مميز
الكاتب: الدكتور تيسير أبو خشريف
التاريخ: 24/09/2012

لمحات من نظام التجريم والعقاب في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية

بحوث ودراسات

إن الجرائم التي تعرضت لها أحكام الشريعة الإسلامية بالبيان والتفصيل تنحصر في ثلاثة أنواع:



النوع الأول جرائم الحدود:

وهي كل جريمة يعاقب مرتكبها بعقوبة مقدرة حداً، كجريمة الزنا والسرقة والقذف والشرب.

النوع الثاني جرائم القصاص والديات:

وهي الجرائم المعاقب عليها بقصاص أو دية.

النوع الثالث جرائم التعزير:

كل جريمة لم يرد فيها حد مقدر من العقوبة، ويترك أمر تقدير العقوبة إلى القاضي، سواء كانت الجريمة على حق من حقوق الله أو على حق من حقوق العباد.

وفي هذه المقالة تعرض لبعض ملامح نظام التجريم والعقاب في التشريع الإسلامي، والتي أجملتها ضمن مجموعة من التساؤلات:

- إذا كانت العقوبة في ذاتها أذى ينزل بالجاني، وربما تكون قصاصاً، فكيف يقرها الشرع مع كون القصاص إنقاص من عدد الأمة؟

- هل راعى الشرع بتقدير عقوبة القصاص (وهي أساس العقوبات في الفقه الإسلامي) اعتبارات معينة تتعلق بالجريمة والجاني والمجني عليه ومكان وزمان الجريمة وغير ذلك... ؟

- هل عقوبة القصاص تتنافى مع مبدأ الرحمة الذي جاءت به الشريعة الإسلامية ؟

- ما مدى صحة المقولة (العدل فوق القانون، والرحمة فوق العدل) ؟

- هل يعد القصاص - في النفس أو الأعضاء - من قبيل الانتقام من الجاني ؟ وهل يعد من الهمجية ولا يتفق مع رقي النفس والفكر كما زعم المبطلون والمتقولون على الإسلام؟ وهل تتنافى عقوبة القصاص مع اعتبار العقاب تهذيباً وإصلاحاً لنفس الجاني؟

- هل عملت الشريعة على منع وقوع الجريمة، وكيف كان ذلك؟

أولاً- العقوبة في ذاتها أذى ينزل بالجاني، وربما تكون قصاصاً، فكيف يقرُّها الشرع مع كون القصاص إنقاص من عدد الأمة ؟

نعم- العقوبة في ذاتها أذى ينزل بالجاني زجراً له، وهي من هذه الناحية ضرر في ظاهرها، إذ أنَّ قتلَ رجل قاتِل هو أذى له ونقص من عدد الأمة، فإذا كان عدد الأمة قد نقص واحداً باعتدائه فقد زدنا النقص واحداً آخر بالقود منه-هذا صحيح!- لكن قانون المصلحة والمفسدة يحتم إنزال العقاب بالجاني؛ ليس بقصد العقاب، بل لأنه أصبح مصدر أذى للأمة جمعاء، أو لكل من يتصل به، ولو ترك من غير عقاب لاجترأ هو أو غيره مرة أخرى على الاعتداء على الآخرين بشتى أنواع الاعتداء دون أن يجد المعتدي من يزجره، وفي ذلك ضرر وفساد كبيرين ينزلان بالأمة.

وهنا قضيتان توجبان العقاب:

أولهما: أنَّ القاتل معتدٍ على الأمة، بل على حق الحياة الذي أوجبت أحكام الإسلام احترامه؛ فقد قال الله تعالى بعد أن ساق قصة قتل قابيل لأخيه هابيل: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ هذا النص يَعتَبِر الاعتداءَ على النفس اعتداءً على حق الحياة، وهو متساوٍ عند الجميع، فمن اعتدى عليه فقد اعتدى على الجميع.

ثانيهما: أن الامتناع عن إنزال العقوبة بالجاني فيه تعريض الجميع للأذى؛ لذا قال سبحانه في آخر النص السابق ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا ﴾ أي بالقصاص لها ﴿ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ [المائدة: 32].

يؤكد هذا المعنى الإمام العز بن عبد السلام بقوله: "ربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح، لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى المصالح، كقطع الأيدي المتآكلة حفظاً للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد".

فالعقوبة أذى في ذاتها، لكنها شرعت لدفع المفاسد، ودفع الفساد في ذاته مصلحة، بل إنَّ دفع الضررِ مقدَّمٌ على جلب المنفعة.

ثانياً- هل راعى الشرع بتقدير عقوبة القصاص وهي (أساس العقوبات في الفقه الإسلامي) اعتبارات معينة تتعلق بالجريمة والجاني والمجني عليه ومكان وزمان الجريمة وغير ذلك ...؟

لقد راعى الشرع عدداً من الاعتبارات عند تقدير عقوبة القصاص، منها:

أ- مقدار الأذى الذي أنزله الجاني بالمجني عليه.

ب- مقدار الترويع والإفزاع العام الذي أحدثته الجريمة.

ت- مقدار ما في الجريمة من هتك لحمى الفضيلة في المجتمع.

ث- مقدار ما في العقوبة من زجر للجاني وردع للآخرين.

ثالثاً- هل عقوبة القصاص تتنافى مع مبدأ الرحمة الذي جاءت به الشريعة الإسلامية ؟

إقرار الإسلام لمبدأ الرحمة من خلال قول الله تعالى لنبيِّه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] لا يتنافى مع عقوبة القصاص التي قررها الشرع على الجاني جزاءً بما كسبت يداه.

بل إن تطبيق عقوبة القصاص هي عين الرحمة؛ لأنها عدل، والعدل فيه الرحمة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن الجاني لم يرحم غيره فاعتدى عليه، ومن مقررات الشرع أن "من لا يَرحَمْ لا يُرحَمْ". فليس من الرحمة الرفق بالأشرار، والذين يسخِّرونَ قواهم المادية والبدنية والعقلية للاعتداء على دماء وأموال الآخرين.

بل إن الرفق بهؤلاء هو عين القسوة في مؤداه، وإن كان ظاهره الرحمة والعطف، لذا قرر النبي صلى الله عليه وسلم فيما قرر أن من قوانين الرحمة أن: من لا يَرحم لا يُرحم. ولأجل هذا فقد أكثر النبي صلى الله عليه وسلم من الدعوة إلى الرحمة فقال: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). وقال أيضاً: (لا تنزع الرحمة إلا من شقي)، فلما أكثرَ النبي من ذكرها سأله الصحابة رضوان الله عليهم فقالوا: يا رسول الله قد أكثرت من ذكر الرحمة، وإنا لنرحم أبناءنا وأزواجنا، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما هذا أريد؛ إنما أريد الرحمة بالكافة).

وبذلك نجد من الأهمية بمكان أن نميِّز بين الرحمة التي بمعنى الانفعال النفسي والعاطفي التي تتجه نحو مرتكب الجريمة، والتي يشترك فيها كل الناس، وبين الرحمة العامة التي هي بمثابة استجابة لحكم الشرع، ولحكم العقل، وليست استجابة لحكم العاطفة المجردة.

نعم، إن الرحمة التي هي استجابة للانفعالات العاطفية أمر مطلوب، وتقره الشريعة الإسلامية، لكن بشرط ألا تؤدي إلى تعويق الرحمة العامة التي تفرض العقوبة العادلة؛ لذا يقول سبحانه وتعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [النور: 2] وبهذا يتبين أن الرأفة بالجناة تتنافى مع الإيمان بالله واليوم الآخر، مع أن الله وصف المؤمنين بأنهم رحماء بينهم، فدل هذا على أنه ليس من الرحمة في شيء الرفق بالجاني.

فمن رحمة النبي بأمته قوله: (اللهم مَن وَلِيَ من أمرِ أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن وليَ من أمرِ أمَّتي شيئاً فشَقَّ عليهم فشُقَّ عليه).

هذه الرحمة الخاصة والرفق بأفراد الأمة ينبغي ألا تطغى على الرحمة العامة بالأمة المتمثلة بإقامة العدل بين الأفراد، نجد مصداق ذلك في حال سيدنا عمر رضي الله عنه حيث كان رحيماً بأولاده، لكن ذلك لم يمنعه من إقامة الحد على أحد أبنائه، وكان رضي الله عنه إذا أمر الناس أمراً دعا ولده وسائرَ آلِ الخطاب وقال لهم لقد عزمتُ اليومَ أمراً ودعوتُ الناسَ إليه، والله لا أوتى بمخالفٍ منكم إلا وضاعفتُ له العقاب. وهكذا كان حال سائر الصحابة - رضي الله عنهم جميعاً -.

أضيفُ إلى ما سبق أن القصاص فيه حياةٌ للجميع، والحياةُ للجميع فيها عدلٌ ورحمة وتقوى، قالَ تعالى: )وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(.

رابعاً- ما مدى صحة المقولة (العدل فوق القانون، والرحمة فوق العدل)؟

هذه المقولة التي أطلقها كبار علماء القانون وملأت الكتب المعاصرة - الشرعية والقانونية -، وهي مؤلفة من قسمين:

الأول: (العدل فوق القانون): هذه القضية سليمة؛ لأن القانون ما جاءَ إلا لخدمة العدالة، ولم تكن العدالة في خدمة القانون؛ من أجل هذا على القاضي أن يطوِّع نصوص القانون لتحقيق معنى العدالة فيما يعرض له من أقضية.

أمَّا القسم الثاني من المقولة فهو (الرحمة فوق العدل): هذا الجزء من المقولة السابقة لا نقره ولا نرضى به، لأنه يقرر أن الظلم فيه رحمة، إذ ماذا بعد العدل إلا الظلم، والظالم لا يمكن أن يكون رحيماً.

وإن معنى الرحمة بالظالم من غير تمكين المجني عليه منه - إن شاء اقتص وإن شاء عفا - إقرار لظلم الضعيف وضياع لحقه وإشاعة للفساد في الأرض. ويروى في ذلك أن أبا بكرٍ الصدّيق رضي الله عنه كان أرحم الناس فقال: "القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له".

خامساً- هل يعد القصاص - في النفس أو الأعضاء - من قبيل الانتقام من الجاني ؟ وهل يعد من الهمجية ولا يتفق مع رقي النفس والفكر - كما يزعم المبطلون والمتقولون على الإسلام ؟ - وهل تتنافى عقوبة القصاص مع اعتبار العقاب تهذيباً وإصلاحاً لنفس الجاني ؟

سأقصر الكلام في هذه الفقرة على توضيح الفرق بين الانتقام والقصاص، وبذلك تتضح الصورة تماماً:

أ- الانتقام لا يتقيد فيه المنتقم بالمساواة بين ما فعله المجرم وبين العقاب النازل به.

ب- الانتقام قد يتجه إلى عقاب غير المجرم كما هو عليه الحال في عادات الثأر الجاهلية التي لا يقرها الشرع، ويعاقب عليها القانون، فليس من شأن أولياء المجني عليه أخذ الحق بأنفسهم، فهذا شأن الحاكم أو من ينيب، وهو القاضي، فإن تجاوز أولياء الدم أثموا شرعاً وعوقبوا قانوناً، لأن في تجاوزهم وأخذهم الحق بأنفسهم مخالفة لأمر الحاكم وافتئات على المصلحة العامة.

سادساً- هل عملت الشريعة على منع وقوع الجريمة، وكيف كان ذلك ؟

اتخذت الشريعة تدابير احترازية لمنع وقوع الجريمة أو للحد من وقوعها على أقل تقدير، من هذه التدابير:

أ- التهذيب النفسي للأفراد؛ لأن تربية الضمير هي الأساس الأول في منع وقوع الجريمة أو الحد منها، والعبادات بسائر أنواعها لتربية الضمير وتهذيب النفس وتنمية الوازع الديني لدى أفراد المجتمع، وهذا له أثر كبير فيما نحن بصدده. حيث إن إحساس الشخص أنه من الجماعة، يعيش في ظلها وحمايتها، وأنها منه وهو منها يمنع من التفكير في الجريمة، أو يمنع من الإصرار على التفكير فيها إن خطر خاطرها.

ب- تكوين رأي عام فاضل لا يظهر فيه الشر، ويكون الخير فيه بيِّناً واضحاً معلَناً؛ لذلك دعت الشريعة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونظمت هذا الجانب المهم من جوانب السياسة الشرعية، حيث قال تعالى: )ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن(، ولم تكتفِ الشريعة بهذا التكليف العام الذي يقوم به كل واحد من المجتمع بحسب قدرته واستطاعته، بل أوجبت على الأمة تهيئة من يختص بهذا الأمر، فقال تعالى: )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون( فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تهذيب عام، وفيه تعاون على البر والتقوى ودفع الإثم والعدوان، أو منع الجرائم من أن تقع.

ج- العقاب على ما يقع من الجرائم، فإن العقاب زجر الجاني وردع الآخرين، ومنع لتكرار وقوع الجريمة؛ لذا كانت العقوبة أمراً لا بد منه لتطهير المجتمع وتحقيق العدالة فيه. من أجل هذا كان تقرير العقاب من وسائل منع حدوث الجريمة في المجتمع أو الحد منها. وإذا لم تجدِ هذه التدابيرُ نفعاً في وقتٍ معين ولدا شخصٍ ما، فاعتدى على إنسانٍ آخر، فإننا نصبح أمام واقعة لها أحكام بيَّنتها الشريعة الإسلامية، ونصَّت عليها القوانين الوضعية بشكل دقيق ومفصَّل.

والحمد للهِ ربِّ العالمين

تحميل