مميز
الكاتب: مخلص حميد الدين
التاريخ: 07/11/2012

وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً

مقالات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وما بَدّلوا تبديلاً
مخلص حميد الدين
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في زمان زخّرف فيه الباطل ليرى حقاً وشُوه فيه الحق ليظهر باطلاً.
في زمان صار الناس فيه يتقربون إلى بعضهم زلفاً ويذرون ربهم خلفاً.
في زمان لم يعد يُسمع فيه سوى صوت الهائجين ولم يعد يأبه فيه لعلماء ربانيين.
في هذا الزمان الذي لم يعد يعرف فيه لذي حق حقه.
يطل علينا اسم عالم لم نعلم عليه إلا خيراً ولم نسمع صفاته وميزاته من نفسه وإنما سمعناها من أقرانه ولم نقرأ أخبار ذكره ودعاءه من كتبه وإنما سمعناها من الناس وإذا به يُشتم ويُكفر ويُتهم باتهامات لا تحملها الجبال.
فماذا جرى ؟!..
إنها فتنة تغزو بلاد الشام كفتنة الدجال تصور لك الجنة فإذا دخلتها فهي النار وتصور لك النار فإذا دخلتها فهي الجنة وكما يقال ولا أبا حسنٍ لها.
ولكن وجدنا أن الشيخ أبو توفيق لها ألا وهو الشيخ سعيد رمضان البوطي.
فما كان مني بعد أن سمعت الناس يخوضون في أمره إلا أن أصغيت السمع إلى نداء الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) فتوجهت نحو كتب هذا الشيخ - التي لطالما أسهب الناس (الذين يذمونه اليوم) في مدحها والإطراء والثناء عليها - أقرأها وأستفسر منها وبعد أن انتهيت من قراءة ما يقارب عشر كتب منها لم أرجع من قراءتي هذه إلا بقول الله عز وجل (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) لقد قرأت كل ما يقوله الشيخ في هذه الأزمة في الكتب التي ألفها قبل أكثر من عشر سنوات من هذه الأزمة.
وهذا ما سأعرضه في هذا المقال:
ولنبدأ من تربيته التي تلقاه من والده الشيخ ملا رمضان البوطي فنقرأ في كتاب "هذا والدي" المؤلف سنة 1995 - الذي يروي فيه القصة الكاملة لحياة والده - بيان سبب اعتزال والده اللقاءات العلمية بعد أن كان يحضرها:
"كان من أهم الأسباب التي قضت على هذا التلاقي العلمي الدوري بعض الهياجات الغوغائية التي تبرز فجأة كعمل ثوري جاد وخارق ثم ما يلبث أن يضمحل زاهقاً ليودي ويزهق معه تلك الجهود التعاونية الراسخة والمفيدة.
كان أول هذه التصرفات الهياجية سلسلة حفلات هائجة صاخبة تمت في جامع المرابط بالمهاجرين لا تدري كيف نظمت وكيف تم التداعي إليها ثم أعقبها لقاء غوغائي كبير في جامع الأموي تداعى له عامة الناس والسذج الأغرار من الشباب بدافع من التحميس والتهييج دون أن يستبين أحد اليد المحركة أو الفكر المنظم..
وهنا أيضاً لست بصدد الحديث عما أفرزته سلسلة المهرجانات الخطابية الثورية في المرابط أو عما أثمرته الهياجات العاطفية التي تلاقت في الجامع الأموي ولكن المهم هو أن ألفت النظر إلى تلك اللقاءات العلمية الدورية الغوغائية التي استدرج إليها ولا ريب بعض العلماء الذين أدركتهم الصحوة المريرة فيما بعد دون أن تفيدهم شيئاً" الصفحة 130.
ومن ثم يبين في مكان آخر رأي والده في الخروج على الحاكم:
"وكان يقرر ما انعقد عليه جماهير العلماء ودل عليه صريح الحديث الصحيح من أن الخروج على الإمام محرم في كل الأحوال إلا إن تلبس بكفر بواح أي صريح وقاطع" الصفحة 139.
ومن ثم يؤكد على استمراره على نهج والده رحمه الله:
"ذاك هو منهج والدي رحمه الله في الصلة بالحاكم وطريقة النصح له .. وتلك هي وصيته لي رحمه الله ولن أحيد عن هذا المنهج بتوفيق الله وعونه حتى ألقى الله عز وجل أوصي بالخير وأحسن الظن وأشكر على ما قد يتم إنجازه من الحق مبتعداً عن المغانم والمنافع الدنيوية التي قد تلوح من خلال ذلك ولن أفتأ أدعو له -كما أوصانا - بمزيد من الاستقامة على الرشد ما حييت فقارن - رحمك الله - بين هذا المنهج الذي ربانا عليه من لا يشك أحد ممن عرفه في إخلاص سريرته وصفاء قصده ونزاهته عن الدنيا ومغرياتها وبين أولئك الذين بلغ بهم الأمر أن ضاقوا ذرعاً بوصفي لقطرنا العربي السوري بالمؤمن في بعض كتبي لأنه - ربما - يمتد بالسراية إلى رئيسه !!" الصفحة 142.
ثم ننتقل إلى كلامه عن عدم جواز التدخل الأجنبي وآثاره الخطيرة فنجد هذا في:
1- كتاب قضايا ساخنة المؤلف سنة 2007:
"كان لا بد أن ينتهي سلطان الأثرة المادية الذي أفرز الكثير من هياج التنافس والصراع على المال، إلى خصام بين الأشقاء فعداوة فحروب...
وكانت النتيجة المرسومة من وراء ذلك أن تدخل الأجنبي لينتصر للمظلوم ويضرب على يد الظالم. فكان الأجر الذي لا بد أن يناله على تدخله الإنساني هذا، هو أن يفوز وحده بالمال الذي تخاصم عليه الإخوة الأشقاء، ثم أن يفرض عليهم المزيد من إنسانيته، فيبقى فيما بينهم قيّماً على بقية ما يملكونه وما يمكن أن يختصموا عليه من مدخرات وخيرات..!" الصفحة 217.
2- كتاب فقه السيرة النبوية المؤلف سنة 1991:
"واقترح بعض الصحابة الاستعانة باليهود، بناء على ما بينهم من ميثاق التناصر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك)" الصفحة 275.
ومن نفس الكتاب:
"هذا وإنك إذا تأملت في خطوات هذا الكيد المتلصص من المنافقين، وكيفيته ووسائله، علمت أن طبيعة النفاق واحدة في كل عصر وزمان، وأن وسيلة المنافقين لا تتبدل ولا تختلف، وأنهم دائماً في جبنهم الذليل وكيدهم الحقير وفي ابتعادهم عن النور وتعلقهم بالظلام.
فهم الذين دائماً يسجدون بجباههم على أقدام المستعمر الأجنبي ليعينهم في وسيلة حرب ضد الإسلام في بلدهم، حتى إذا انفلتوا إلى بني قومهم من المسلمين المؤمنين، تظاهروا بالإسلام واصطنعوا مظهر الإعجاب به والدعوة إليه، فإذا أمكنتهم الفرصة من خنق حقيقة من حقائق هذا الدين والقضاء على بعض دعاته أعلنوا أنهم يقومون برسالة تطويره وأنهم إنما يقضون على مستغليه من أعداء الأمة !" الصفحة 458.
وبعد ذلك تأكيده على أن الغاية مهما كانت سامية فهي لا تبرر الوسيلة:
"وهي تبين لنا معنى الحكمة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمسك ويتصف بها هل الحكمة أن تضع السياسة التي تراها في سير الدعوة مهما كانت كيفيتها ومهما كان نوعها؟ وهل أعطاك الشارع صلاحية أن تسلك أي سبيل أو وسيلة تراها ما دام هدفك من وراء ذلك هو الحق؟
لا... إن الشريعة تعبدتنا بالوسائل كما تعبدتنا بالغايات فليس لك أن تسلك إلى الغاية التي شرعها الله لك إلا الطريق المعينة التي جعلها الله وسيلة إليها وللحكمة والسياسة معان معتبرة ولكن في حدود هذه الوسائل الشرعية فقط.
والدليل ما رويناه آنفاً، فقد كان من المتصور في باب الحكمة والسياسة أن يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم بالزعامة أو الملك على أن يجمع في نفسه اتخاذ الملك والزعامة وسيلة إلى تحقيق دعوة الإسلام فيما بعد، خصوصاً وأن للسلطان والملك وازعاً قوياً في النفوس، وحسبك أن أرباب الدعوات والمذاهب ينتهزون فرصة الاستيلاء على الحكم كي يستعينوا بسلطانه على فرض دعوتهم ومذاهبهم على الناس.
ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرض سلوك هذه السياسة والوسيلة إلى دعوته، لأن ذلك ينافي مبادئ الدعوة نفسها.
لو جاز أن يكون مثل هذ الأسلوب نوعاً من أنواع الحكمة والسياسة الرشيدة، لانمحى الفرق بين الصادق الصريح في صدقه والكاذب الذي يخادع في كذبه، ولتلاقى الصادقون في دعوتهم مع الدجالين والمشعوذين، على طريق واحدة عريضة اسمها: الحكمة والسياسة.
إن فلسفة الدين تقوم على عماد الشرف والصدق في كل من الوسيلة والغاية. فكما أن الغاية لا يقومها إلا الصدق والشرف وكلمة الحق، فكذلك الوسيلة لا ينبغي أن يخطها إلا مبدأ الصدق والشرف وكلمة الحق.
ومن هنا يحتاج أرباب الدعوة الإسلامية في معظم حالاتهم وظروفهم إلى التضحية والجهاد، لأن السبيل التي يسلكونها لا تسمح لهم بالتعرج كثيراً ذات اليمين وذات الشمال.
ومن الخطأ أن تحسب مبدأ الحكمة في الدعوة إنما شرع من أجل تسهيل عمل الداعي أو من أجل تفادي المآسي والأتعاب، بل السر في مشروعية الحكمة في الدعوة إنما هو سلوك أقرب الوسائل إلى عقول الناس وأفكارهم ومعنى هذا أنه إذا اختلفت الأحوال وقامت عثرات الصد والعناد دون سبيل الدعوة، فإن الحكمة عندئذ إنما هي إعداد العدة للجهاد والتضحية بالنفس والمال، إن الحكمة إنما هي أن تضع الشيء في مكانه.
وهذا هو الفرق بين الحكمة والمخادعة، وبين الحكمة والمسالمة.
وأنت خبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استبشر بما رآه مرة من دلائل إقبال بعض زعماء قريش على فهم الدين، انصرف إليهم بكليته مبتهجاً يكلمهم ويشرح لهم ما يستفسرون عنه من حقائق الإسلام، حتى دعاه ذلك الاستبشار والطمع في هدايتهم إلى أن يعرض عن الصحابي الضرير عبد الله بن أم مكتوم حينما مر فوقف إلى جانبهم يستمع، وأخذ هو الآخر يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك منه عليه الصلاة والسلام حرصاً على الفرصة أن لا تفوته وأملاً في أن يجيب عبد الله بن أم مكتوم في أي وقت آخر.
فعاتبه الله على ذلك في سورة: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) وأنكر عليه اجتهاده هذا، وإن كانت غايته مشروعة ونبيلة، ذلك لأن الوسيلة انطوت على كسر خاطر مسلم أو ما يدل على الإعراض عنه وعدم الالتفات إليه من أجل اجتذاب قلوب المشركين. فهي ليست بمشروعة ولا مقبولة.
والخلاصة، أنه ليس لأحد من الناس أن يغير شيئاً من أحكام الإسلام ومبادئه، أو يتجاوز شيئاً من حدوده أو يستهين بها، باسم اتباع الحكمة في النصيحة والدعوة، لأن الحكمة لا تعتبر حكمة إلا إذا كانت مقيدة ومنضبطة ضمن حدود الشريعة ومبادئها وأخلاقها." الصفحة 127-128.
3- ومن ثم حديثه عن أكبر أداة في إشعال هذه الفتن ألا وهي إحدى القنوات الفضائية المعروفة في كتاب "يغالطونك إذ يقولون" المؤلف سنة 2000
"وما قصة ((الرأي والرأي المعاكس)) التي تصّر عليها قناة تلفزيونية ناطقة باللغة العربية، على أرضنا العربية، إلا واحدة من الأدوات المسخرة لتنفيذ هذه الخطة.
إن الشأن في أجهزة الإعلام الوطنية في مجتمعاتنا، أن تتعرف على الحق من خلال البحث الصادق عنه، فإذا اهتدت إليه تبنته ودعت إليه وسعت إلى إبراز وجه الحق فيه، من خلال ما تعقده لذلك من ندوات وحوارات..أي فهي لا تنطلق في إثارة النقاش حوله من فراغ ورغبة في مجرد بعث التناقضات الممزقة، بل تنطلق من قرار تتخذه وتدعو إليه، ومن ضرورة الالتزام بمبدأ تقتنع به وتدعو إليه، كل ما في الأمر أنها تصقله بالحوار والنقاش وإبراز المزيد من الأدلة التي قد تكون خفية عليه.
أما تلك القناة التي أشرت إليها، فهي تنطلق في المناقشات التي تثيرها من الانتصار لعقيدة ترى أنها الحق، ولا تجعل من برنامجها الحواري دفاعاً عن مبدأ تعتنقه، وتدعو إليه، وإنما تنطلق من فراغ كلي تجاه المشكلة التي تثيرها، مع التوجه إلى هدف خفي معين، هو إبعاد المتخالفين في إي قضية من القضايا عن إمكانية التلاقي على جامع مشترك، وتحويل كل القيم والمبادئ الإسلامية التي تشكل النسيج الواقي للمجتمع الإسلامي، إلى رؤى ضبابية وتناقضات فكرية حادة، تمزق الرؤية الإسلامية الواحدة، وهي الوصية التي ألح تقرير مجلس الأمن القومي الأمريكي على تنفيذها في المجتمعات العربية والإسلامية." ص 335.
4- وبعد هذا وذاك ننتقل إلى الكتاب الأهم في هذا الموضوع وهو كتاب "الجهاد في الإسلام" المؤلف سنة 1993 فنرى فيه ما يلي:
تنبيهه إلى الفرق الكبير بين الثورة والجهاد:
"وأهم ما نأمل الوصول إليه من الثمرات العلمية لبحث خطير كهذا، هو التنبه إلى الفرق الكبير بين الجهاد الذي جعله الله شرعة باقية إلى يوم القيامة، والثورة التي راجت سوقها في هذا العصر والتمع اسمها في أذهان كثير من الشباب. والتنبه في الوقت ذاته إلى الفرق بين السلم الحقيقي الذي هو واحد من أهم العوامل الدافعة إلى شرعة الجهاد، والسلم الاستسلامي الخادع الذي يبتغى منه القضاء على شرعة الجهاد، وخنقه دون ضجيج في جنح ليل الظلام." الصفحة 27.
رفضه الدخول في العمل السياسي وسبب ذلك:
"قيل لي ذات يوم: ألا ترى أن من الخير إضافة كرسي إلى كراسي الجبهة الوطنية التقدمية في سورية اليوم؟ وكانت الإشارة إلى كرسي يمثل القوى الإسلامية في القطر، وكانت الإشارة الثانية، ربما، إلى أن أكون أنا الممثل لهذه القوى الإسلامية.
قلت: عندما ينصب هذا الكرسي باسم القوى الإسلامية، على صف هذه الجبهة، يكون ذلك إيذاناً بأن الإسلام قد تقاسم مع أعضاء هذه الجبهة النفوذ والسلطان في القطر، ومعنى ذلك أنه قد فاز من ذلك بنصيب الخمس أو السدس.
وذلك إعلان ضمني بأن علاقة الإسلام ببقية أعضاء الجبهة قد غدت علاقة تنافس سياسي، تماما كعلاقة أي من الأعضاء الآخرين بالبقية !..وهذا في الحقيقة تقليص لسلطان الإسلام وحكمه، ثم تحجيم له، بل سعي إلى القضاء عليه.
إن الإسلام، في الواقع الملموس، هو القدر المشترك الذي يجب أن يجمع بين أعضاء هذه الجبهة، إن لم يكن عن قناعة دينية، فبالانتماء التاريخي والحضاري والقومي. تماماً كالهوية المشتركة المتمثلة في انتسابهم جميعاً إلى هذا القطر الإسلامي العربي العتيد.
فإذا كان الإسلام يؤلف بينهم جميعاً، كما يؤلف المعصم الواحد بين الأصابع الخمسة المتعددة، فمنذا الذي يرضى أن يرجع ثم يرجع إلى الوراء، ليجعل من هذا المعصم الجامع إصبعاً مجاورة أخرى؟ منذا الذي يرضى أن يحيل القدر المشترك إلى ند وقسيم؟!..
أما الآن، وأنا البعيد عن مزاحمتهم على المطامع والمغانم..القريب من مشاعرهم الإيمانية وفطرهم الإسلامية، فإن بوسعي أن أحاور فيهم جميعاً هذا القدر المشترك، دون أن تكون بيني وبينهم أي فجوة فاصلة أو جسور مقطعة.
والمأمول عندئذ أن تحقق الدعوة غايتها وأن يثمر الحوار أهدافه، إن سار كل منهما على نهج سليم صاف عن شوائب المصالح والأغراض.
ولكن أي خير من حواري معهم ودعوتي إياهم، عندما أجدني أجلس منهم مجلس الند من الند، وأتجاذب معهم القضايا والمشكلات المختلفة مجاذبة المتربص الذي يسعى إلى تطفيف أرباحه على حساب الآخرين؟
بل لن يكون هناك وقت للدعوة والتعريف بحقائق الإسلام في غمار هذه المنافسات الأخرى التي من شأنها أن تستقل بالفكر والجهد كله
هذا مثال واقعي عرضته. وهو نموذج لسائر الحالات المشابهة.
وصفوة القول أن الدعوة إلى الله عبادة بل عبودية ضارعة لله. يتجه بها الداعي إلى عقول الناس وقلوبهم، لإقناع الأولى بالحق، وتطهير الثانية من الأدران والآفات. وإنما ينهض المجتمع الإسلامي على عقول تؤمن بالحق وتذعن له، وقلوب اتجهت إلى الله بالخوف منه والحب له.
فأما التكتيكات الحركية التي يخوض أصحابها ساحة منافسات ومسابقات إلى كراسي الحكم ومراكز النفوذ، فهي أبعد ما تكون عن حقيقة الدعوة التي أمر الله بها في محكم كتابه، وأكدها رسول الله في وصاياه وأحاديثه. وذلك بقطع النظر عن قيمة هذه الأنشطة الحركية وضرورتها أو مدى الحاجة إليها." الصفحة 66-67.
السبيل إلى قيام مجتمع إسلامي:
"وهل الإسلام حكم يستقر على عرش، أم قناعة تسري إلى القلب؟
لو كان السبيل الإسلام إلى المجتمع متمثلاً في امتلاك زمام الحكم، إذن لما أعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دعي _بصدق إليه_ يوم فاوضته قريش أن يكون هو الملك عليهم والمتنفذ فيهم، على أ، يتحول عن محاورتهم بشأن الإسلام ويقلع عن دعوتهم إليه.
لقد علمتنا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطبيعة هذا الدين، وواقع التاريخ، وتجارب الربانيين والدعاة إلى الله، أن العرش الذي يتربع عليه الإسلام هو الأفئدة والعقول، ثم إنه يستقر بعد ذلك نظاماً وأخلاقاً في المجتمع، ثم إنه يعلو بأصحابه ليستقروا _حفظة له _ على كراسي الحكم." الصفحة 18.
"والشيء الثاني، هو ما كنا ولا نزال نؤكده، من أن السبيل إلى القيام المجتمع الإسلامي وسيادة حكمه، لا يتمثل في انتهاز فرصة ديمقراطية سانحة، للتسلل عندها إلى الحكم، أو في انتهاز قوة متوافرة نفرض بها الإٍسلام من خلال ثورة عارمة، حتى يضطرنا الأمر إلى إغلاق منافذ الحريات لبسط الهيمنة الإسلامية وسوق الناس إلى التقيد بأنظمته وحكمه.
وإنما السبيل إلى سيادة الحكم الإسلامي والخضوع لسلطانه، هو بث القناعة بالإسلام وعقائده في عقول الناس وأفكارهم، وأخذهم بالتربية الإيمانية عن طريق بث بذورها وعواملها في نفوسهم، والثبات على ذلك في صبر لا يكل.. فإن مآل ذلك أن تنتشر الهداية في العقول والتزكية في النفوس، ولسوف يمتد من ذلك إشراق إلى الحكم برجاله وأجهزته.فيتجه الكل عندئذ إلى الانصياع لأمر الله طوعاً، ويهيمن الإسلام وحكمه عن رضاً واختيار." الصفحة 218.
انتقاده ورفضه للأحزاب الإسلامية التي تستميت للوصول إلى الحكم:
"سيظل بعض الناس يسألون في تعجب واستنكار: وأي مانع من أن يكون الإسلاميون والدعاة إلى الله، يسعون كأمثالهم إلى نيل حقهم في القيادة والحكم؟ أوليسوا أولى من غيرهم بذلك؟
والجواب: أن عليهم في مرحلة دعوتهم إلى الله والتعريف بدينه، أن يعرضوا عن الحكم وأهله، حتى لا تشوب هوياتهم الإسلامية شائبة قصد سياسي فتزول ثقة الناس بهم. فإذا تغلب الخير وشاع الالتزام بدين الله في المجتمع، اصطبغ الحكم آلياً بصبغة الإسلام ونظامه. فإذا ظلت رغبتهم مع ذلك باقية في بلوغ الحكم، فهم إذن طلاب مغنم دنيوي لا طلاب جهاد إسلامي" الصفحة 195
فصل أفرده لبحث "الخروج على الحاكم أهو بغي أم حرابة أم جهاد":
وسلك في هذا الفصل سبلاً رائعة من تفنيد الحالات والإحاطة بأقوال العلماء والـتأكيد على رأي الجمهور منهم واعتماده وهو من الصفحة 147 إلى الصفحة 200 وتناول فيه موضوعات مرتبطة في هذا الموضوع مثل: " قتل أعوان الظلمة " و"مسألة التترس" ومسائل أخرى ذات أهمية كبيرة يستجب العودة إليها في الكتاب
وفي نهاية الكتاب تحدث عن السبيل التي سلكها في تأليف هذا الكتاب
"بقي أمران اثنان يجب أن أنبه إليهما في خاتمة هذا الكتاب:
الأمر الأول: أنني لم أعتمد، في شيء مما ذكرته في هذه الفصول،على أي اجتهاد شخصي لي لأخالف به حكماً اعتمده الجمهور. فلقد كنت في كل ما فصلت أو حللت متبعاً، لا مجتهداً مخالفاً، وإذا عثر القارئ على اجتهاداً لي في فهم نص أو في التوفيق بين نصين، وحكمين اثنين، فقد كان كل ذلك اجتهاداً في تأييد ما ذهب إليه أئمتنا الأعلام، أو دعم ما انتهى إليه الجمهور منهم. ولن يعثر القارئ من ذلك - بحمد الله - على ما يمكن أن يتخذ سبيلاً إلى رأي مخالف أو ابتداع مذهب جانح.
الأمر الثاني: أنني لست أمير جماعة إسلامية، ولا صاحب مأرب سياسي، ولا ذا رغبة في سوق الناس إلى الإسلام بعصا الحكم. وإنما أنا واحد ممن ينشدون وحدة الأمة على كل الدرجات والمستويات، حلمي الكبير الذي تقربه عيني أن أجد المسلمين جميعاً يتفيؤون بسلوكهم وعواطفهم الصادقة ظلال (إنما المؤمنون إخوة)" الصفحة 247.
وفي الختام أود أن أقول أن كلام الشيخ ورأيه في هذه الأزمة ليس وليد هذه الساعة وإنما هو منهج سار عليه لا يعتمد فيه على رأي شخصي استوحاه من حصيلة فكره ولا على وحي ألقي إليه وإنما هو منهج رسمه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلكه العلماء الربانيون من بعده وبعدا هذا التفصيل والبيان أسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وأن يطهر قلوبنا من كل وصف يباعدنا عن محبته ومشاهدته وأن يديم علينا عين عنايته وأن يختم حياتنا بأحب الأعمال إليه حتى نلقاه وهو راض عنا والحمد لله رب العالمين.

تحميل



تشغيل