مميز
التاريخ:

الحمّامات الإسلامية القديمة في دمشق (1)

معالم الشام
الحمّامات الإسلامية القديمة في دمشق (1)
الباحثة نبيلة القوصي
"الحمد لله الذي جعل الشام في وجه الأرض شامة خضرا، وأجرى ماءَها الفضي على ثراها كالذهب، وأدارَ من الماء خلاخيل على سوق الأشجار، وأرسل كف النسيم بمشط المطر فسرَّحَ رؤوس عرائس الغصون، وجمَّلها بحلل ذات أكمام من سندس أخضر ومعصفَر صبغة صنعة من هم له ساجدون.
وسبحانه قدَّسَ أرضها إذ هي مرتع ومربع لأصفيائه، وحباها لسكن الأنبياء واختارها موطناً لعباده الأولياء".
لعبد الله البدري رحمه الله
من علماء القرن 8 ه
في كتابه: محاسن الشام
فمن محاسن الشام التي ذكرها البدري وابن عساكر في تاريخه، الحمَّامات الإسلامية القديمة، والتي ملأت الشام ودمشق خاصة، إشارةً لأهمية النظافة والطهارة في الإسلام، وإن الأبخرة التي تنبعث منها بروائح العود والمسك الجميلة لدليلٌ على ذلك، فهي تنادي المسلمين من خلال هذه الروائح العطرة، لجعل النظافة والطهارة عنواناً لهم، وجواز سفر للاتصال بالله عزَّ وجلّ.
وما السخان القديم الذي لازم المدرسة العمرية في الصالحية للقرن السادس الهجري، والذي كان يمثل مركزاً لارتياد الناس طلباً للاستحمام فيه، دليلاً على أهمية النظافة والطهارة في ديننا الحنيف، والذي وُجِدَ على جانب النهر بالقرب من البيوت.
ولكن .. ومع مرور الزمن، أخذت الحمَّامات تظهر كمظاهر اجتماعية .. منها المتعة والتسلية فقط، مع العلم بأن الإسلام يجعل المباحات أو يقلبها إلى عبادات إذا ربطها بالمولى عزَّ وجل، وهذا من أسرار روعة ديننا في بناء الحضارات الإنسانية.
وللأسف .. نتيجة الألفة والاعتياد عند المسلمين على النعم، ينسون المنعم إذا نسوا عملية الربط هذه باستمرار، فتظهر آفة الأُلفة والتعوُّد على النِعَم بالنِّسْيَانِ للمُنْعِمْ. وخير دليل على ذلك تحت عنوان الحمَّامات، العثور على لوحة قديمة جداً تعود إلى القرن السابع الهجري، في جنوب جامع العفيف في الصالحية، كُتِبَ عليها:
"مَنْ يَطْلُبِ العافيةَ مِنْ ربٍّ لطيفٍ فليقصُدِ اللهَ ثمَّ حمَّام العفيف"
والآن... هيَّا معاً نتعرَّفُ على أهم الحمَّامات الإسلامية القديمة في دمشق، وبين جوانحنا نحمل نية الفائدة والمتعة معاً للتقرب من الله عزَّ وجلّ، فهيَّا.....
يقولُ مالك بنُ بني: "الحضارة تسير كما تسير الشمس، فكأنَّها تورُ حولَ الأرض مشرقةً في أفقِ هذا الشعبِ ثمَّ متحوِّلةً إلى أفقِ شعبٍ آخَر".
والحضارات قد تخضع لظاهرة التقليد دون أن تُمحَى شَخْصِيَّتُهَا، وتفقدُ مقوِّماتِ أَصَالَتِها، ونتاج المضارّات جهد متراكم، تتبادله الأمم، تؤثِّر وتتأثَّر، بنسب مختلفة. ونلمس ذلك في الفنون المعمارية الإسلامية.
فعندما انتشر الإسلام في بلاد الشام والعراق وفارس ومصر وشمالي إفريقيا، كانت الفنون السائدة وقتئذٍ الفن الساساني والبيزنطي، هذه الفنون كانت مصدراً مباشراً للفنَّانين في الدولة العربية الإسلامية اقتبسوا عنها وطوَّرُوا عناصِرَهَا.
هذا شأن كل فنٍّ جديد لمرحلة جديدة، وإذا ما حللنا الفنَّ البيزنطي والساساني رأيناه يرجع إلى أصول كبرى سابقة له، فهي من صنع الشعوب العربية القديمة التي كوَّنَت حضاراتٍ في بلاد الشام وبلاد الرافدين؛ أي: فن شرقي + فن غربي جاءَ من الاحتلال الروماني واليوناني وتطوَّرَ فيما بعد.
ومن المنشآت المعمارية الإسلامية المميزة والتي تحكي لنا حكاية هذا التطور، الحمَّامات العامّة التي عُرِفَت في العهد الأموي والعباسي، وتعود أصول هذه الحمَّامات العربية في العهد الإسلامي إلى النمط الروماني.
ولكن تميَّزَت بميزات فنية من حيث نمط البناء وبميزات من حيث الهدف، فالمسلم الراقي الحضاري الذي يربط دوماً بين المتعة والفائدة، أو بين الدنيا والآخرة، فالحمَّامات ليست لإزالة الأوساخ فقط، إنما بهدف التقرُّب من الله عزَّ وجل، بالحصول على نظافة جسديَّة وصحيَّة تقوّي المسلم وتعينه على الطاعات، عندَ ذلك جعلَ المسلمون الحمَّامات العامّة وسيلة لهدف راقي.
أمّا من حيث الميزات الفنية، فقد اختلفت الحمَّامات العربية الإسلامية عن الرومانية بالتالي:
1- بما أنَّ الإسلام مبني على الطهارة المعنوية فقد ألغيت المغاطس راكدة المياه، ولم تعد موجودة في الحمَّامات العربية الإسلامية.
2- أنَّ الحمَّامات الرومانية تألفت من ثلاث أقسام: القسم البارد، القسم المعتدل، القسم الحار، ويقابل هذا التقسيم في العمارة الإسلامية: القسم البرَّاني وهو البارد، والوسطاني يقابله المعتدل، القسم الجوَّاني ويقابله الحار.
ومع الزمن... تطور أثر الحمَّام العربي الإسلامي عند الناس، وأصبح يتَّصل بواجبات دينية واجتماعية، مرتدياً لباساً شعبيَّاً تقليديَّاً فيما بعد.
ما يهمنا في هذا السياق التعرُّف على هذه الحمَّامات العربيَّة القديمة، وأقدم حمَّامات في سورية من قبل الإسلام، حمَّامات أفاميا، تدمر، بصرى، شهبا.
وأقدم حمَّام عربي إسلامي في بلاد الشام هو حمَّام قصر عمرة ويعود إلى العصر الأموي.
وهناك آثار معمارية لحمَّامات قديمة كانت ملحقة بالقصور الأموية في سورية مثل حمَّام قصر الحير الغربي الذي بناه الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك.
(الصور من مكتب عنبر)


تشغيل