مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 17/12/2012

في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم علاج لمشكلاتنا

مقالات
في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم علاج لمشكلاتنا
من خطبة قديمة للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
كان المسلمون من الرعيل الأول إذا ادْلَهَمَّ عليهم خطب أو طافت بهم مصيبة عالجوا أنفسهم بدواء دين الله سبحانه وتعالى؛ فأكثروا من الالتجاء إليه، وأكثروا من الاستغفار لذنوبهم بين يديه، وبالغوا من ارتباطهم برسولهم محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الإكثار من الصلاة عليه، فكان ذلك دواءً عملياً لزوال المصائب عنهم، ولصلاح أمرهم بعد فساد، ولاستقامة شؤونهم بعد اعوجاج. أما المسلمون اليوم فشأنهم - على الأغلب - أنهم إذا وجدوا أنفسهم أمام مشكلات تطوف بهم أو مصائب تتهددهم يعالجون أنفسهم من ذلك بما يسمى اليوم (الفكر الإسلامي)، يقومون ويقعدون بالفكر والحديث عن الإسلام، وتبادل الكلام الفكري عن الإسلام، والحوار المتطاول الذي لا نهاية له عن مبادئ الإسلام ومشكلاته وشؤونه وينتهون كما بدؤوا. دواؤهم الحديث اللساني والكلام الممطوط والمتسلسل، إنه الفكر.
ولعلكم تسمعون اليوم كلمة لن تجدوها في قاموس تاريخنا الإسلامي الأغر، إنها كلمة "الفكر الإسلامي"، "المفكر الإسلامي"، "المفكرين الإسلاميين" وتنظر إلى الذين يعانون من أعباء ثقيلة من المصائب والمشكلات، وتتساءل عن العلاج الذي يعالجون به مشكلاتهم، فترى أنهم لا يراوحون إلا في أماكنهم، ولا يعالجون مشكلاتهم إلا بالكثير من الكلام و الكلام والكلام، إنه الفكر، لاحظوا هذا الفرق الخطير بين المسلمين في هذا العصر والمسلمين في عصر السلف الصالح، بل في العصور المنصرِّمة كلّها.
وإذا شئنا أيها الإخوة أن نعلم اليوم الدواء الناجع لأمراضنا والذي إن استعملناه شفانا الله سبحانه وتعالى من مصائبنا ومشكلاتنا. إنه السلوك، إنه تجاوز الفكر الذي انتهينا منه، المسلم الذي اعتنق الإسلام ووعى دينه وآمن بكتاب الله واستيقن بسنة رسول الله وآمن بالمغيبات تجاوز مرحلة الفكر، وإنه الآن في مرحلة العمل، في مرحلة السلوك، نحن بحمد الله تجاوزنا مراحل الشكوك التي كانت تعالج بالفكر والكلام، وإنما نحن اليوم بحاجة إلى العمل، دواء أدوائنا، إنما هو السلوك، والوظائف التي نبهنا إليها كتاب الله عز وجل.
وأنا أضرب لكم أمثلة: يقول الله عز وجل: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) هذا الكلام الرباني يضعنا أمام مشكلة ومصيبة، ويضعنا بعدها أمام الدواء (إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً) فئة تتهددكم، تتهدد حقوقكم، تريد أن تنتقص من كرامتكم، ما العلاج؟ أهو الفكر الذي نقوم ونقعد به اليوم؟ لا (فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) هذا هو الدواء، أين هم الذين يهرعون إلى استعمال هذا الدواء؟ أين هم الذين يستبدلون بالفكر ولقلقة اللسان التي لانهاية لها بذكر، يستبدلون بذلك ذكر الله سبحانه وتعالى، ننظر يميناً وشمالاً فنجد الكثير والكثير مما يسمى الفكر الذي يكتب، والفكر الذي يقال، والفكر الذي يتداعى له المؤتمرون، ولكنا قلّما نجد الرجوع إلى هذا الدواء الذي يضعه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كثيراً ما أواجه إخوة وشباباً يسألونني عن مشكلة تتكرر كثيراً لا ثاني لها هي مشكلة ضيق الصدر، مشكلة الهموم التي تتراكم وتزداد على النفس، ونحن لا نجهل أسباب هذه الهموم، فالدنيا التي نعيشها اليوم، لاسيما بالنسبة للإنسان الملتزم، بالنسبة للإنسان الذي عاهد الله أن يسير على صراطه ولا يلتفت يمنةً ولا يسرة، لابد أن تطوف به هذه الهموم: هموم غريزية، هموم اجتماعية، هموم تتعلق بمستقبل الإنسان وحياته في هذه الدنيا التي يعيشها، سؤال يتكرر ولتمنيت لو أن الذين يقومون ويقعدون اليوم بالحديث عن الإسلام، ويعقدون المؤتمرات والندوات هاهنا وهاهنا في معالجة مشكلات الإسلام النفسية التي تتراكم في نفوس الملتزمين، ولاسيما المصطلحين مع الله عز وجل، من جديد، فلا أجد أحداً يعالج هذه المشكلات بأكثر من الكلمة التي نعود ثانية إليها "الفكر الإسلامي"، "الفكر والمفكرون" وما إلى ذلك.
ولقد وضعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام العلاج الناجع لهذه المصيبة، ولكني أنظر كما قلت لكم هنا وهنا فلا أجد من يلتفت إلى هذا الدواء، وإن وجد من يلفت النظر إليه فلسوف تجدون الكثيرين والكثيرين الذين يستخفّون به، إنه الإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هل تتوقعون أن أضعكم من هذه المصيبة أمام هذا الدواء؟ أنا أعلم أن كثيراً منكم لا يتوقع ذلك، ولعله عندما يسمع هذا العلاج يعجب، يقول في نفسه: توقعت أن أسمع منهاجاً طويلاً وعلاجاً هاماً وخطيراً ينبغي أن نأخذ أنفسنا به، أهو هذا؟ هكذا آلت حالة المسلمين اليوم، يستخفون بالإسلام عقيدة وعبودية، ومن ثّمة علاجاً، ويبجلون ويعظمون الإسلام فكراً ولقلقة لسان وحديثاً وجدالاً ونقاشاً لا يبارح ساحة الكلام، لا يبارح دائرة الأحاديث المتنوعة المختلفة، ذلك لأن الإسلام السلوكي مُسِخَ إلى فكر لساني. أجل، الصلاة على رسول الله صلى الله وعلى آله وسلم.
ولقد ورد بطرق شتى وصلت كما قال كثير من العلماء إلى مبلغ التواتر المعنوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه بها عشرة) ولا داعي إلى أن أطيل لكم في ذكر طرق هذا الحديث ورواته الكثيرين، وما هي صلاة الله على عباده؟ صلاة الله عز وجل على عباده الرحمة والمغفرة، فإذا عرفت أنك إن صليت على رسولك محمد صلى الله عليه وسلم مرةً صلى الله عليك بها عشراً؛ إذا علمت أن معنى ذلك أن الله عز وجل يرحمك ثم لا يزال يرحمك ويرحمك أضعافاً مضاعفة، ويغفر لك ذنبك، فلتعلم أن من آثار هذه الرحمة زوال الهموم والغموم.
ورد فيما رواه أحمد والحاكم والبيهقي وآخرون من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: "كنت أتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فرأيته دخل حائطاً - أي بستاناً - فيه نخيل، فتبعته فإذا هو سجد - سجد على الأرض - وانتظرت فأطال السجود وأطاله حتى خشيت أنه قد قُبِضَ، فجئت أنظر إليه، فرفع رأسه ثم قال لي: (ما بك يا عبد الرحمن؟) قلت: يارسول الله وضعت رأسك هنا وأطلت، خشيت أنك قد قُبِضت، وقلت في نفسي لن أرى رسول الله بعد اليوم أبداً. قال: (لقد أتاني آتٍ من ربي فقال ألا أبشرك؟ إن الله يقول لك من صلى عليك مرة صلى الله عليه بها عشرة)". فكان ذلك سبباً لسجوده صلى الله عليه وسلم، ووضعه جبهته الشريفة على الأرض المترِبة ليس بينها وبين جبهته حجاب، وأطال ما شاء الله أن يطيل. لماذا أيها الإخوة؟ ليست الفرحة فرحة الصلاة عليه، ولكنها فرحة الجزاء، فرحة صلاة الله عز وجل بذلك علينا، (من صلى عليك مرة صلى الله عز وجل عليه بها عشرة) ولو كانت هذه الصلاة أمراً مُستهاناً يُستَخَفُ به كما هي الصورة عند كثير من المسلمين اليوم، أفكان يَحفِلُ رسول الله بذلك إلى هذا الحد؟ أفكان يتحول إلى ذلك البستان ليسجد وليعفر رأسه بالتراب وليطيل سجوده ما شاء الله له أن يطيل، أفلو كانت نتائج وآثار الصلاة على رسول الله لنا نحن عباد الله عز وجل أمراً مستهاناً به كما هي الصورة عند كثير من المسلمين الإسلاميين الملتزمين اليوم، أفكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفل بذلك؟ لكنه علم أهمية صلاة الله سبحانه وتعالى على عباده.
ويروي أُبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام مرة من نصف الليل فقال: (أيها الناس جاءت الراجفة تتبعها الرادفة - والراجفة هي المقدمات التي تكون بين يدي الساعة، والرادفة التي تردفها، هي قيام الساعة - جاء الموت بما فيه) جاء الموت بما فيه، يستنهض رسول الله بذلك الناس إلى القيام من جوف الليل للإقبال على الله عز وجل بما يستطيعون من ذكر وصلاة ودعاء واستغفار، قال فقلت: يا رسول الله! إني أكثر من الصلاة عليك، فكم أجعل من الصلاة عليك؟ قال: (ما شئت) قلت: الربع، قال: (ما شئت، وإن زدت فخير) قلت: فالثلث، قال: (ما شئت، وإن زدت فخير) قلت: فالنصف، قال: (ما شئت، وإن زدت فخير) قلت: فلأجعل صلاتي لك كلها، - أي أنفق وقتي كله بالصلاة عليك- قال: (إذن تُكفَى همك، ويغفر الله سبحانه وتعالى لك ذنبك) هذا الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهو كلام فارغ لا معنى له؟ أم هي حقيقة يخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ هل من إنسانٍ وقرت حقائق الإيمان في قلبه، وأيقن بنبوة رسول الله - والحديث صحيح - ثم لا يستيقن هذا العلاج الذي يذكره لنا رسول الله؟
ثم لتعلموا - أيها الإخوة - أنه ليس علاجاً فردياً لفرد، هو علاج اجتماعي لمجتمع أيضاً، فالفرد الذي يعاني من مصائب، يعاني من هموم وغموم، إذا عالج نفسه بهذا الذي ذكره أُبي بن كعب، وبشره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ستجلى عنه همومه، وسيحقق الله سبحانه وتعالى له الخير الذي يريد. والمجتمع الذي يأخذ نفسه أيضاً بهذا العلاج عندما تدلهم المصائب وتكثر الخطوب، فإن الله عز وجل ينجي هذا المجتمع أيضاً من مصائبه، مصائب المجتمعات دواءها هذه الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يتبعها من الذكر على مستوى اجتماعي، ودواء المصائب الفردية للشخص الواحد هذا العلاج نفسه على مستوى ذلك الفرد.
ومرة أخرى أقول: أيها الإخوة - ما بال الإسلام غدا عند كثير وكثير من المسلمين الملتزمين، ولا أقول الشاردين، ما بال الإسلام تبخر ثم تبخر سلوكاً، وآل إلى مجرد كلام ولقلقة لسان، آل إلى ما يسمى اليوم بالفكر؟ ما لنا نسمع جعجعة ولا نرى طحناً؟ نسمع أصوات الرحى تملأ آذاننا، وننظر فلا نجد طحناً من وراء هذا الرحى- كما يقول المثل الغربي - لماذا أيها الإخوة؟ لأن الإسلام كحقيقة يجب أن تهيمن على العقل فالقلب غاب، ولأن الإسلام كعبودية بين العبد والرب انقطعت حباله، وتحول الإسلام إلى مجرد حركات، تحول الإسلام إلى مجرد تظاهرات، تحول الإسلام إلى مجرد أفكار ذاهبة آيبة، من أجل هذا أصبحنا ننظر وإذا بالمصائب تتراكم ثم تتزايد، ومهما التجأنا من هذه المصائب إلى ما يسمى الفكر الإسلامي لا نجد فائدة. ولربما ارتاب مرتابون وشك متشككون فقالوا: أين هو عمل الإسلام في حياتنا؟ وهل تداوينا بالعلاج الذي يذكرنا به كتاب الله؟
أجل، أنا أيها الإخوة أحضر ندوات كثيرة ومؤتمرات كثيرة، وأغيب عن كثير منها، ولتمنيت لو رأيت مرة واحدة أن مؤتمراً عُقد من أجل التنبيه إلى هذا الدواء، من أجل مراجعة المسلمين حسابهم في مدى ارتباطهم برسول الله صلاة عليه، وسيراً وراء هديه، في مدى إشراقة ذكر الله عز وجل في طوايا قلوبهم، لم أجد، ولو أن مقترحاً اقترح ذلك لاستخفوا باقتراحه.
وقبل أن أنهي حديثي أجيب عن سؤال ربما يطوف بذهن بعض من المسلمين اليوم، ربما قال قائل: ما فائدة الإكثار من الصلاة على رسول الله؟ نحن نعلم أن الله عز وجل قد أكرم رسوله بالدرجات العُلى، ولسوف يكرمه يوم القيامة بالمقام المحمود وبما وراء ذلك من الدرجات العالية التي لا يتخيلها الإنسان، صلينا عليه أو لم نُصلِّ عليه، فما الفائدة من الصلاة عليه؟ وما مصدر هذه الخطورة التي تجعل للصلاة عليه هذه الأهمية؟ الجواب أيها الإخوة: "صلاتنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده رِفَعْةً عند ربه، لاشك أن الله عز وجل يعطيه ما هو أهل له وزيادة، سواء نفذنا هذه الوصية أم لم ننفذها، ولكن هو الوفاء ينبغي أن نتحلى به تجاه من كانت هدايتنا على يده، تجاه من كان رُشدنا بواسطته، تجاه من كانت معرفتنا لله عن طريقه، إنه الوفاء فعندما يصلي الله عز وجل علينا صلاة الرحمة والمغفرة إنما يكون ذلك لأننا بصلاتنا عبرنا عن وفائنا لرسول الله، لأننا نقول من خلال صلاتنا جزى الله عنا محمداً ما هو أهله". أرأيتم إلى الأبوين كم أوصى الله الأبناء بهما يقول: (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً) ألم يقل الله عز وجل ذلك (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً ، وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً) أرأيت لو أنك لم تدعُ لأبويك بهذه الرحمة وقد قاما بما ينبغي من شؤونك والنهوض بتربيتك؛ لابد أن يكرمهما الله بالرحمة، دعوت أو لم تدعُ، لكن الله يعلمنا الوفاء يعلمنا الله سبحانه وتعالى أن نكون أوفياء تجاه آبائنا، أي أن الله يسّلكنا في مسالك الأخلاق الراشدة، أبواك أسديا إليك هذا المعروف فعلا ما فعلا، أتعبا أنفسهما في صغرك من أجل أن ينهض منك شاب سعيد بحياته مستقيم في سلوكه، ألا يستحق منك كلمة تعبر بها عن وفائك لهذا الاهتمام؟
أجل. ما الكلمة التي تعبر بها عن وفائك لأبويك؟ أن تدعو الله لهما بهذا الذي علمك الله إياه. فكذلك صلاتنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل والنهار، إن هي إلا لسان وفاء نرحل به إلى الله عز وجل، نقول له: يا رب لولا رسولك هذا ما عرفناك، لولا رسولك هذا ما التزمنا بهديك، ما عرفنا صراطك، ما عرفنا الحق من باطل، فاللهم إنا نسألك أن تزيده فضلاً على فضل، وأن تزيده إكراماً على إكرام، هذا معنى صلاة العبد على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا المعنى وددت مرة أخرى لو أن المسلمين احتفلوا به، لو أنهم جعلوا من هذا الدواء أعظم دواء في صيدلية الإسلام؛ عندما تطوف بنا هذه المحن المختلفة الكثيرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

تحميل



تشغيل