مميز
الكاتب: عبد الكريم المدني
التاريخ: 03/11/2012

من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

مشاركات الزوار

من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).
الحكم الذي تتضمنه هذه الآية، هو:
النهي عن استثارة أصحاب المنكر - باسم الإنكار عليهم - إلى الوقوع في مضاعفات أو منكرات أخرى.
كأن يسب المؤمن ما يعبده الآخرون من دون الله تعالى من أوثان وآلهة أخرى، فيعمد هؤلاء إلى سبّ الله تعالى بدافع من المغايظة والعصبية الجاهلية.
فهذه الاستثارة لا تعتبر في حكم الشريعة الإسلامية من قبيل أمر بالمعروف ولا نهي عن منكر، وإنّما هي ذريعة إلى الوقوع في محرم، وقد أمر الله تعالى بسد الذرائع إليها وإن بدت في ظاهر الأمر وأوله غيرة مبررة على حرمات الله.
والحكمة من ذلك واضحة فإنّما الغاية التي شرع من أجلها مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إشاعة الحقّ في المجتمع وإزالة الباطل عنه بقدر الإمكان، وذلك عن طريق النصيحة لدين الله عزّ وجلّ، وإنّما يتم ذلك ضمن جو من الصفاء النفسي عن الأغراض والأهواء والضغائن، وبأسلوب موضوعي يستهدف مخاطبة الفكر والعقل ولا يتجه إلى جرح الشعور والنفس، وفي وقت لا يخشى فيه من الفضيحة والتشهير...
ففي هذه الحالة وحدها، يشرع مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعامة المسلمين، أمّا في الحالات المخالفة الأخرى فإن التلبس بذلك لا يعدو أن يكون فتحاً لذريعة الشرّ في أي شكل من أشكاله، وهو لا يرضاه الله سبحانه وتعالى...
ومن أجل ذلك كانت ضرورة النظر في آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشدّ من ضرورة اقتحام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كيفما كان السبيل. !!
بل كثيراً ما يكون الاقتحام في حقيقته عند الله تعالى أشد من المنكر الذي يراد إزالته.
إنّ الذي يفجؤه المنكر في طريقه أو عند جاره فينقض إلى إنكاره في غير الحالة والشروط التي أوضحناها، فيستثير بذلك صاحب المنكر إلى الإيغال في منكره أو إلى التمادي فيه، إنّما يتولى كبره في الحقيقة ذاك الذي زعم أنّه سعى إلى إنكاره، فيرتكب بسبب ذلك إثم المشاركة فيه بعد أن كان مرجواً له الثواب والأجر على إزالته.
وأهمّ ما يجب على المسلم ملاحظته في هذا الصدد، هو التفريق بين الغضب لله تعالى والغيرة لدينه، والغضب للنفس وحب الانتصار لها.
إنّ كثيراً ممن يريدون إنكار المنكر ينساقون إلى ذلك بدافع من الانتصار للنفس أكثر من دافع الانتصار لدين الله تعالى، وهو لا يخفى على الطرف الآخر فتكون نتيجته الاستكبار والعناد.
كم من أستاذ يرى من بعض تلامذته منكراً دينياً يجاهر به أمامه، فيستشيط غضباً ويتميز غيظا إذ يشعر أن في ذلك جرحاً وإساءةً لمركزه الديني المرموق وأنه ليس إلا تعبيراً عن السخرية به والتهوين من شأنه فينحطّ في صاحب ذلك المنكر إيذاءً وضرباً وينفذ فيه أعلى درجات الإنكار من أجل دين الله، وهو في الحقيقة إنّما يفعل ذلك من أجل نفسه !! ويعلم ذلك منه التلميذ فلا يزداد إلا بغياً وعناداً..
وكم من ذي مظهر دين يرى بالشارع من يجاهر أمامه بالإفطار في شهر الصوم مثلاً، فيذهب به الغضب كل مذهب، إذ لا يشكّ أنّ الرجل إنّما فعل ذلك مغايظة لمظهره الديني، فيفعل كل ما يساعده الظرف على فعله وهو لو لم يكن في هذا المظهر الديني وعلم أنّ صاحب المنكر لم يكن يعنيه في ممارسة المنكر، لما اهتم لذلك ولا التفت إليه ..!
مثل هذه الدوافع النفسية تجرف صاحبها إلى طريقة غير مشروعة ولا مجدية في الإنكار والتعليم، فتكون بذلك ذريعة إلى شرّ أكبر ومنكر أعظم ..!
وعلى المسلم الصادق في إسلامه إمّا أن يسكت في هذه الحالة فلا يتلبس بأمر يعلم أنّه غير مخلص لله فيه، وإمّا أن يعلو عن حظّ النفس وأغراضها فيسلك إلى ذلك سبيله المنتج المشروع غير عابئ بشيء سوى الانتصار لدين الله تعالى..
وهذه الآية ومثلها كثير في القرآن هي التي نبهت علماء الشريعة الإسلامية إلى أساس تشريعي عظيم هو ما يسمى بمبدأ سدّ الذرائع.
المصدر:
كتاب حُكم وحِكمة للعلامة الشيخ محمّد سعيد رمضان البوطي حفظه الله تعالى

تحميل



تشغيل