مميز
الكاتب: د. وهبة الزحيلي
التاريخ: 21/10/2012

ثقافتنا وأفكارنا بين الانتقاء والتبعية

مقالات
ثقافتنا وأفكارنا بين الانتقاء والتبعية
د. وهبة الزحيلي
تماسك الشخصية:
إن من أخطر الأمراض الاجتماعية الفكرية التي يرزح بها جيلنا الحاضر:
هو تشتت الأفكار والآراء. وتضارب الثقافات، وتناقض الشخصيات، واهتزاز القيم الأخلاقية والدينية، فلا المسلم مسلم بحق، ولا العربي عربي بحق، ولا المتعلم في الغرب صحيح العلم، ولا المثقف في الشرق واضح الثقافة. والطالب في أي بلد عربي غير محدد الفكر ولا منسجم الرأي ولا سوي السلوك أو معروف الهدف، أو واضح الطراز والسلوك. والرجل العادي تائه الفكر، فوضوي المعيشة، مضطرب النفس، يرتمي تحت رحمة الأقدار أو وطأتها بسبب جهله أو تعقد بيئته التي يعيش فيها، دون تخطيط ولا تنظيم ولا تقدير لأهمية وجوده ومسؤوليته في وطنه.
وهكذا أخلاط وشوائب، ومنازع وتيارات تغزو المجتمع العربي والإسلامي، فتزرع في رؤوس الفتيان والفتيات جملة متعارضة متضاربة من الآراء الدخيلة، والمشاعر المسمومة المستوردة، والعواطف المخربة المستعارة، والفلسفات المبتورة، مما يجعل المواطن العادي دائراً في متاهات الحوادث، وتوافه الأمور، وزخارف الأشكال المبتورة، مما يجعل المواطن العادي دائراً في متاهات الحوادث، وتوافه الأمور، وزخارف الأشكال السطحية، تاركاً ما يجب فعله ويرجى خيره، ولا يستغنى عنه بحق. وتلك أخطر آفات الانحلال والاضمحلال والضياع في شخصية الفرد وذات الجماعة.
ويظل المخلص يذوب ألماً، ويتأوه ضجراً وحيرة وقلقاً، ولا يجد حلاً أو منفذاً، لأنه مقصوص الجناح، بعيد التأثير في الحياة العامة، وكأنه غريب عن بلده وأهله وعشيرته، فإن تكلم اتهم بالغفلة والخرق، أو بشرود الخيال وعدم الواقعية.
وتمر الأحداث وتمضي السنون في سهاد طويل، وركود عميق عن إدراك المخاطر الخارجية والداخلية، ويعظم الخطر من تردي أوضاع الأمة وخسارة مصالحها، وذوبان ذاتيتها، وعدم مبالاتها لما يجري أو سيجري في المستقبل.
وأسباب ذلك تنحصر في أمرين:
أولهما: الغزو الاستعماري المركّز للأفكار والثقافة والمشاعر العربية والإسلامية، من طريق الوسطاء واللجان الدولية والقرارات العالمية، والمبشرين والمستشرقين والمستغربين، وبمختلف وسائل الإعلام الصحفية والإذاعية والمجالات الدورية الأسبوعية، وبتلقين بعض الطلاب والعملاء أفكاراً يروجونها في الأوساط العامة، فضلاً عن العناية الخاصة الموجهة نحو تربيته نوعيات معينة على موائد الفجور والحياة الرخيصة في بلاد الغرب أو الشرق، ليكونوا عدة المستقبل الذين يقودون البلاد على وفق الخطة الموضوعة سراً، وبقالب مرضٍ مزيف في أذهان العامة أو الجماهير.
ويهيئ الأعداء لقبول الخطط المرسومة بوسائل مختلفة، أهمها زرع التناقضات والعدوات، وإفقاد الثقة والطمأنينة بين الناس، وبث الدعايات التي تسلب الأمة كل مقوماتها الشخصية، وكل أسباب الحياة الكريمة فيها، وشد الأنظار نحو مظاهر الحياة الحديثة، والبعد عن كل أسباب التقدم الحقيقة، وادعاء انفراد أهلها بكل تقدم علمي أو طبي أو حربي أو سياسي أو ثقافي أو أدبي أو لغوي، والتشكيك بعدم مقدرتنا على شيء من ذلك، وبكل تراث إسلامي – عربي صميم، ومحاولة قطع كل صلة بين هذه الأمة وتاريخها، وطيّ ما لها من سبق حضاري، أو مشاركة في ركب التقدم العالمي.
والسبب الثاني لأخطار أمتنا العربية: هو محاولة إبعاد دور الإسلام الحضاري عن التأثير في مسرح الحياة وتوجيهها، وعزل كل تعاليمه أو مبادئه عن التأثير في حياة الفرد والمجتمع وحضارة الأمة وقصر مفهوم (الدين) بالمعنى المسيحي على المسجد أو الزوايا والتكايا.
والحقيقة الناصعة: هي أن تشريع الإسلام الخالد قدم للبشرية منهجاً كاملاً عن الفكر والحياة والكون والإنسان والمجتمع والحضارة، وهو منهج القرآن الأمثل القائم على الفطرة السليمة، والإنسانية الرحيمة والذاتية المعطاءة الخبرة، والاستفادة الصالحة من تجارب الآخرين، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه الحاكم وغيره: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله). وأعلن القرآن المجيد غايته الرفيعة، فقال الله تعالى: (قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).
من واجبنا إذن: الآن العمل على تقديم الخدمات الصحيحة للمجتمع، والإعلاء من شأنه، والدفاع عن حقوقه، وأداء واجباته، حسبما يتطلب واقع الحياة والزمان المتطور. ومن واجبنا أيضاً: الحفاظ على شخصية الأمة من الذوبان والتبعية، بتوحيد أفكارها ومنطلقاتها، ومتابعة مسيرتها نحو تحقيق المجد والرفعة وتربية أبنائها على أساس من هدي السماء.
طبيعة فكر المسلم:
إن فكر المسلم فكر بناءً مستقل، غير مقلد ولا تابع، لأنه فكر نابع من عطاء الوحي الإلهي، ومستمدة من صحوة العقل الذي استنار بنور الله، وليس هناك بعد الإيمان، والعافية أو الصحة نعمة أجلّ ولا أفضل ولا أعلى ولا أكمل، من نعمة العقل السديد، بالعقل والوعي والمقارنة، أدرك الإنسان صدق الأنبياء والمرسلين المعتمدين في إثبات نبوتهم على المعجزات الخارقة للعادة بتقدير الله، وبالعقل وحده كرم الله الإنسان، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) أي بالعقل. وبالعقل والتفكير تتقدم الأمم والجماعات والأفراد، وترتقي مدارج العز والكمال، وبالعقل نوازن بدقة بين الأشياء، فنحكم على الآخرين، كما يحكم القاضي النزيه الحر العدل بعقله الكبير على المتخاصمين لإحقاق الحق وإقامة العدل، وفصل الخصائم والمنازعات، وبالفكر الهادئ والقلب الواعي نميز بين ما صح من الدين وصلح، وبين ما تبدل وتغير وفد، فإن الفكر السليم أو العقل الناضج يلتقي تماماً مع الدين السماوي، ولا يعارض الدين العقل أو العلم الثابت بحا ما، كما لا يصادم العقل ديناً صح، ووحياً نزل من عند الله.
وفكر المسلم لا ستعمله إلا في خير وعمران وحق، ولا يتراءى إليه أصلاً توجيهه إلى شر وضلال ودماء وحراب، لأنه من آثار الرحمن، والرحمن رحيم بكل مخلوقات السماء والأرض.
وفكر المسلم لا يقتصر على منحى دون آخر، وإنما هو شامل لكل مجال، منفتح بعيد الأفق، واسع الرحب، فالمسلم كما يفكر في شؤون الدنيا، ومصالح الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يفكر في شؤون الآخرة والمستقبل، والحساب والجزاء، والخلود الدائم إما في نار جهنم، وإما في جنان الخلد، فلا شر بعد شر النار، ولا خير بعد خير الجنة.
وفكر المسلم ذاتي مستقل غير تابع ولا مقلد، كما هو شأن شريعته ودينه، لتحقيق استقلال الشخصية، لا تبعية فيها ولا تقليد، وقد تضافرت الآيات التي تندد بمواقف المقلدين والأتباع للآباء والأجداد، كما وصفهم الله تعالى بقوله: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) والأمة هنا: الطريقة والدين. وقال الله تعالى أيضاً حاكياً فعل الأتباع المشركين غير العقلاء: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ).
وأكد النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذاتية الفكر والسلوك، فقال فيما رواه الترمذي: (لا تكونوا إمّعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا أظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا) والأمعة: الذي يتابع كل ناعق ولا رأي له.
ونعى القرآن الكريم على أولئك الذين يعطلون استخدام الحواس والعقل أو موهبة الفكر، لتظل شجرة النتاج مثمرة دائماً، وذات خير مستمر، في ظلها وحضرتها ونفعها، فاستحقوا بهذا التعطيل الإصلاء في نار جهنم، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ).
ومما تجب الإشارة إليه في مجال إعمال الفكر: أن العوام أساؤوا فهم عقيدة القضاء والقدر، وكأنهم يريدون تعطيل نعمة الفكر التي أنعم الله بها عليهم، فيزجون بأنفسهم في مواطن الهلكة والسوء، أو الشبهة والشك، أو في تيار المخاطر والمخاوف، ظانين أن ما قدِّر كائن بدون روية ولا اختيار منهم، مع أن الله سبحانه نبه عباده فقال: (وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ) (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فالعكس من تصور العامي هو الصحيح.
والتزام حدود الشرع ومعاييره في توجيه الفكر، ووضع الضوابط له: مؤدّ لا شك إلى الحق والخير والرشاد، إذ لا تصادم - كما تقدم - بين الشرع والعلم والعقل الصحيح وما أجدر الإنسان الذي يصيخ بفكره للحق الأبلج والنور الألمع والهدى، لأن الفكر مهما أوتي صاحبه من عبقرية، يظل قاصراً محدوداً ضيق الأفق، وعرضة للأخطار، فإذا ما اهتدى صاحب الفكر بهداية الله، كان رأيه أقرب للصواب، وأبعد عن الخطأ والضلال.
وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ابتاع الهوى، وإعجاب المرء بنفسه، وسبيل النجاة من هذا المأزق تشاور المفكرين، واستشارة العدول الأمناء المخلصين، والاعتبار والاتعاظ بتجارب السابقين وبما لدى الآخرين من تجارب وخبرات، فالفكر أمانة، والعقل أمانة، والعمل أمانة، والتكليف أمانة، والسلطة أمانة، ولا عاصم من الزيغ الهوى إلا بالتزام أصول الشرع والعقل الرشيد.
المصدر:
مجلة نهج الإسلام

تحميل