مميز
الكاتب: عبد الكريم المدني
التاريخ: 22/10/2012

لماذا لم يشغل بديع الزمان النورسي فكره بالحرب

مشاركات الزوار
لماذا لم يشغل بديع الزمان النورسي فكره بالحرب
بديع الزمان النورسي
سألني يوماً إخواني الذين يتولون خدمتي قائلين:
لقد أخذت الحرب العالمية باهتمام الناس وشغلت الكرة الأرضية وأوقعتها في اضطراب وقلق وهي ذات علاقة بمقدرات العالم الإسلامي إلا أننا نراك لا تسأل عنها رغم مرور خمسين يوماً على نشوبها - بل سبع سنين - في الوقت الذي نرى متدينين وعلماء يدعون الجامع والجماعة مهرعين إلى استماع الراديو، فهل هناك قضية أعظم منها تشغل بالك؟ أم أن الانشغال بها فيه خسارة وضرر ؟!
فأجبتهم:
إن رأس مال العمر قليل ورحلة العمر هنا قصيرة، بينما الواجبات الضرورية والمهمّات التي كلّفنا القيام بها كثيرة، وهذه الواجبات هي كالدوائر المتداخلة المتحدة المركزة حول الإنسان فابتداءً من دائرة القلب والمعدة والجسد والبيت والمحلة والمدينة والبلاد والكرة الأرضية والبشرية وانتهاءً إلى دائرة الأحياء قاطبة والعالم أجمع، كلّها دوائر متداخلة بعضها في البعض الآخر فكلّ إنسان له نوع من الوظيفة في كلّ دائرة من تلك الدوائر، ولكن أعظم الواجبات وأهمها بل أدومها هي بالنسبة له في أصغر تلك الدوائر وأقربها إليه، بينما أصغر الواجبات وأقلّها شأناً ودواماً هي في أعظم تلك الدوائر وأبعدها عنه، فقياساً على هذا يمكن أن تتناسب الوظائف والواجبات تناسباً عكسياً مع سعة الدائرة، أي كلّما صغرت الدائرة وقربت عظمت الوظيفة، وكلّما كبرت الدائرة وبعدت قلّت أهمية الوظيفة، ولكن لمّا كانت الدائرة العظيمة فاتنة جاذبة، فهي تشغل الإنسان بأمور غير ضرورية له، وتصرف فكره إلى أعمال لا تعنيه بشيء، حتى تجعله يهمل واجباته الضرورية في الدائرة الصغيرة القريبة منه فيهدر عندئذ رأس مال عمره ويضيع حياته سدى، زد على ذلك قد يميل قلبه وينحاز إلى إحدى الجهتين المتخاصمتين لتتبعه بلهفة أخبار الحرب الطاحنة بينهما فلا يجد في نفسه إنكاراً لمظالم تلك الجهة، بل يرتاح إليها ويكون شريكاً في ظلمها!
أمّا الجواب عن النقطة الأولى فهو:
إنّ أمام كلّ إنسان ولا سيّما المسلم مسألة مهمّة وحادثة خطيرة هي أعظم من الصراع الدائر بين الدول الكبرى لأجل السيطرة على الكرة الأرضية، تلك المسألة هي من الأهميّة والخطورة ما لو امتلك الإنسان العاقل قوّة الألمان والإنكليز وثروتهما معاً، لما تردد في أن يضعها كلّها لأجل كسب تلك القضيّة المبتغاة، تلك القضية التي أعلنها مائة ألف من المصطفين الأخيار، ورفع رايتها ما لا يحد من نجوم البشرية ومرشديها المستندين إلى آلاف من مواثيق ربّ العالمين ومن وعوده وعهوده، بل لقد شاهدها قسم منهم عياناً، تلك القضيّة قضيّة مصيرية للإنسان وهي:
أن يكسب الإنسان بالإيمان أو يخسر من ودونه ملكاً عظيماً خالداً ومساكن طيّبة
في جنات عدن عرضها السماوات والأرض، فمن لم يفز بشهادة الإيمان ولم يرعها حقّ رعايتها فسوف يضيع حتماً تلك القضية ويخسرها، وذلك هو الخسران المبين، ولقد ضيع الكثيرون في عصرنا هذا ممن ابتلوا بطاعون المادية قضيتهم هذه حتى كشف أحدهم وهو من أهل العلم والكشف وشاهد أنّ أفراداً قلائل فقط من كلّ أربعين شخصاً - في مكان ما - هم الذين نجوا بإيمانهم في سكرات الموت وختمت حياتهم بالحسنى، أمّا الباقون فهلكوا !
ترى لو عُوّض أحد هؤلاء سلطان الدنيا ومُلكها وزينتها بديلاً عن تلك القضية
العظمى، أفيكون هذا البديل كفؤاً لما فاته ؟! أو يسدّ مسدّه في حال من الأحوال ؟! كلا !
ولهذا فنحن معاشر طلبة النور نعلم يقيناً، أن ترك خدماتٍ عظيمةٍ تُكسبُ لنا تلك القضيةِ، وإهمالِ مُهِمَّاتِ وكيلِها الذي يصونها - أي القضية - تسعين بالمائة، والانشغال عنها بما لا يعني من أمور خارجية واهتمامات تافهة كأن الدنيا خالدة، ما هو إلا من سخافة العقل وجنونه ..!!
فنحن على يقين تام واطمئنان كامل من هذا، لذا لو ملك أحدنا عقلاً وإدراكاً للأمور أضعاف أضعاف ما يملكه الآن لبذله كلّه فيما يلزم تلك القضيّة وفي سبيلها.

تحميل



تشغيل