مميز
الكاتب: مخلص حميد الدين
التاريخ: 24/12/2012

التاريخ يعيد نفسه

مشاركات الزوار
التاريخ يعيد نفسه
الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
كان لي في أفئدة ملايين الشباب المسلمين في الجزائر تقدير منقطع النظير وثقة لا حدَّ لها، يوم كانت كلماتي ونصائحي لا تصادم لديهم شعوراً ولا تناقض في أنفسهم هوى .. حتى إذا استشرت بين جوانح كثير منهم روح الثأر واهتاجت لديهم عوامل الانتقام، للأحداث المعروفة التي جرت هناك، وأخذْتُ أناشدهم من قريب وبعيد أن لا يزجّوا أنفسهم من تلك اللواعج في تيه يضللهم عن شرع الله وينأى بهم عن وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ بتقدير كثير منهم قد ذاب واضمحلَّ، وإذا بالثقة التي لا حدَّ لها قد تحوَّلت إلى ريبة وظنَّةٍ، بل وتجهيل !..
لقد كان عليَّ، لأحافظ على رصيد تقديرهم الكبير لي وثقتهم بي، أن أسير مع عواطفهم، بل مع رعوناتهم، أنى سارت، وأن أصفق لهتافاتهم وشعاراتهم أيَّاً كانت !..
ولكن أين الوفاء إذن مع أمر الله عز وجل ؟.. أين هو الوفاء مع الميثاق الذي أخذه الله على عباده الذين ائتمنهم على تبليغ كلمة الحق: (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) [عمران: 187].
عليَّ أن أبلغ ما أعرفه من أمر الله وشرعه، وللآخرين أن يقبلوا ولا يقبلوا .. أن يثقوا أو يرتابوا .. ولأن يرضى الله عني بارتيابهم أو سخطهم خير من أن تصفق لي الدنيا بأسرها ..
ثم إن فصول هذا الكتاب تتضمن كما قلت أهم المشكلات التي يجب السعي إلى تفهمها ثم معالجتها.
وهي مشكلات اجتماعية، ودينية وثقافية، وسياسية .. وأعتقد أن السادة القراء، على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم، سيشاطرونني الرأي في معالجة كثير منها، غير أن فيهم من قد لا يتفق معي في وجه المعالجة لبعض آخر منها، وهي تلك المشكلات التي تتصادم حلولها مع أهوائهم أو عواطفهم أو لواعجهم النفسية..
ولو استطعت أن أنتزع من أفئدتهم هذه الأهواء أو اللواعج، لفعلت .. وإذاً لاتفقنا على الحق ولما غشت عليه الرعونات والأهواء.
ونظراً إلى أنني لا أستطيع ذلك، إذ ليست مقاليد الأفئدة إلا بيد الله عز وجل، فإن واجبي يقف عند حدود بيان ما قد عرفت أنه الحق، بعيداً عن الحظوظ والمصالح والأهواء.
والله هو المسؤول أن يطهر قلوبنا من الشوائب ويجمعها على الحق، وأن يستجيب دعاءنا عندما ندعوه قائلين (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران: 8].
دمشق 25 صفر 1414
13 آب 1993
مقتبس من مقدمة كتاب هذه مشكلاتنا

تحميل