مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 07/06/2012

الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان

أعيان الشام

26 / 86 هـ


(كان يسمى حمامة المسجد لحرصه على المكث فيه ومداومته لقراءة القرآن)


اشتهر عبد الملك بن مروان بالعلم والفقه والعبادة، فقد كان أحد فقهاء المدينة الأربعة.


قال الأعمش عن أبي الزناد: (كان فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان).


كما قال نافع مولى عبد الله بن عمر: (أدركت المدينة وما بها شاب أنسَكُ، ولا أشد تشميراً، ولا أكثر صلاة، ولا أطلب للعلم، ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان).


وعن ابن عمر أنه قال: (وَلَد الناس أبناء، وولد مروان أباً) - يعني عبد الملك.


وقال رجاء بن أَبي سلمة، عن عبادة بن نسي: (قيل لابن عمر: إنكم معشر أشياخ قريش يوشك أن تنقرضوا، فمن نسأل بعدكم. فقال: إن لمروان ابناً فقيهاً فسَلُوه) .


وقد عُرف عن عبد الملك بن مروان فقهه وتقواه وملازمته لكتاب الله، فكان يسمى حمامة المسجد، لحرصه على المكث فيه، ومداومته لقراءة القرآن.


فمن هو عبد الملك بن مروان؟


لما جاءته الخلافة كان يقرأ القرآن، فأطبق المصحف، وقال: (هذا فراق بيني وبينك) ، فما أصعب أن يترك الإنسان حبه بعد هذه الفترة من الزمان، وتأمل أيها القارئ في لحظة انتصاره بعد أن دانت له العراق وقُتل مصعب بن الزبير، وأعدّ له أهل العراق موائد عظيمة، فأصاب منها وهو يقول: ما ألذ عيشنا لو كان يدوم، ولكنا كما قال الأول:


وَكُلُّ جَدِيدٍ يَا أُمَيْمَ إلى البلى *** وَكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا يَصِيرُ إِلَى كَانْ


فلما فرغ الناس من الأكل نهض فدار في أرجاء قصر الخورنق بالكوفة ومعه عمرو بن حريث –أحد أشرافها- وهو يسأله: لمن هذا البيت؟ ومن بنى هذا البيت؟ وعمرو يخبره، ثم عاد إلى مجلسه فاستلقى وهو يقول:


اعْمَلْ عَلَى مَهَلٍ فَإِنَّـــكَ مَيِّـــتٌ *** وَاكَدَحْ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانْ


قكأن مَا قَدْ كَانَ لَمْ يَكُ إِذْ مَضَى *** وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ قَدْ كَانْ


والآن فقد ازداد فينا الفضول للتعرف عليه ومحاولة استنباط بعض العبر والعظات في ضوء سيرته.


نشأته وحياته:


أمير المؤمنين أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، القرشي الأموي، ولد سنة 26 هـ في خلافة عثمان، سمع عثمان بن عفان رضي الله عنه، وشهد الدار مع أبيه، وله عشر سنين، وحفظ أمرهم وحديثهم، وهو أول من سار بالناس في بلاد الروم سنة 42 هـ، فكان أول مَشْتًى شَتَوْهُ بها، وكان أميراً على أهل المدينة وله ست عشرة سنة، ولاه إياها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وكان يجالس الفقهاء والعلماء والعباد والصلحاء.


روى عبد الملك بن مروان الحديث عن أبيه، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وابن عمر، ومعاوية، ويزيد بن معاوية، وأم سلمة، وبريرة مولاة عائشة رضي الله عنهم أجمعين.


وروى عنه جماعة منهم: خالد بن معدان، وعروة بن الزبير، والزهري، وعمرو بن الحارث، ورجاء بن حيوة، وجرير بن عثمان وثعلبة بن أبي مالك القرظي، وربيعة بن يزيد، ويونس بن ميسرة، وابنه محمد بن عبد الملك رحمهم الله تعالى. قال ابن أبي خيثمة، عن مصعب بن الزبير: (وكان أول من سمي في الإسلام بعبد الملك). 


صفاته:


وكان عبد الملك بن مروان رجلاً طويلاً أبيض، مقرون الحاجبين، كبير العينين مشرف الأنف، دقيق الوجه، حسن الجسم، ليس بالقضيف ولا البادن أبيض الرأس واللحية.


مكانته:


روى ابن سعد بسنده أَنّ معاوية بن أبي سفيان جلس ذات يوم ومعه عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فمر بهما عبد الملك بن مروان فقال معاوية: ما آدَبَ هذا الفتى وأحسن مُرُوَّتَهُ؟، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين إن هذا الفتى أخذ بخصال أربع وترك خصالاً ثلاث: (أَخَذَ بِحُسْنِ الْحَدِيثِ إِذَا حَدَّثَ، وَحُسْنِ الِاسْتِمَاعِ إِذَا حُدِّثَ، وَحُسْنِ الْبِشْرِ إِذَا لَقِيَ، وَخِفَّةِ الْمُئُونَةِ إِذَا خُولِفَ. وَتَرَكَ مِنَ الْقَوْلِ مَا يَعْتَذِرُ مِنْه، وَتَرَكَ مُخَالَطَةَ اللِّئَامِ مِنَ النَّاسِ، وَتَرَكَ مُمَازَحَةَ مَنْ لَا يُوثَقُ بِعَقْلِهِ وَلَا مُرُوَّتِه).


وقال عنه البخاري : كان عبد الملك بن مروان قد جالس العلماء والفقهاء وحفظ عنهم، وكان قليل الحديث، فمن حديثه ما رواه ابن عساكر في تاريخه بسنده أن عبد الملك بن مروان قال: كنت أجالس بريرة مولاة عائشة بالمدينة قبل أن ألي هذا الأمر، فكانت تقول يا عبد الملك إني لأرى فيك خصالاً، لخليق أن تلي أمر هذه الأمة، فإن وليت فاحذر الدماء، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن الرجل ليدفع عن باب الجنة أن ينظر إليها بملء محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق).


وعن الشعبي، قال: (ما جالستُ أحداً إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عَبد المَلِك بن مروان فإني ما ذاكرته حديثاً إلا زادني فيه ولا شعراً إلا زادني فيه). وقال الأصمعي: (قيل لعبد الملك: عجل بك الشيب. قال: وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة) .


أقوال العلماء في عبد الملك بن مروان:


استشهد الإمام مالك في الموطأ بفقهه وأحكامه وقضاياه، قال أبو بكر بن العربي: (فهذا مالك رضي الله عنه قد احتج بقضاء عبد الملك بن مروان في موطئه وأبرزه في جملة قواعد الشريعة).. وأخرج البخاري عن عبد الله بن دينار قال: شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان كتب: (إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله، ما استطعت، وإن بني قد أقروا بمثل ذلك).


وكان عبد الملك بن مروان يحض الناس في خلافته على طلب العلم، فيقول: (إن العلم سيُقبض قبضاً سريعاً، فمن كان عنده علم فليُظهره غير غال فيه ولا جاف عنه)، وكان يجد في الأذكار الصالحة، ويوصي بذلك أصحابه، فقد روي ابن أبي الدنيا أن عبد الملك كان يقول لمن يسايره في سفره إذا رفعت له شجرة: سبحوا بنا حتى تأتي تلك الشجرة، كبروا بنا حتى تأتي تلك الشجرة، ونحو ذلك.  


وقال الأصمعي عن أبيه عن جده، قال: (وخطب عبد الملك يوماً خطبة بليغة، ثم قطعها وبكى بكاءً شديداً، ثم قال: يا رب إن ذنوبي عظيمة، وإن قليلَ عفوك أعظم منها، اللهم فامحُ بقليل عفوك عظيمَ ذنوبي. فبلغ ذلك القول زاهد العراق الحسن البصري فبكى وقال: لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا الكلام) . وقال الشعبي: خطب عبد الملك، فقال: (اللهمّ إن ذنوبي عظام، وهي صغار في جنب عفوك، فأغفرها لي يا كريم).


وكان إذا جلس للقضاء بين الناس يخشى أن يجور في حكمه، فيوقف وصيفاً ينشد على رأسه:


             إِنَّا إِذَا نَالَتْ دَوَاعِي الْهَوَى *** وَأَنْصَتَ السَّامِعُ لِلْقَائِلِ


             وَاصْطَرَعَ النَّاسُ بِأَلْبَابِهِمْ *** نَقْضِي بِحُكْمٍ عَادِلٍ فأصل


             لا نجعل الباطل حقا ولا *** نلفظ دُونَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ


            نَخَافُ أَنْ تُسَفَّهَ أَحْلَامُنَا *** فنجهل الحق مع الجاهل


ثم يجتهد عبد الملك أن يقضي بالحق بين الخصماء.


وماذا عنه في أهل بيته؟


لقد اجتهد عبد الملك بن مروان أن يربي أبناءه على ذلك الأدب الرفيع والخلق الكريم، فلما دنا منه الموت وثقل به مرضه، قال: (وددت أني كنت أكتسب يوما ًبيوم ما يقوتني، وأشتغل بطاعة الله .. والله وددت أني عبدٌ لرجل من تهامة أرعى غنما في جبالها، وأني لم أكُ شيئاً)  


وقيل: إنه قال: ارفعوني، فرفعوه حتى شم الهواء، وقال ذامّا الدنيا: يا دنيا ما أطيبك؟ إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإن كنا بك لفي غرور.


ثم أقبل على جميع ولده، فقال:


 (أوصيكم بتقوى الله، فإنها عصمة باقية، وجنة واقية، وهي أحصن كهف وأزين خلية، ليتعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير منكم حق الكبير، مع سلامة الصدور والأخذ بجميل الأمور، وإياكم والفرقة والخلاف، فبها هلك الأولون، وذل ذوو العز المعظمون ..).


وكانت وفاة عبد الملك بن مروان في النصف من شوال بدمشق سنة 86هـ، يوم الجمعة وقيل الأربعاء وقيل الخميس، وصلى عليه ابنه الوليد ولي عهده، وكان عمره يوم مات ستين سنة. ودفن بين باب الجابية وباب الصغير.


 أعمال ميزته:


 أولاً: بناء قبة الصخرة:


 شيدها عبد الملك بن مروان حيث أراد أن يرضي شعور المسلمين بالشام الذين يشاهدون عن قرب الأبنية البيزنطية والمسيحية الضخمة والكثيرة، مثل كنيسة القيامة وغيرها، فبنى لهم بناء يظهر عظمة الإسلام، وقدرة أهله على منافسة هذه البنايات العظيمة  .


ثانياً: ضرب الكعبة بالمجانيق أثناء حصار ابن الزبير:


أما عن ثورة ابن الزبير والدوافع التي أدت إلى حصار عبد الملك بن مروان لعبد الله بن الزبير، أجمعت المصادر على أن الأمويين إنما ضربوا بالمجانيق ذلك الجزء الإضافي، الذي أضافه ابن الزبير إلى الكعبة لما أعاد بناءها من جديد سنة 65 هـ ، ولم يكن الأمويون يعتقدون صحة عمل ابن الزبير في هذه الزيادة، وقد كان يُطلق على هذا الجزء الإضافي الذي زاده ابن الزبير وقصفه الحجاج قائد عبد الملك (اسم الحطيم)، كما يروي المقدسي وياقوت الحموي ، ومعروف أن عبد الملك بن مروان أمر فيما بعد بهدم ما بناه ابن الزبير وزاده على الكعبة، لما أعاد هو الآخر بنائها سنة 74 هـ، فقال الشاعر جرير يمدحه:


رجعت لبيت الله عهد نبيه *** وأصلحت ما كان الخبيبان أفسدا


رحمه الله، وجزاه عنا وعن المسلمين خيراً. 


المصادر و المراجع:


ـ الطبقات الكبرى / ابن سعد


ـ التاريخ الكبير / للإمام البخاري


ـ تاريخ دمشق / ابن عساكر


ـ سير الأعلام / الذهبي


ـ الحوليات الأثرية للجمهورية العربية السورية مجلد 35