مميز
الكاتب: الدكتور أسامة السيد الأزهري
التاريخ: 01/11/2012

كيف تصرف الإمام العز والإمام النووي في ظروف شبيهة بظروفنا اليوم

مقالات

كيف تصرف الإمام العز والإمام النووي
في ظروف شبيهة بظروفنا اليوم
الدكتور أسامة السيد الأزهري
عاش الإمام العز بن عبد السلام في ظروف عصيبة جداً، وفى فترة حالكة من تاريخ هذه الأمة، حيث حصل الاضطراب السياسي الهائل، والتدهور الاقتصادي المروع، وحصل التراجع الحضاري المدوّي، حتى عاش رضي الله عنه فترة شبيهة جداً بظروف أمتنا في زمننا هذا، فقد ولد سنة 577هـ، وعاش في دمشق، حتى رأى تسليم السلطان الصالح إسماعيل لمدينة صيدا إلى أيدى الصليبيين، فأنكر عليه جداً، وخرج إلى مصر سنة 639هـ، فرأى بعينيه نزول الصليبيين إلى مصر، واحتلالهم للمنصورة ودمياط وغيرها من مدن مصر سنة 646هـ، وعاش حتى رأى سقوط بغداد على أيدي التتار، سنة 656هـ.
فما أشبه الليلة بالبارحة، وقد احتلت إسرائيل فلسطين وأعلنت قيامها رسمياً سنة 1948م، واجتاحت أمريكا بغداد، كما دخلت دخولاً مُقَنَّعاً أو صريحاً إلى عدد من العواصم العربية والإسلامية، وسبق ذلك اتفاقيات سايكس بيكو سنة 1916م التي تم بموجبها تقسيم الهلال الخصيب أو بلاد الشام، وما صاحب ذلك كله من انهيار حضاري، وتراجع مهين، ملأ قلوب الأمة وأجيالها يأساً، وإحباطاً، وصدمة، وفقداً لليقين في كل شيء، وارتباكاً ذهنياً ومعرفياً وحضارياً لا مثيل له، فهي الأحداث بعينها، على نفس النحو الذي وقعت به في أيام العز بن عبد السلام، لكن اختلف حال الرجال في التعامل مع الحدث.
كما أن الإمام النووي أيضاً ولد سنة 631هـ، فلما دخل التتار إلى بغداد سنة 656هـ كانت سنه خمساً وعشرين سنة، أي أنه شهد الكارثة وهو في عنفوان شبابه، وأشد أوقات تحصيله العلمي، وتكوينه المعرفي، وكان مقيماً في الشام، في الوقت الذي كان فيه العز بن عبد السلام في مصر قد بلغ التاسعة والسبعين من العمر، وعاش بعدها أربع سنوات أخرى، فكيف كان وقع هذه الأحداث الهائلة على هذين الإمامين.
لقد شغلني لفترة طويلة كيفية معايشة أولئك الأئمة المشهود بإمامتهم وجلالتهم لأحداث الانكسار والهزيمة والانهيار، كيف استوعبوا صدمات زمانهم، وكيف تجاوزوا صدمة المعرفة، وكيف خرجوا من حالة اليأس والإحباط والضياع والعدمية، وكيف كانوا نقاط تحول في تاريخ أمتهم، وكيف صمدوا في أوقات الانهيار العسكري والحضاري حتى نهضوا بالعلم، وتبحروا فيه، وأخرجوا المؤلفات الجليلة، التي لا نظير لها، والتي حفروا بها في تاريخ العلم، وكيف تصدوا في الوقت نفسه للشأن العام في زمانهم، وعرفوا الأمراء والسلاطين والأعيان، فما كانوا إلا مصدر بصيرة، وحكمة، وكانوا في غاية المقدرة على إدارة الأزمات.
وكان لهم نظر سديد في شؤون الاقتصاد، وترتيب مصادر الدخل لخزانة الدولة، ومتابعة الشؤون العسكرية، وكانوا في الدرجة العليا من الربانية والجلالة، حتى وقعت لهم الهيبة في القلوب، ووجدت الشعوب فيهم ملجأ وحصناً، حتى صار أولئك الأئمة رحمة وسكينة وراحة على الدول والأمم والشعوب، ونهضوا بها معرفياً وإدارياً، وحولوا مسارات الهزيمة إلى استيعاب وامتصاص للصدمة، واجتياز لها ولآثارها النفسية.
فحرصتُ لكل هذا على لفت نظر الخبراء والدارسين لتلك النماذج الرحيمة الحكيمة الشجاعة من الأئمة، بخلاف كثير من الناطقين باسم الدين في زماننا هذا، ممن كانوا على الخلق فتنة وغلظة وفظاظة، وحيرة وضياعاً، حتى تزلزل دين الله تعالى في قلوب عدد من الناس بسبب ما يرونه من تصرفات طائشة، تحركها نفوس مظلمة، ليس فيها أدنى بصيص من أنوار المعرفة بالله، ولا البصيرة بطبائع الناس، ولا رصانة مواريث النبوة، ولا الفهم الرفيع لمسالك نهوض الأمم، ولا التصدي للشأن العام بما يرفع عن الناس الحرج، ويريهم أنوار النبوة وكيف تستنير بها عقول أهل العلم.
لقد عاش الإمام العز بن عبد السلام في مصر، وكانت تربطه صحبة عميقة، وأخوة صافية بالإمام زكي الدين المنذري، إمام أهل مصر في علوم الحديث النبوي، وبالإمام أبى الحسن الشاذلي، شيخ الزاهدين، وإمام الأولياء في زمانه، والإمام محيى الدين بن سراقة، وابن دقيق العيد، والقرافي، وكانوا جميعاً ينزلون إلى خيام الجنود، ويشاركون في تدبير موارد الدولة، فما زادتهم الكوارث إلا بصيرة وحكمة وهداية، وما صنعت الكوارث من الإمام النووي إلا إماماً متبحراً في الفقه والحديث.
فيا معشر الشباب، كوِّنوا مجموعات بحثية تدرس وتناقش كيفية تعامل أولئك الأكابر مع الأزمات والكوارث، افتتحوا عشرات الصفحات على "الفيس بوك" لمناقشة مناهج أولئك العباقرة في صناعة الحضارة، وبناء الدولة، وكيف اعتصروا علوم الشريعة فصنعوا نهضة، وكيف كانوا على الخلق رحمة وراحة.
منقول للفائدة

تحميل



تشغيل