مميز
الكاتب: د. وهبة الزحيلي
التاريخ: 10/10/2012

الأسلحة في الحروب - أسلحة الدمار الشامل

بحوث ودراسات

الأسلحة في الحروب - أسلحة الدمار الشامل


الدكتور وهبة الزحيلي

إن الحرب قديماً وحديثاً تتحكم فيها غالباً الأهواء والنزوات الطائشة والسلوكيات الحمقاء الهائجة، فهي في الغالب لا تحترم الأخلاق، ولا تلتزم بالقوانين والأعراف الإنسانية، لأن هدفها تحقيق النصر بمختلف الأسباب والوسائل، ونعاصر اليوم مثالين صارخين:

أولهما: حرب الصهاينة الوحشية المستمرة في فلسطين المحتلة ضد مواطنيها وسكانها العرب الأصليين، بما فيها من تدمير وتشريد ومصادرة وانتهاك لكل القيم الأخلاقية والإنسانية، من أجل تصفية الوجود العربي وتحقيق أطماع الصهيونية العالمية، بالتعاون مع أمريكا الظالمة وحليفتها بريطانية التي زرعت "إسرائيل" في قلب فلسطين لحماية المصالح الغربية في المنطقة.

وثانيهما: حرب أمريكا وبريطانية وأعوانها ضد العراق التي بدأت في 20/3/2003م لحماية المصالح الصهيونية وإقامة امبراطورية أمريكية في العالم بقيادة ما يسمى بالقطب الواحد بعد انهيار الشيوعية عام 1989م فيما كان يسمى بــ "الاتحاد السوفياتي"

وغاية هذه الحرب العدوانية الشرسة وغير الشرعية تتمثل في الأمور التي أفصحت عنها تصريحات المسؤولين الأمريكيين وهي:

- توفير الأمن الكامل والسلام والاعتراف المتبادل بين العراق و"إسرائيل".

- تجريد العراق وأية دولة عربية أو إسلامية من أية قوة تهدد الإستقرار الأمني لـ "إسرائيل". وهذا ما صرح به قبل أيام الحرب على العراق وزير الدفاع الإسرائيلي بأن إسرائيل تشرف على حرب سابعة تكسبها للقضاء على قوة العمق الاستراتيجي العربي.

- تأمين الوجود المجاني للقواعد الأمريكية في المواقع الاستراتيجية بالبلدان العربية والإسلامية.

- تأكيد دوران الدول العربية والإسلامية في فلك السياسة الأمريكية.

وهذه الغايات تنذر بأزمات وكوارث خطيرة على النظام العالمي، علماً بأنه تستخدم في هذه الحروب مختلف أنواع أسلحة الدمار الشامل التي تزعم أمريكا أن تحارب من أجل نزع هذه الأسلحة من العراق تمهيداً لخطتها المتقدمة المعلنة. فقد قصفت في مساء الجمعة ليلة السبت الواقع في 22/3/2003 ألف صاروخ في عملية الدهشة والصدمة والترعيب، ويسمح لربيبتها "إسرائيل" بامتلاك مختلف أنواع هذه الأسلحة بما فيها القنابل النووية والجرثومية وغازات الأعصاب المسمومة، فإن إسرائيل تمتلك مائتي رأس نووي أو قنابل ذرية.

وتستعمل الآن أمريكا في هذه الحرب قنابل اليورانيوم المحظورة دولياً والقنابل العنقودية ونحوها، كما استعملتها في حرب أفغانستان عام 2001م.

فهل يمكن للدول المتحاربة المعاصرة أن يستيقظ في وجدانها الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، وتلتزم بوسائل وأساليب الحرب المشروعة، وتمتنع نهائياً عن المحظور والممنوع منها؟

إن هذا البحث يبين ما هو مشروع وغير مشروع أو محظور دولياً من هذه الوسائل والأساليب والأسلحة، في ثلاثة مطالب:

الأول: أهم قواعد الحرب في الإسلام.

الثاني: الأسلحة والأساليب المستخدمة والوسائل المباحة.

الثالث: الأسلحة والأساليب المستخدمة والوسائل المحرمة.

المطلب الأول: أهم قواعد الحرب في الإسلام:

نلاحظ فرقاً واضحاً بين أنظمة الحرب الدولية ونظام الحرب أو الجهاد في الإسلام، ففي الأولى في مجال العلاقات الدولية لا قانون بالفعل للحرب، ولا توجد قيود على استعمال وسائل القتال إلا قواعد الأخلاق، وهذه معايير مضطربة ولا ضوابط لها في الأعراف الدولية، لتأثر هذه المعايير بالأعراف المحلية والمصالح الذاتية التي لا تراعي الدول المتحاربة اليوم سواها، فكثيراً ما تجاوزت هذه الدول المبادئ والقيم الإنسانية في معاملة غيرها، ولا سيما الضعفاء، وما يزال المنطق السائد أن الحق للقوة كما لوحظ في الحربين العالميتين الأولى والثانية في نظرة ألمانيا النازية بزعامة هتلر للعالم، وكما هو مشاهد الآن في معاملة أمريكا وبريطانيا و"إسرائيل" سواء في أفغانستان عام 2001م أو في العراق عام 2003م، أو في فلسطين المحتلة، سواء في أثناء الحرب أو بعدها في معاملة الأسرى، كما هو ملموس الآن في معاملة أسرى أفغانستان الذين أودعتهم أمريكا كالوحوش المفترسة في قاعدة غوانتانامو في كوبا. وأسرى العرب في سجون ومعاقل الصهاينة في فلسطين.

والمقر الثابت والدائم في الشريعة الإسلامية أن الحرب تخضع لقانون محترم في جميع الأحوال بنصوص شرعية، وينبع احترامها من أساس ديني محكم ومهيمن على أنواع التعامل والسلوك، سواء في حال القوة أو حال الغضب، بين المسلمين، وبالنسبة لغير المسلمين على السواء، دون تفرقة ولا تميز، ولا عنصرية ولا تعصب، ولا مجاملة لمسلم على حساب غيره، فالكرامة الإنسانية محترمة لقول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) والحق والعدل والمساواة أصول واجبة الاعتبار والالتزام، لقوله سبحانه: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وقوله جلّ جلاله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في حجة الوداع في صحاح الكتب الحديثية: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى).

إن هذا السبق المدني والحضاري والإنساني لشريعة الإسلام واضح المعالم والتطبيق في الحروب الإسلامية كلها، خلافاً لما نجده في مدينة اليوم وسلوكيات الغرب، ولا سيما أمريكا وبريطانيا و"إسرائيل" وإيطاليا وهولندا وروسيا وغيرها من الدول القوية والمستكبرة والمتسلطة على الشعوب الضعيفة.

ومن قواعد الإسلام الحربية: ضرورة التفرقة بين الأشخاص والأموال، فالأعداء صنفان: محاربون أو مقاتلون، ومدنيون مسالمون لا يشاركون في الحرب برأي أو إمداد أو معونة أو قتال، وهؤلاء المدنيون لا يمسهم السوء أو الأذى والضرر إلا إذا دعت الضرورة الحربية القهرية وفي حدود الضرورة.

والحرب في ميزان الإسلام ظاهرة استثنائية ومشروعة للضرورة ولقمع الشر والعدوان، وليست قاعدة دائمة، ولا أسلوب معاملة عامة، ولها هدف محدد وغاية مقصودة، لا حياد عنها، وهي إما رد العدوان ودحر المعتدين، وإما استرداد حق مغتصب واستعادة ديار منكوبة وأموال منهوبة. وإما لمناصرة المستضعفين والمعاهدين، وإما لإحقاق الحق المعتدى عليه، ودفع الباطل وغلبة الشر السائد أو المبيّت القائم على الحقد والبغضاء والاستكبار أو الاستعلاء، أو بغية التسلط على ثروات الآخرين من غير اعتداء أو تآمر، ودون مسوغات (مبررات) أو لأطماع مادية أو اقتصادية أو لتحقيق نزوة الشر والمكر، وشهوة التسلط والتكبر والاستكبار، وحب الهيمنة والتفوق، وسلب الشعوب حرياتها، ومعاملة الآخرين بمكيالين أو ميزانين، كما نشاهد اليوم في معاملة أمريكا للعرب والمسلمين، ومعاملتها المتميزة لـ "إسرائيل" أو الهند ضد المسلمين بالذات.

وأهم المنطلقات أو قواعد الحرب في الإسلام: مراعاة الأنظمة الإنسانية المجردة، وقواعد الأخلاق الثابتة، والتزام قواعد الدين الإلهي الثايتة، ومنع الفساد والإفساد والتدمير والتخريب لغير ضرورة لقوله تعالى: (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).

ومن أهم قواعد الحرب وأساليب القتال في الإسلام ما يأتي:

احترام الكرامة الإنسانية: للآية الكريمة: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ..) ولأن الإنسان أخو الإنسان أحب أم كره، فليست قواعد الحروب مثل شريعة الغاب ووحوش البراري، وإنما هي ذات غاية شريفة، وإن كان الغرض منها قهر العدو وتحقيق النصر، فلا يصح في قواعد الأخلاق أو السلوك معاملة الآخرين معاملة غير كريمة أو غير إنسانية، ولا يلجأ إلى القتل الوحشي أو الدمار الشامل، ولا يجوز اللجوء إلى شيء من التمثيل والتشويه كقطع الأنوف والآذان وفقء العيون ونحوها، الأحاديث كثيرة في الموضوع منها: (لا تمثلوا بآدمي ولا بهيمة)، (لا تمثلوا بشيء من خلق الله). (لا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً). ولا يلجأ إلى الأمانة بالتجويع والعطش، ولا إلى تشويه الجثة وتقطيع الأعضاء بعد الموت.

التزام الأخلاق والفضيلة: فلا يقتل غير المقاتلون، ولا يحل التخريب والتدمير إلا لضرورة حربية، ولا القتل الجماعي، أو الموت البطيء، أو استعمال النار أو الحرائق أو القنابل النووية أو قنابل النابالم أو رصاص دمدم، أو القنابل العنقودية ذات الشظايا المنشطرة أو قنابل اليورانيوم أو الحرب الجرثومية أو غاز الأعصاب، إلا معاملة بالمثل، ولا تنتهك الأعراض أو يعتدي على النساء والأطفال وإن تورط العدو بشيء من ذلك، لأن الأعراض حرمات الله تعالى لا تباح بحال، ولا يختلف حكم التحريم فيها باختلاف الأشخاص والأجناس والألوان والأديان، قال الإمام عمر لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما: "آمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون لمعصية عدوهم لله، ولو لا ذلك لم تكن لنا قوة بهم، لأن عدونا ليس كعدوهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا..".

المعاملة بالمثل: يراعى الأخذ بهذا المبدأ في معاملة الأعداء حيث لا يتصادم ذلك مع قواعد الفضيلة وسمو الإسلام للقاعدة الإسلامية "عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به" وحتى لا يسترسل العدو في أعمال شنيعة لا يجد لها رداً أو صداً، فإن ارتكب العدو ما يخل بالمروءة أو فعل ما لا يحقق نفعاً. لا نتورط بمثل فعله ترفعاً وتسامياً. وإظهار لفضل الإسلام وسمو رسالته، وتعليمه البشرية أصول الأخلاق والآداب الحميدة.

فإذا مثّل الأعداء بقتلانا لا نمثّل بقتلاهم، ولكن إذا استخدموا سلاحاً مدمراً ممنوعاً في النظام الإلهي أو البشري، قابلناهم بالمثل، ليقلعوا عن أفعالهم الذميمة أو المنكرة، فإن المبادئ أظلم، وعلى الباغي تدور الدوائر.

المطلب الثاني: الأسلحة والأساليب المستخدمة والوسائل المباحة:

إذا انفرد المقاتلون أو الجيش المحارب بالقتال وتميزوا عن غيرهم من المدنيين، جاز استعمال كل ما هو مشروع ليس فيه تدمير شامل ولا إفناء عام للبشر، ولا إبادة للنوع البشري أو إعدام لقابلية الحياة الطبيعية في المستقبل، هذا هو المبدأ العام أو القاعدة في الجملة.

ومع ذلك نجد لفقهائنا رأيين في وسائل الحرب المادية:

الرأي الأول لفقهاء الحنفية والشافعية، والحنابلة في المعتمد من الروايتين عند الإمام أحمد:

وهو أنه يُستعان على الأعداء بكل وسيلة تؤدي إلى كسر شوكتهم وإهدار قوتهم، سواء أكانت الوسيلة شديدة أو خفيفة، لكن استعمال الأشد مع إمكان تحقيق المقصود بالأخف فيه كراهية، لأنه إفساد في غير محل الحاجة، كما قال الكمال بن الهمام. ومعنى هذا إعطاء الحرية للمقاتل في قهر عدوه بأية طريقة كالسلاح الأبيض، والآلات الثقيلة في البر والبحر والجو من مجانيق في الماضي وقذائف نارية، وصواريخ، وقنابل ونحوها، حتى تسميم العدو بمثل قاذفات اللهب أو الغازات السامة، حتى وإن منع ذلك نظرياً في العرف الدولي الحاضر، فالعمل جار على خلافه.

ويجوز الحصار الاقتصادي بدليل فعل المسلمين بأمر نبيهم بالتعرض قبل موقعة بدر الكبرى بقافلة أبي سفيان القادمة من الشام والمحملة بالطعام.

ولفقهاء الإسلام ثلاثة آراء في التدمير والهدم والتخريب، فيرى الحنفية: أن لا بأس بإحراق حصون العدو بالنار، وإغراقها بالماء وتخريبها عليهم، وقطع أشجارهم، وإفساد زروعهم، وذبح حيواناتهم، ونصب المجانيق على حصونهم وهدمها، لقوله تعالى: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) ولأن في جميع ذلك قهر العدو وكسر شوكته وتفريق جمعه، وتلك هي ضرورة حربية.

ويرى المالكية والشافعية والظاهرية: أنه يجوز تخريب وهدم منازل العدو والتحريق والتغريق، ولكن لا يقطع النخل والأشجار إلا للأكل أو لمصلحة حربية، كإضعافهم والغلبة لهم، أو لمصالحتهم سلماً، فإن لم تتوافر مصلحة وكان الفعل عبثاً فلا يجوز، وفي العهد النبوي قطعت كروم أهل الطائف فأسلموا، وقطعت نخيل بني النضير.

لكن لم يجز المالكية التحريق بالنار إلا إذا لم يكن غيرها وخيف من الأعداء.

ويرى فقهاء الحنابلة وهو رأي أبي بكر الصديق وأبي ثور والأوزاعي: أنه لا يجوز التخريب والتحريق والهدم وقطع الأشجار المثمرة، بدليل ما جاء في وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان: "وإني موصيك بعشر: لا تقتل امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلاً ولا تغرِّقنه، ولا تغُلل ولا تجبن".

المطلب الثالث: الأسلحة والوسائل والأساليب المادية المحرمة:

كل ما يترتب عليه تدمير عام، أو نشر وباء شامل، أو إضرار دائم بالبيئة للإنسان والنبات والحيوان، أو قتل جماعي يعم المحاربين وغيرهم كالقنابل النووية وغاز الأعصاب والمواد الكيماوية والبيولوجية وأنواع المستحضرات الجرثومية ونحوها من أسلحة الدمار الشامل يكون محظوراً في الإسلام وكذا في القانون الدولي، إلا لضرورة قصوى، على سبيل المعاملة بالمثل، ولكن ذلك لا يتفق مع مبادى الرحمة التي جاء الإسلام من أجلها في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).

وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة).

وفي معاهدات نزع السلاح سنة 1930 بين الدول الحديثة حرمت الحرب البكترولوجية أو البيولوجية والغازات السامة أو الخانقة وجميع أنواع المستحضرات الكيماوية والسوائل، مثل الجمرة الخبيثة وغيرها من جميع المواد المماثلة، لأنها تتجاوز ساحات الحرب إلى المدنيين ولمخاطرها المستقبلية، وإضرارها بالبيئة وقتل الإنسان والحيوان، وإصاباتها الدائمة، وإحداثها أشنع الميتات.

خدع الحرب:

اتفق التشريعان الإسلامي والوضعي إجمالاً على أن للدول المتحالفة استعمال أنواع الحيل، والخداع المشروع لتحقيق الظفر، قال النووي: اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب، كيف أمكن الخداع، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان، فلا يحل.

واستدل علماؤنا على ذلك بالحديث النبوي: (الحرب خُدعة) وقرار ابن خلدون أن أكثر ما تقع الهزائم به، ويحقق النصر الحربي هو: استعمال وسائل خفية وأسباب نفيسة من الحيل والخداع، أو أمور سماوية من الرعب والخذلان الإلهي، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (نصرت بالرعب مسيرة شهر).

والخدع الجائزة شرعاً كثيرة تتغير بحسب الظروف في كل زمان ومكان، منها:

الكمين: هو خدعة جائزة وشائعة في الإسلام والقانون الدولي الحديث، وليس فيه غدر، لأنه لا يكون إلا بأن يحدث الاستخفاء في مكمن بحيث لا يفطن لهم، ثم ينهضون على العدو على غفلة منهم، ومشروعيته ليدنا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر ما فعله عبد الله بين أبي حدرد وصاحباه في سيرتهم، لقتل رفاعة بن قيس الجشمي، إذ كمنوا في موضع ليلاً، وانتظروه حتى قدم آخذاً سيفه فشدوا عليه وقتلوه، وجاءوا برأسه.

وتضعضع المسلمون يوم حنين، على الرغم من كثرتهم وقول بعضهم "لن نغلب اليوم من قلة" بسبب كمناء هوازن في شعاب الوادي وجوانيها، ثم شدّت الكتائب على المسلمين شدة رجل واحد. فولوا مدبرين.

قال أبو بكر بن العربي: إن الخديعة المشروعة في الحرب تكون فيما تكون بالكمين يعدّه الجيش.

الألغام: الألغام الحديثة البرية والبحرية العائمة أو تحت الماء لتدمير الغواصات وغيرها يجوز استعمالها شرعاً وقانوناً، مثل بقية الأسلحة النارية الأخرى، إذا لم تضر بالمدنيين أو المسالمين لنا، ولم تكن في البحار العامة، وأباحت المادة (21) للدول المتحاربة وضع الألغام في مياهها الإقليمية ومياه عدوها، وشرطت المادة (22) أن يكون بث الألغام أمام شواطئ العدو لغرض حربي.

تفريق صفوف العدو: هو عمل مشروع أيضاً في الإسلام والقانون الدولي، لأنه نوع من أنواع الكيد للعدو، وقد استطاع نُعيم بن مسعود الأشجعي الذي أسلم يوم الخندق (وقعة الأحزاب) سنة 5هـ أن يفرّق بين يهود بني قريظة وقبائل غطفان وقريش، حيث طلب من هؤلاء أن يأخذوا رهائن من اليهود. توثقاً من خوض الحرب، وأقنع اليهود بأن قريشاً وغطفان يريدون أخذ الرهائن لقتلهم.

واستخدم الرسول عليه الصلاة والسلام الإغراءات المالية لزرع الشقاق والخلاف في صفوف العدو في وقعة الخندق، فعرض على عُيينة بن حصن، وهو زعيم غطفان يومئذ ثلث ثمر نخل المدينة، على أن يخذّل الأحزاب وينصرف عن المدينة بمن معه.

الحرب النفسية أو حرب الأعصاب:

هذا عمل مشروع في الإسلام والقانون الدولي أيضاً، لأنه من وسائل الكيد للعدو، إذا خلا من الغدر، وقد رخص الرسول صلى الله عليه وسلم في الكذب أثناء الحرب، ولأن (الحرب الخدعة) فكل ما يؤدي إلى أضعاف الروح المعنوية للعدو من أقوال وأفعال، ولو كان طابعها الكذب والتضليل، يكون جائزاً.

ومن أمثلته: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر معبد بن أبي معبد الخزاعي الذي أسلم يوم موقعة أحد أن يلحق بأبي سفيان فيخذّله. ففعل، وقال له: محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم، وخرجوا في جمع لم يخرجوا مثله ولم أر مثله قط.

وفي غزوته مؤتة سنة 8 هـ حينما تسلّم خالد بن الوليد قيادة الجيش، وكانوا ثلاثة آلاف والروم ما بين 40 – 100 ألف بعد قتل ثلاثة قادة، غيّر في ترتيب الجيش، فجعل المقدمة مؤخرة، والميمنة ميسرة، فانخدع الروم وظنوا أن قد جاء مدد، فرعبوا وانهزموا، فكانت هذه مكيدة حربية اعتبرها الرسول صلى الله عليه وسلم نصراً حربياً. وفي فتح مكة سنة 8 هـ أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإيقاد نيران عظيمة في "مرّ الظهران" على الجبال ليوهم قريشاً بكثرة عدد الجيش الإسلامي، حتى قال أبو سفيان قبل إسلامه: ما رأيت كالليلة نيراناً قط ولا عسكراً، وقال أيضاً للعباس بن عبد المطلب عم النبي، حينما عرضت جيوش الرسول صلى الله عليه وسلم من القبائل أمامه: "لقد أصبح مُلك ابن أخيك الغداة عظيماً" فقال العباس: "يا أبا سفيان: إنها النبوة" قال: "فنعم إذن".

فهذا نوع من الإعلام المضلّل لإستدراج العدو، وإيهامه بكثرة عدد الجيش وقوته وكثافة صفوفه وغير ذلك من الخدع الحربية.

ألوان الخداع: الخداع مشروع في الحرب، لكن هناك أنواع ممنوعة وأخرى جائزة كما تقدم.

أمثلة من أنواع الخدع الممنوعة:

هناك أمثلة ممنوعة في الإسلام والقانون الدولي في الإسلام والقانون الدولي على الخدع الممنوعة، منها:

التظاهر بالتسليم أو بطلب المفاوضة، مثل رفع الراية البيضاء، أو وضع علامة الهلال الأحمر، بقصد التسليم أو المفاوضة، وهذا نوع من الغدر أو الخداع، بل توعد الخليفة عمر بقتل خائن الأمان، فقال: "والذي نفس محمد بيده، لو أن أحدكم اشار بإصبعه إلى مشرك، ثم نزل إليه على ذلك، ثم قتله ، لقتلته".

ومنها ارتداء أزياء العدو: هو ممنوع أيضاً في الإسلام، لأنه إقرار ضمني أو تأمين بالإشارة، لما عليه حال العدو، وقد نصت المادة 23/6 من لائحة الحرب البرية بين الدول على أن "من الخدع غير الجائزة استعمال جيش العدو لرتب الفريق الآخر، أو حمل شاراته أو رفع علّمه، وأن من الواجب أثناء الحرب أن يتبين كل من الفريقين بوضوح تام أي الأفراد ينتمي إليه، وأيهم ينتمي إلى عدوه".

وكذلك محاكاة العدو في نداءاته: شيء ممنوع عند بعض فقهاء القانون الدولي، لمنافاته مع مصالح الحرب، ويمنع ذلك أيضاً في الإسلام، لأن تقليد النداء، فيه تأمين رمزي أو ضمني، له قوة التأمين القولي الصريح.

هذه هي أهم أحكام الأسلحة والأساليب المستخدمة المشروعة منها، والوسائل المحرمة، يتبين منها سبق الإسلام إلى كثير من الأحكام التي يراعي فيها الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية والمصالح الحربية المشروعة.

منقول من مجلة نهج الإسلام

تحميل



تشغيل