مميز
الكاتب: للعارف بالله سيِّدي محمَّد ظافر المَدَنِيِّ قدَّسَ اللهُ سرَّهُ
التاريخ: 02/10/2012

فيما يلزم المريد في سلوك طريق الله تعالى

مقالات
فيما يلزم المريد في سلوك طريق الله تعالى
للعارف بالله سيِّدي محمَّد ظافر المَدَنِيِّ
قدَّسَ اللهُ سرَّهُ
بسم الله الرحمن الرحيم
أعلمْ أن المريدَ إذا دخلَ في طريقِ اللهِ تعالى يلزمه أولاً: التوبة إلى الله لأنَّه شرطٌ لَزَمٌ في طريقِ الله، قال الله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرَّة)، وفي الرسالة القشيريَّة: "التوبة أول منزلة من منازل السَّالكين، وأوَّل مقام من مقامات الطالبين، إلى أن قال: وأركانها ثلاثة: الندم على ما عمل من المخالفات، وترك الزلّة في الحال، والعزم على ألا يعود إلى مثل ما عمل من المعاصي". انتهى.
ولا بدَّ من ردِّ المظالم، وإرضاء الخصم على الوجه اللازم، ثم لابدَّ من شيخٍ مرشدٍ ينهضه بحاله، ويدلُّه على اللهِ بمقالِهِ، عارفاً بطريقِ المعاملاتِ لهُ، عالماً بالأحوالِ والمنزَّلاتِ والأسرارِ والكشوفات، مكتَسِبَاً من العلوم الدينيَّة، متبحِّراً في المعارف الإلهية والعلوم اللدنيَّة، كاملاً في سياسة التربية، ومتخلِّقاً بالمكارم المحمَّديَّة، فهذا إن ظفر به المريدُ فما عليهِ مزيدٌ، بشرطِ أن يَصْحَبَهُ بنيَّةٍ صالحة، وعزيمةٍ ناجحة، وعزيمةٍ ناجحة، ويسلب الإرادة لديه ولا يؤثر أحداً عليه، ويكون كالميِّتِ بين يديه، ويعتقد كماله، ويسلك منواله، ويلازم أعتابه، ويقرع بابه، ويتعرَّض في حضرته النَّفحات، ويستمطر الفيوضات، ويستعد لإمداد الله تعالى في سائر الأوقات، ويجتهد في تصفية باطنه وإصلاح ظاهره، ويعطي العبودية حقَّها، والربوبية مستَحقَّها ويتزود بالتقوى، ويعامل الله بذلك في السر والنجوى، ويروض نفسه على الطاعات وأنواع العبادات، وترك الشهوات، وغض نظره عن المحرمات، وعدم الميل إلى الشبهات، ويراقب الله في الخلوات والجلوات، ويتخذ الصبر أنيساً والذكر جليساً، والتأييد والثَّبات عند التجلِّيات، والصبر وقت التقلُّبات، واليقين الكبير، والرضا عن الله في القليل والكثير، والتوكل والزهد، والورع، وعلوّ الهمّة، وعدم الطمع والصَّمت، والجوع والاستقامة، والعزلة وقطع العلاقة، وترك الملامة والفتوّة، والإخلاص والمجاهدة، فهذه أسباب الوصول والمشاهدة، ولا يحرزُ شرفَ هذه المقامات إلَّا من جاهد نفسهُ وفطمها عن المألوفات، قال الله العظيم: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، وفي الرسالة القشيرية: "واعلم أن رأس المجاهدة وملاكها فطم النفس عن المألوفات، وحملها على خلافِ هواها في عمومِ الأوقات" انتهى.
أقولُ: والمجاهدة إذا لم يتقدَّم علمٌ فيها لم يفز صاحبها بأمله، وقالوا رضيَ اللهُ عنهم: قَدِّمِ العلم تنتفع بعمله، لأن العلم نور، والنور إذا أشرق في القلب وجد صاحبه حلاوة الأنس، فتطمئن نفسه فيتحلَّى، وبذلك التحلّي عمّا سوى الله يتخلى، فإذا تخلى عمّا سوى الله وحصل فيه الأنس بالله، سَرَحَتْ روحه من عالم الملك إلى عالم الملكوت، وشاهد جمال العزة والجبروت، ثمَّ إنَّ المودة مقدِّمة المحبَّة، كما وَرَدَ: "توادُّوا تحابُّوا"، فعلَّك بذلك أيها السالك تحظى بما هنالك. واعلم أن المحبَّة معراجُ أهل التحقيق وروح هذا الطريق، "صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً" وفي الرسالة القشيرية قيل: (المحبَّة نارٌ تحرق ما سوى مرادِ المحبوب)، وفيها قيل: أوحى الله إلى عيسى عليه السلام: إني إذا اطلعت على قلب عبدي، فلم أجد فيه حبَّ الدنيا والآخرة ملأته بمحبَّتي). انتهى. فصاحبُ المحبَّة كالطائر، وصاحبُ المجاهدة في الأعمال كالسائر، وشتَّانَ بين الطير والسائر، ولها شهودٌ وأدلة تؤيِّدُ دعوى مَن ادَّعاها، وحجَّةَ من تهتَّكَ في هواها، منها ما قاله ابن مسروق: رأيتُ سَمْنُوناً يتكلم في المحبة، فتكسَّرت قناديلُ المسجدِ كلها، ومنها ما أنشده بعض أهل العرفان في هذا الشأن وهو قوله:
فلمَّا فنى صبري وقلَّ تَجَلُّدي
وفارقني نومي وحُرِّمتُ مضجعي
أتيتُ لقاضي الحب قلت أحبتي
جفوني وقالوا أنت في الحب مدعي
وعندي شهودٌ للصبابةِ والأسى
يُزَكُّونَ دعوايَ إذا جئتُ أدَّعي
سهادي ووَجدي واكتئابي ولوعتي
وحزني وسقمي واصفراري وأدمُعي
ومنها ما ذكره الجُنَيدُ رضيَ اللهُ عنهُ، قال: دفعَ ليَ السَّرِيُّ رقعةً وقال: هذه خيرٌ لكَ من سبعمائةِ قصَّةٍ وحديثٍ بِعُلُوٍّ، فإذا فيها:
ولما ادَّعيتُ الحبَّ قالَتْ كَذَبْتَنِي
فما لي أرى الأعضاءَ منكَ كَواسِيَا
فما الحبُّ حتَّى يلصَقَ الجلدُ والحشا
وتذبُلَ حتَّى لا تجيبَ المنادِيَا
وتنحُلَ حتَّى لا يُبقي لَكَ الهوى
سوى مقلةٍ تبكي بها وتناجيا
ومنها طاعةُ المحبوبِ وإجابةُ المطلوبِ كما قيل: "إنَّ المحبَّ لِمَن يحبُّ مطيعُ" ومنها موافقته على السَّرَّاء والضرَّاء، والعافية والبلاء، وعدم توقُّفه في الإجراءات، كما قيل: "موافقة المحبوب في العسر واليسر"، ومنها استهلاكه وتلف روحه من حيث يدريها لا يراعي سواها، ومهما أشارت بطرفها لبَّاها كما قيل:
فلو قال طأ في النار والنَّارُ جمرُها
لهُ لهبٌ يرمي الشَّرارة كالقصرِ
لما كان لمعُ البرقِ أسرعَ ما يُرى
بأسرَعَ منّي بامتثالي للأمرِ
وهكذا يَلزَمُ المريدَ أن يتَّخِذ الحبَّ مذهباً، وحصنهُ مهرباً، وطريقَهُ مطلباً، ومورَدَهُ مشرباً، ولا يبتغي به بدلاً، ولا يختارُ عن مذهبه مذهباً، كما قال سيِّدي عمرُ بن الفارض رضي الله عنه:
وعن مذهبي في الحبِّ مالي مذهَبٌ
وإن ملتُ يوماً عنهُ فارَقْتُ ملَّتي
ويلزمُ المريدَ أيضاً أن يتواضعَ للهِ، فكلُّ من تواضعَ لله رفعه، ألا ترى أنَّ الماءَ حينَ تواضعَ في أصلِ الشَّجرةِ كيفَ علا في أغصانها، والتواضع من الأدبِ فعليكَ به، ثمَّ إنَّ الخلقَ عيالَ الله، و(أحبُّ الخلقِ إلى اللهِ أنفعُهُم لعياله) كما وردَ عن النبي الكريم، واخفض جناحكَ لإخوانكَ في اللهِ بمزيدِ الحرمةِ والتعظيم، واختر لصحبتك واحداً منهم يوقظكَ إذا غفلت، ويرغِّبُكَ في العبادةِ إذا كَسِلتْ، ويعينكَ إذا عجزت، ويردُّكَ إلى الطريقِ إذا خرجت، وينصحك إذا تهاونت، ويخاصِمُكَ إن أسأتَ الأدبَ أو أذنبت، فقد ثَبَتَ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين أصحابه على الطريقِ القويم، وعليكَ بحملِ الأذى وكَفِّه، والخُلُقِ الكريم، والشفقة والحنانة، وحفظ الأمانة، وعدم الخيانة والإيثار، وعدم الإقتار وبذل الهمّة في طاعة الله ومراقبته، وترك فضول النظر لأنه يثير الشهوة إذا دامَ واستمر، وعدم الميل إلى ما لا يرضي الله، والنصيحة لله والغيرة في دين الله، والحبِّ في الله والبغضِ لله، والخوف والرجاء وقوة الالتجاء، والحرص على ما تتلقَّاهُ من شيخك، وعدم تركك لوردك، وطاعتك لسلطان المسلمين والدعاء له، وتعمير أوقاتك بنوافل الخيرات وتنوعك في الطاعات، وإكثارك من ذكر الله وتلاوة كلام الله، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن وفِّقتَ لذلك فقد سلكت الطَّريقَ ونلتَ التَّوفيق، واستحققتَ الجلوسَ على بساطِ الخصوصية بالتَّحقيق، وتُوِّجتَ بتاِج الكمال وخُصِّصتَ بالنَّوال، وشُرِّفتَ من بينِ أقرانكَ بالوصال، وكانَ لسانُ حالِكَ ينشِدُ:
سَكَنَ الفؤادُ فعِشْ هنيئاً يا جسدُ
هذا النعيمُ هو المقيمُ إلى الأبد
عِش في أمان الله تحتَ لوائهِ
جارَ الحبيبِ فعيشُهُ عيشٌ رغدُ.

تحميل