مميز
الكاتب: الشيخ عبد الله سراج الدين
التاريخ: 17/09/2012

التوسل والاستغاثة

بحوث ودراسات

بحث التوسل والاستغاثة


                                               العلامة المفسر الشيخ عبد الله سراج الدين رحمه الله


بسم الله الرحمن الرحيم                 


المراد بالتوسل هنا أن يتخذ العبد وسيلة - أي واسطة - إلى الله تعالى في دعائه أو رجائه، لما ثبت لتلك الواسطة عند الله تعالى من الفضل، أو الحق، أو الجاه، أو المنزلة، وإجابة الدعاء، وجميع ذلك جائزٌ شرعاً، لما دلَّ عليه كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وآثار الصحابة، وإجماع الأمة.


أما أدلة الكتاب:


قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.


فقد أمر الله تعالى بترك المحرمات والمنهيات، وابتغاء الوسيلة بالأعمال الصالحة الفاضلة، المقربة إليه سبحانه.


وقد شرع التوسل بالأعمال الصالحة، رجاء الثواب وإجابة الدعاء، قال الله تعالى: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ} فقد توسلوا إلى الله تعالى بإيمانهم أن يغفر الله تعالى لهم، وهذا ظاهر لا يختلف فيه، ولكن من تأمل الآية الكريمة يتبين له أن الآية عامة في وسائل الأعمال الصالحة، والعمال الصالحين - أي الأعمال الفاضلة والذوات الفاضلة - لأنه سبحانه أمر بالتقوى، وابتغاء الوسيلة، والتقوى عبارة عن: فعل المأمورات، واجتناب المنهيات، فإذا فسرنا ابتغاء الوسيلة بالأعمال الصالحة، صار الأمر فيه تكرار وتأكيد، ولكن إذا أريد بالوسيلة الذوات الفاضلة كان تأسيساً، وهو مقدم على التأكيد.


وقد ذكر العلامة البغوي القول بالعموم في آية {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} ونسب ذلك إلى ابن عباس رضي الله عنهما.


وقد ورد إطلاق الوسيلة على الذوات الفاضلة، ففي (فتح الباري) أن الزبير بن بكار روى بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: استسقى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عام الرَمادة بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، فذكر الحديث، وفيه: فخطب عمر رضي الله عنه  فقال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس رضي الله عنه ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا أيها الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عمه العبَّاس، واتخذوه وسيلة إلى الله".


وفيه: "فما رجعوا حتى سقاهم الله تعالى".


وأخرجه البلاذري عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن أبيه.


فكان العباس رضي الله عنهما وسيلتهم إلى الله تعالى، حتى إنه صرح بذلك لما استقى لهم حيث قال: "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بس إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة: فاسقنا الغيث" فأرخت السماء مثل الجبال، حتى أخضبت الأرض وعاش الناس.


فقد صرح العباس رضي الله عنه أن الناس جعلوه وسيلتهم إلى الله تعالى.


وقال الإمام مالك رضي الله عنه لأبي جعفر: "وَلِمَ تصرف وجهك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام يوم القيامة". كما سيأتي ذلك محققاً بإسناده.


ومن الأدلة على مشروعية التوسل قول الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} فليتأمل العاقل سر قوله {جَآؤُوكَ} وقوله: {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} يفهم من ذلك صريح مشروعية اتخاذه وسيلة إلى الله تعالى، ولولا ذلك فما الفائدة في قوله: {جَآؤُوكَ} وهذا عام في حياته الدنيوية وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي ذلك بأدلته إن شاء الله تعالى.


وأما الأحاديث النبوية الدالة على مشروعية التوسل فهي كثيرة نذكر بعضاً منها:

لمتابعة قراءة البحث تفضل بتحميل الملف

تحميل