مميز
التاريخ: 19/09/2012

ترجمة الشيخ محمود بعيون (الرنكوسي) رحمه الله تعالى

تراجم وأعلام

الشيخ محمود بعيون (الرنكوسي)
(1329 - 1405 هـ، 1912 - 1985م)
الشيخ محمد خير الطرشان
ولادته ونشأته:
هو العلامة محمد بن قاسم بن ضاهر بعيون المعروف بالرنكوسي.
الرنكوسي مولداً، الدمشقي إقامة ووفاة، الحنفي مذهباً.
ولد في قرية رنكوس - القائمة على جبال القلمون، والتي تبعد عن دمشق حوالي 38 كم سنة 1329هـ الموافق 1910م، ونشأ بين أبوين صالحين.
والده هو العارف بالله الشيخ قاسم بعيون، وهو من أهل الولاية الكبرى، كان شجاعاً من الشجعان الأبطال وأحد رجالات الثورة السورية، وكان طبيباً في الفصد والحجامة والأسنان، وكان حافظا ً لكتاب الله دائم التلاوة والذكر كثير الكرامات .
والدته السيدة هدلة خرسة، توفيت بعد سنتين من ولادته فعاش الشيخ محمود يتيم الأم.
بدأ الشيخ محمود حفظه لكتاب الله في الرابعة من عمره حيث وضعه والده في مكتبه يعلمه القرآن الكريم، ولما أتم السادسة أكرمه الله بحفظه.
وكان الشيخ محباً لتلاوة القرآن يختم في كل يوم ختمة.
وضعه والده في المدرسة الميرية ونال الشهادة التي كانت تسمى (سرتفيك).
عمله وكسبه اليومي:
كان الشيخ محمود بادئ أمره يعمل مع والده راعياً للغنم، وكان إذا اضطر لشراء كتاب يعمل طياناً بالأجرة.
وبعد تخرجه وزواجه كان يحضر لزوجته القش والخشب فتصنع كراسي يبيعها بقروش لكي ينفق على نفسه وعياله، ثم أكرمه الله بموارد مختلفة من الإمامة والتدريس والإدارة.
صفاته وأخلاقه:
كان الشيخ رحمه الله أقرب إلى الطول، دقيق الجسم نحيلاً، يغلب عليه البياض، وكان واسع العينين رقيق الصوت مع حدة فيه وحسن في التلاوة.
وكان رحمه الله لين الجانب رقيق المشاعر والقلب سخي اليد جواداً كريماً، فقد كان كرمه رحمه الله أمراً عجيباً وعطاؤه عطاء من لا يخشى الفقر، ولا يرد أحداً طلب منه شيئاً، وكان يعم كرمه جميع أرحامه وأقربائه، وكل من يلوذ به من طلبة العلم والمحبين.
ومن أخلاقه الوفاء لشيوخه في حياتهم وبعد وفاتهم، فقد كان يخدم أقرباء شيوخه كما يخدم شيوخه، ومن أقواله المأثورة: "أنا عبد مملوك لكل من يلوذ ويحب الشيخ أبي الخير الميداني".
مزاياه وخصائصه الذاتية:
كان رحمه الله عالماً عاملاً مصلحاً بعيداً عن الناس في دنياهم قريباً منهم بدينهم، دؤوباً على الدرس والتحصيل همه القراءة والاطلاع، يقرأ الكتب الصغيرة والكبيرة، ومن أقواله: "يا بني قد تجد في الساقية ما لا تجده في البحر".
كان رحمه الله يحب العلم والعلماء، ويدعوهم للمحبة والتآلف، ولم يتكلم يوماً على أحد منهم إلا بالخير، بل كان كثير الثناء على أقرانه وعلماء زمانه، ومن أقواله: "بلاء العلماء في تحاسدهم".
كان حازماً في رأيه من غير عناد ينقاد للحق حيث ظهر له، عالي الهمة موفور الكرامة، شجاعاً يحب العسكر والعسكرية، يحث الطلاب على دخول الجيش، والتطلع للمناصب العليا والقيادة، وكان يقول لتلاميذه: "يجب أن يكون منكم الوزراء والضباط والقادة".
كان رجلاً شجاعاً ويحب الشجعان، وكان يقول فيهم: "هؤلاء حماة الدين وجنده، يأتي يومُ الموقف، وواحد من هؤلاء خير من مئة عالم".
سيرته العلمية:
يقول رحمه الله عن سبب اتجاهه لطلب العلم ما خلاصته:
عندما أنهيت حفظي لكتاب الله ودراستي في المدرسة الحكومية (الميرية) برنكوس اكتفيت بذلك، ولم أفكر في إتمام الدراسة، لأن ذلك يتطلب النزول إلى العاصمة دمشق، وفي أحد الأيام جاء الشيخ غنام الرنكوسي وطلب من والدي أن يذهب إلى الشام ليتعلم عند الشيخ بدر الدين الحسني.
كنت جالساً أسمع ذلك الحوار وقلما أستطيع أن أكلم والدي أو أديم النظر إليه احتراماً له، ولكن الله ألهمني الكلام في تلك اللحظة، فقلت له: أتأذن لي أن أذهب وأتعلم عند الشيخ بدر الدين الحسني؟ فقال لي: لكنك صغير، فقلت له أتعلم إن شاء الله، فانشرح صدر والدي لذلك ووافق على أن يذهب بي إلى الشيخ بدر الدين الحسني في دار الحديث، وفي تلك اللحظة انتابني شعور بالفرح والسعادة.
قراءته على كبار شيوخ عصره:
1- العلامة المحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني (1267 - 1354هـ): أجل مشايخه وأعظمهم أثراً في نفسه.
يتحدث الشيخ محمود قائلاً: "قدم بي والدي إلى دمشق إلى الشيخ بدر الدين الحسني سنة 1324هـ وكان عمري حينئذٍ ثلاث عشرة سنة".
لازم الشيخ محمود شيخه بدر الدين عشر سنوات، قرأ عليه خلالها علوماً شتى كالفقه والحديث والمصطلح والتفسير والأصول وعلم المواريث والتوحيد والنحو والصرف والبلاغة والعروض والأدب والمنطق والحساب والهندسة والاسطرلاب.
حاز الشيخ محمود شهادة الدراسة الشرعية التابعة لدار الحديث النبوي الشريف بدرجة جيد جداً سنة 1353هـ وكانت هذه الشهادة تخوله ممارسة القضاء والإفتاء.
كما حصل على شهادة خاصة من الشيخ بدر الدين الحسني؛ أذن له فيها بإلقاء الخطب والدروس، وأجازه بجميع مروياته إجازة خطية.
يقول الشيخ محمود: "كنت ولله الحمد محبوباً لدى شيخي كثيراً، وكان لا يذهب إلى مكان حتى يصطحبني معه، وكنت دائماً أركب بجانبه في السيارة، ولا يأذن بانطلاقها حتى أركب معه".
2- العلامة الشيخ أبو الخير الميداني: كان أول لقاء بين الشيخ محمود والشيخ أبي الخير الميداني في جامع التوبة، وكان الشيخ أبو الخير يشرح درساً في ألفية ابن مالك. وذلك بعد مضي سنتين له في دار الحديث.
لازم الشيخ محمود شيخه أبا الخير الميداني خمسةً وثلاثين عاماً، قرأ خلالها علوماً شتى، كالفقه الحنفي والتفسير والحديث وأصول الفقه واللغة والأدب والصرف والبلاغة والمنطق والحساب والجغرافيا والتاريخ والفلك وغير ذلك.
حاز الشيخ محمود على إجازة في الطريقة النقشبندية من الشيخ أبي الخير الميداني، كما أجازه إجازة خطية عامة بجميع مروياته.
يقول الشيخ محمود: "جلست بجانب الشيخ أبي الخير في أول دروسي عنده ثم استأذنته بالجلوس مقابلاً له فأذن لي، ولقد أكرمني الله تعالى فكان كل ما يقوله الشيخ أبو الخير يدخل إلى صدري فوراً وأستطيع أن أعيد جميع كلامه".
كان الشيخ أبو الخير الميداني يحب تلميذه الشيخ محمود الرنكوسي ويعامله معاملة الابن الحقيقي، ولقد عُرِض عليه الزواج (مرة ثانية) ليكون له ذرية فقال: عندي ولدان الشيخ محمود والشيخ لطفي.
كان الشيخ أبو الخير الميداني لا يبدأ دروسه إلا بوجود الشيخ محمود، ولا يسافر إلا بصحبته.
وقد أكرمه الله فصلى على شيخه أبي الخير بعد وفاته.
3- العلامة الزاهد الشيخ مصطفى الشطي: (مفتي دوما) قرأ عليه علم الفرائض وأجازه بذلك.
4- الشيخ محمود العطار: قرأ عليه أصول الفقه والفقه الحنفي وشرح الشاطبية في القراءات السبع وعلم الأدب.
5- العلامة الحافظ الجامع الشيخ محمد قطب: قرأ عليه القرآن الكريم وأحكام التجويد.
تدريسه في الثانويات والكليات الشرعية:
تولى الشيخ محمود الرنكوسي التدريس في عدد من الثانويات في دمشق، منها:
1- المدرسة الكاملية العثمانية، درَّس فيها الفقه والتوحيد.
2- الكلية الشرعية (الثانوية الشرعية فيما بعد)، تولى التدريس فيها منذ أيامها الأولى، وبقي فيها مدة طويلة درس فيها الفقه الحنفي وغيره.
3- الكلية الوطنية الشرعية (في زقاق النقيب)، درَّس فيها التفسير.
4- مدرسة دار الحديث النبوي الشريف، التي أعاد صياغتها وأنشأها كمدرسة.
تدريسه في المساجد:
اهتم الشيخ بإقامة الدروس في المساجد، ومن أهم هذه المساجد:
· جامع السوق العتيق، أقام فيه خمسة دروس بعد صلاة العصر.
· جامع التوبة، أقام فيه عد دروس بعد صلاة العصر في الفقه والحديث والتفسير.
· جامع يلبغا، أقام فيه بعض الدروس.
· الجامع الأموي الكبير، كُلف بإعطاء الدروس فيه في شهر رمضان المبارك.
نشاطاته العامة والعلمية:
تجديده دار الحديث واستلامه لها:
كان من شروط مشيخة دار الحديث أن تجتمع في الشيخ الرواية والدراية.
يقول الشيخ محمود: لم يكن في دار الحديث نظام مدرسي زمن المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني، فاستأذنت الشيخ بأن أرتب المدرسة وأجعل منها مدرسة نظامية، فسر الشيخ بذلك، ووافق عليه، فجلست شهراً كاملاً أنظر في أنظمة المدارس التي أعرفها، حتى خرجت ببرنامج نظامي متكامل، وعرضته على الشيخ فسر به سروراً عظيماً، لكن الظروف في ذلك الوقت لم تسمح بذلك، فقال لي الشيخ بدر الدين: ستصل ولا تخرج من دار الحديث، وكان يكرر عليَّ هذه الوصية كثيراً قبل وفاته.
وجاء الإذن بجعلها مدرسة نظامية، فنشرت في الصحف أن دار الحديث قد فتحت أبوابها لطلاب العلم، وكان ذلك في منتصف عام 1952م، فتوافد إليها الطلاب حتى بلغ عددهم خمسة عشر طالباً، وكانوا ينامون في المدرسة وكنت أطعمهم واشرف على دراستهم وأغسل لهم ثيابهم.
وفي العام الثاني أصبح عددهم خمسة وأربعين طالباً، فكانوا ينامون في المسجد لضيق المكان، فاشترينا المدرسة العادلية الصغرى، وجعلتها مهاجع للطلاب مجهزة بأحسن التجهيز.
ثم جددت دار الحديث، وجعلتها صفوفاً، وكان الشيخ أبو الخير الميداني يأتي إلى المدرسة ويقول لي: ليت الشيخ بدر الدين حيٌّ كي يرى هذا التنظيم للمدرسة. [انظر: المعرفة الحقيقية لدار الحديث الأشرفية، للشيخ محمود الرنكوسي].
درَّس الشيخ محمود الرنكوسي الطلاب المنتسبين إلى المدرسة علوم اللغة العربية والفقه الحنفي والعقيدة، وخصص لهم درساً عاماً واحداً كل أسبوع.
وظائفه الدينية ونشاطه :
أوتي موهبة في التعليم، يجمع بين الثقافة العصرية الحاضرة وأسلوب التربية والتوجيه فيها.
كان درسه مزيجاً من التراث الخالد والأسلوب الحديث، ومن أقواله: "تعلموا العلم لله واعملوا به تُنصروا".
كان يشارك طلابه في نزهاتهم ورحلاتهم التي كانت بمثابة دروس علمية وعملية، يغتنمها فرصة ليعيش معهم، لذلك ما اجتمع به امرؤ إلا انتفع بعلمه وفضله، ولم يخل مجلسه من تعليم وإرشاد ونصح.
وقد تصدر الشيخ محمود الرنكوسي للتدريس والإقراء في المساجد والمدارس، وتولى عدداً من الوظائف الدينية، أهمها:
1- وظيفة التدريس الديني: عُين مدرساً دينياُ عام 1963م.
2- كُلِّف بتحضير الفتوى.
3- الإمامة والتدريس في مسجد السوق العتيق وفي مسجد يلبغا.
4- أحد مؤسسي جمعية الأخوة الخيرية في رنكوس عام 1946م.
5- عضو في رابطة العلماء التي كان يرأسها شيخه أبو الخير الميداني.
6- شارك في المؤتمر الذي عقده مجمع البحوث العلمية الإسلامية بالقاهرة سنة 1967م.

تحميل



تشغيل