيمة وهمة إيمانية حتى بلغت قوله سبقت زمانها في الجوهر والمضمون، وذاع صيتها البلاد..رحمهم الله، ورضي الله عنهم، وجعلنا لهم خير خلف اللهم آمين نعود نكمل جولتنا الروحية لهذه المدرسة العظيمة، الأثر والفائدة.
ما هي مناهج هذه المدرسة ؟
والمقصود بذلك هو سير العملية التعليمية والذي يعتمد على الأستاذ والطالب والمقرر أي المادة العلمية. لقد قدمت المدرسة العمرية تراث حضاري للأمة الإسلامية، لم يقتصر هذا التراث على الناحية الفكرية العلمية، وإنما على الناحية العمرانية والسكانية، فمن آثار النشاط العلمي وازدهاره، نشط المجتمع الصالحاني، فكثر بناء المدارس وظهر التنافس المحمود بين السكان، وسوف نقوم بسرد هذا التنوع العلمي وكيف ازدادت أعداد المدارس في تلك الفترة، وهذا الفضل بعد الله عزوجل يعود لهذه الأسرة المباركة آل قدامة، ولينة الصدق والإخلاص التي ترعرعت ونشأت في قلوب الأبناء والأحفاد بسقايةِ الشيخ الكبير رحمه الله أحمد بن قدامة.
أما عن المدرسة العمرية، والتي قام فيها أشهر المدرسين وأقدمهم في ذلك العصرنذكر منهم:
الحافظ العلامة الشيخ عبد الغني المقدسي، والفقيه عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد الملك بن عثمان المقدسي الحنبلي، وهذا تلميذ الموفق. ومنهم الفقيه عز الدين عبد العزيز بن عبد الملك المقدسي الحنبلي، تلميذ الموقف. ونجم الدين أحمد بن محمد بن خلف بن راجح المقدسي، والقاضي شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر ابن مؤسس المدرسة، كان عالماً بالفقه. ومن الملاحظ أن الشيخ أبو عمر مؤسس هذه المدرسة لم يكن من أول المدرسين في هذه المدرسة، والسبب في ذلك لارتباطه الاجتماعي والرسمي الذي كان يقوم به باسم المقادسة هذه أولاً، ومشاركته في الجهاد ضد الفرنج، والسبب الأخير شغله في النظر لأوقاف هذه المدرسة والإشراف عليها، والخلاصة في هذا الكلام أن أبو عمر رحمه الله مؤسس هذه المدرسة كان بمثابة مدير للمدرسة تربوياً ومالياً، كرئيس جامعة في عصرنا، ولذلك فقد حظي بمديح ودعاء كبير ممن جاء من بعده، وصولاً للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله، وتأسفه: «فهل نسيهم أهل دمشق وهم أهل وفاء».
أما الطلاب :
فقد تمتعوا برعاية كبيرة على الصعيد المادي-العلمي-النفسي.
والعنصر الثالث والأهم في سير العملية العلمية والتربوية، هي المادة العلمية. كيف كانت وعن ماذا..؟
لقد اعتنت المدرسة وبإشراف أبو عمر-رحمه الله-بكل فنون العلم، لاسيما الشرعي. لم يقتصر التدريس على الفقه الحنبلي، إنما على المذاهب الأربعة، وحرص بنو قدامة على تعليم الصغار القرآن الكريم، وكان لهم متخصصون بالإقراء. فازداد عدد القراء في الصالحية ثم في دمشق حفظها الله، وكان من العلماء الذين يتوافدون إلى هذه المدرسة بعد رحلاتهم العلمية خارج الشام، ومروياتهم لما سمعوا ورأوا الأثر العظيم في زيادة النشاط وازدهارها.
وتنوعت العلـوم في هذه المدرسـة كالحديث والسـيرة والعقيـدة والقصص واللغـة ومجالــــس الأشعار ومجالس النظر. ومع الأيام نالت هذه المدرسة العمرية شهرة عالمية لم يكن لغيرها هذا الصيت، كانت بمثابة أكاديمية تستقطب الناس بمدرسيها وبموادهم العلمية الغنية التي كانوا يدرسونها، وزيادة على ما سبق المكتبة التي أسسها هذا الشيخ الفذ أبو عمر رحمه الله والتي من صدق وإخلاص توجهه في إنشائها أصبحت معلماً من معالم الثقافة الهامة لما ضمت من كتب ومصادر هامة وساهم هذا الشيخ وغيره من العلماء في إثرائها وإغنائها حتى نالت هذه الخطوة الهامة في العالم بأثره لذلك العصر.
وهذه المكتبة في بداياتها كانت ينسخ فيها المصاحف يدوياً، ونسخ الكتب بأعداد كبيرة من الشيخ أبو عمر رحمه الله، ثم أخذ بقية العلماء يحذو حذوه بدون أجر مادام الأجر المضاعف سيناله عندما يلقى الله عزوجل رحمهم الله وجزاهم الخير كله.
إخوتي هل نعرف لماذا الشيخ علي رحمه الله وجزاه الله خيراً، يذكرنا بهؤلاء الصادقين الأمينين والذين أيقظوا في قلوبنا معاني جداً راقية وسامية، معاني الحب لله عز وجل ولرسوله الكريم صلوات الله عليه ورحمته وبركاته. يجب أن نستفيد من معرفة هذه المعاني بالعزم والإرادة والعمل على الاقتداء بهم ولو بيسير من العمل، أفضل من التمني والترحم والتغني على أطلالهم.
ونحن نرجو من الله من يهيأ لإحياء هذه المدرسة ولو بقليل من العمل والجهد، لا للتبرك والتغني بهم، إنما لتكون عبرة لمن أراد الاعتبار، وموقظة لمن أراد الإيقاظ، عسى أن نصل بعد ذلك مع زائرين هذه المدرسة لتجديد العهد مع الله عزوجل للعمل والمثابرة بعد قراءتهم للفاتحة على روح مؤسسها وعلى أرواح الذين ساهموا في إحيائها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ونرجو من الله عزوجل القبول والرضى.


تشغيل