مميز
التاريخ:

العلامة العالم المحدث الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي

أعيان الشام

العلامة العالم المحدث الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي
المتوفى سنة 1162هـ - صاحب كتاب كشف الخفاء ومزيل الألباس
الباحثة نبيلة القوصي
"... وأنص إن شاء الله تعالى في هذا المجموع على بيان الحديث من غيره، وتمييز المقبول منه السالم من ضيره، إذ من النصيحة في الدين كما قال الحافظ ابن حجر في خطبة كتابه "اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة" التنبيهُ على ما يشتهر بين الناس مما ألفه الطبع، وليس له أصل في الشرع، قال وقد صنف الإمام تاج الدين الغزاري كتاباً في فقه العوام، وإنكار أمور اشتهرت بين الأنام لا أصل لها أجاد فيها الانتقاد، وصان الشريعة أن يدخل فيها ما يخل بالاعتقاد، قال وقد رأيت ما هو أهم من ذلك، وهو تبين الأحاديث المشتهرة على ألسنة العوام وكثير من الفقهاء لا معرفة لهم بالحديث، وهي إما أن يكون لها أصل يتعذر الوقوف عليه لغرابة موضعه، أو لذكره في غير فطنته، وربما نقاء بعضهم لعدم اطلاعه عليه، والنافي له كمن نفى أصلاً من الدين، وضل عن طريقه المبين، وأما لا أصل له البتة، فالناقل لها يدخل تحت ما رواه البخاري في ثلاثياته من قوله صلى الله عليه وسلم: (من قال علّيَّ ما لم أقل ، فلْيتبوَّأ مقعده من النار)".
كلمات لشيخنا الجليل إسماعيل العجلوني
رحمه الله / في مقدمة كتابه الشهير
فمن هو هذا العالم الجليل صاحب هذا الكتاب؟
ولادته ونسبه:
ولد الشيخ إسماعيل في مدينة عجلون، وعجلون مدينة صغيرة تابعة لمحافظة إربد في الأردن، وتاريخ ولادته كان في سنة 1087هـ.
فهو عجلوني أردني المولد، ودمشقي النشأة والوفاة، ولا عجب في ذلك لأن مدينة دمشق كانت ولا زالت وستبقى عاصمة العلم الشرعي في العالم العربي والإسلامي، حفظها الله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الشام صفوة الله من بلاده ، يسوق إليها صفوة عباده ، من خرج من الشام إلى غيرها فبسخطه ، ومن دخل من غيرها فبرحمته).
وعودة لترجمة شيخنا الجليل واسمه إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي بن عبد الغني العجلوني الشافعي الشهير بالجراح، العجلوني نسبة لعجلون، والجراح نسبة إلى مقام سيدنا أبو عبيدة بن الجراح القريب من مدينة عجلون على مسافة عشرة كيلومترات من الشرق. وعُرف بالدمشقي لنشأته ووفاته ودفنه فيها، رحمه الله.
أما ما هو السر في نشأته ودفنه في دمشق، فهذه لها حكاية وسر فما هي؟
تخبرنا الكتب أن والد الشيخ إسماعيل قد سماه في أول سنة من عمره اسم محمد، ثم غير اسمه إلى مصطفى وبقي حوالي ستة شهور، ثم غير اسمه لإسماعيل وبقي على هذا الاسم.
ولقد اعتنى والده في تربيته وتنشئته نشأة صالحة على طاعة الله ورسوله، حفظ كتاب الله العزيز منذ الصغر عن ظهر غيب، وأخذ في تشجيعه على حضور مجالس العلم، وكان يتميز عن أقرانه بحبه وتعظيمه ومحافظته على حضور مجالس العلم.
وهنا يبدو لنا واضحاً دور والده كمربي مسؤول عن توجيه وإرشاد ولده لخير الدنيا والآخرة، فعندما يتعامل الأب مع أبنائه بهذا الحس الراقي العالي الرائع، فهو يدخل في سياق معنى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).
أين نحن اليوم مع الأبناء في البيوت للأسف؟
نراهم لا يفقهون إلا الأكل والملبس والمشرب وحب الدنيا والتنافس عليها، ألا ليت من عودة ورجعة لترتيب أولويات ومهام كل أب وأم في هذه الحياة، وبلورة الهدف من الزواج والإنجاب، الذي لن نجد له هدف أجمل وأرقى من دعوة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم).
عودة للشيخ إسماعيل الذي كان رحمه الله موفقاً في والديه رحمهما الله ورضي الله عنهما، تطلعنا المصادر عن سر دفنه في دمشق، لرؤيا رآها الشيخ وهو في سن التحيز، أن رجلاً ألبسه جوخةً خضراء اللون مركبة على فرو أبيض، في غاية الجودة والبياض، وقد غمرته لكونها سابغة على يديه ورجليه، فأخبر والده بالمنام، ابتسم والده بسرور وقال له: إن شاء الله يجعل لك يا ولدي من العلم الحظ الوافر ودعا له بذلك.
هل عرفتم مقصد هذا الأب التربوي رحمه الله؟؟ لقد علم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة ذُكرت في السيرة النبوية، عندما رأى أن سيدنا عمر بن الخطاب يرتدي ثوب طويل سابغ له وفسره النبي صلى الله عليه وسلم بالدين المتين لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
من المؤكد أن من يتصل بالإسلام في جميع مراحل حياته سوف يفقهه الله عز وجل حتى في رؤيا ولده، حيث أخذ والده في إعداده لهذه المكانة العلمية العالية ليس بالأماني والتسويف، إنما بالعمل الجاد الهادف.
جعله في حصن العلم الشرعي الأصيل المنبع في دمشق وبين علماء مدينة دمشق والتي ذاع صيتها منذ القدم،وأخذ هذا الولد البار والصالح يرتشف من علومها، وليفهم دقائق أسرار هذه العلوم، ثم ليطل علينا بأروع مؤلفات تركها لينتفع منها الناس، حيث سينال هو ووالديه الأجر العظيم عند الله عز وجل لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم إنقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له). اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا آمين.
أما عن شيوخ العالم الجليل إسماعيل العجلوني:
فهم على سبيل الحصر لا السرد من كتاب الدرر للمرادي:
الشيخ أبي المواهب مفتي الحنابلة بدمشق، الشيخ محمد الكاملي الدمشقي، والشيخ إلياس الكردي نزيل دمشق، والشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي، والشيخ يونس الحصري نزل دمشق، والشيخ أحمد الغزي الدمشقي، والشيخ محمد الخليلي المقدسي، والشيخ تاج الدين القلعي مفتي مكة، والشيخ أبو الحسن السندي ثم المدني، والشيخ سليمان بن احمد الرومي، ... وغيرهم.
وظائفه أو تدريسه:
درس في الجامع الأموي بعد وفاة شيخه يونس المصري، عند قبة النسر في عهد الوالي الوزير يوسف باشا قبطان. حيث بقي في التدريس إلى أن مات رحمه الله، وكذلك كان له درس في مسجد السفرجلاني حيث لزمه جماعة كثيرون لا يحصون عددهم من التزاحم لحضور مجالس علمه.
صفاته وما اشتهر عنه:
كان حليماً سليم الصدر سالماً من الغش. سالماً من المقت صابراً على الفاقة والفقر، ملازماً للعبادات والتهجد، وملازماً في الاشتغال بالدروس العامة والخاصة، كافياً لسانه عما لا يعنيه، مع وجاهة نيرة في الوجه، ألبسه إياها الله عز وجل لصدقه في خلوته وجهره ولورعه مع الخلق.
أرجو الله عز وجل أن يلهمنا حُسن التصرف مع الخلق والنفس، ويرزقنا فهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).
أما عن مؤلفاته:
1- "كشف الخفاء ومزيل الألباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس": كتاب جُمع فيه أحاديث السخاوي مع تلخيص لكلامه، وزاد أحاديث كثيرة جداً حتى أصبحت حوالي 3250 حديث.
2- "الفوائد الدراري بترجمة الإمام البخاري".
3- "إضاءة البدرين في ترجمة الشيخين".
4- "تحفة أهل الإيمان فيما يتعلق برجب وشعبان ورمضان".
5- "نصيحة الإخوان فيما يتعلق برجب وشعبان ورمضان".
6- "عرف الرزين بترجمة سيدي مدرك والسيدة زينب".
7- "الفوائد المجردة بشرح مصوغات الابتداء والنكرة".
8- "الأجوبة المحققة عن الأسئلة المفرقة".
9- "الكواكب المنيرة المجتمعة في تراجم الأئمة المجتهدين الأربعة"، ولكل واحد منها اسم خاص يعلم من الوقوف عليها.
10- أربعون حديثاً كل حديث في كتاب.
11- "عقد الجوهر الثمين بشرح الحديث المسلسل بالدمشقيين".
12- شرحه على البخاري المسمى بالفيض بـ"الفيض الجاري بشرح صحيح البخاري" وهو من أجلها، وقد كتب من مسوداته 292 كراسة، قيل لو كمل هذا الشرح لكان من نتاج الدهر.
وهناك الكثير من الكتب التي لم تكتمل، منها: إسعاف الطالبين بتفسير كتاب الله المبين، عقد اللآلئ بشرح منفرجة الغزالي، فتح المولى الجليل على أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي ... وغيرها من الكتب أو المسودات التي لم يُكتب لها أن تكتمل رضي الله عنه.
وفاته:
توفي الشيخ إسماعيل رحمه الله في محرم سنة 1162هـ ودفن في تربة الشيخ أرسلان رحمهما الله ورضي عنهما.
فقد كان الشيخ إسماعيل من أحد الشيوخ الذين لهم القدم العالي في العلوم والرسوخ، فكان خير خلف لخير سلف.
خرجت دمشق في جنازته المهيبة وهي تودعه وداع الحب والتقدير والدعاء له بما نفعهم من علمه وعمله وسيرته الخلقية العطرة الوضاءة التي وصفها تلميذه الشيخ سعيد السمان قائلاً "خاتمة أئمة الحديث ومن ألقت إليه مقاليدها بالقديم والحديث، اقتدح زناده فيها فأضاء، وشاع حتى ملأ الفضاء، آخذاً بطرفي العلم والعمل، يقطع آناء الليل تضرعاً وعبادة، ويوسع أطراف النهار، قراءة وإفادة، لا يشغله عن ترداده النظر في دفاتره حرام، ولا عن نشر طيبها نقض ولا إبرام، مع ورع، ليس للرياء عليه سبيل، وغض بصر عما لا يعنى من هذا القبيل، وهو وإن كانت عجلون تربة ميلاده، فإن الشام تشرفت بطارف فضله وتلاده، فقد طلع في جبهتها شامة ... ولم يزل يسبح وحده، بلل الله بالرحمة ثراه، فهو ممن أخذت عنه الإسناد، وأمدني بقراءتي عليه بما ينفع إن شاء الله يوم التناد، ...".
هذا وللشيخ شعر موزون يتسلى به كواله محزون ...، يشغله قول الربيع بن هيثم: "إن للحديث ضوءاً كضوء النهار يُعرف، وظلمة كظلمة الليل تُنكر".
رحمك اله يا شيخنا الجليل، وجزاك الله خيراً كثيراً، فقد انتفع من كتبك ما لا يعد ولا يحصى من البشر، فحقق حديث آخر للنبي صلى الله عليه وسلم: (الخلق كلهم عيال الله ، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله).
هيا يا أخوتي نقف معاً في محراب الله عز وجل أمام سيرة وترجمة هذا العالم القدير، وقلوبنا تنبض بفيضٍ من التقدير والدعاء له، اللهم اجزه خيراً كثيراً آمين.
المراجع:
- سلك الدرر في التراجم / المرادي
- الأعلام / للزركلي
- موسوعة المدن العربية والإسلامية / د. يحيى الشامي


تشغيل