مميز
الكاتب: أسماء رمضان
التاريخ: 30/08/2012

الوقت (1)

مقالات

الوقت (1)
- الحمد لله الذي خلق الإنسان، ونعمه نعمة الزمان، وبارك له في الوقت، ودعا إلى الاستفادة منه قبل الفوت...
- والصّلاة والسَّلام على سيدنا محمد، خير من دعا إلى الخير والصّلاح، والإحسان والفَلاح، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الكرام الطيبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين... أما بعد:
- فإن الوقت ثمين، وهو رأسمال الإنسان الحقيقي؛ الذي به يحيا وينطلق إلى العمل المفيد بنشاط متجدد وعزيمة ماضية؛ فالوقت أساس الحياة، وعليه تقوم الحضارة، ويُسأل عنه الإنسان يوم العرض في الآخرة، لذا فمن واجب الإنسان أن يكون حريصاً على وقته فيوظفه في الدعوة إلى الخير، ونشر الكمال والفضيلة، ويؤسس به دائرة حياته الدينية والدنيوية، فيما يعود عليه بالفائدة، وعلى أمته بالنماء...
- وقد أرشدنا الله تعالى في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه العظيم r إلى أهمية الوقت والتوقيت في حياتنا وأعمالنا فرسم لنا الأحكام الشرعية، وحدّد لنا أوقاتها ومواعيد أدائها، وحذرنا من التساهل والتجاوز بها عن توقيتها، وفي ذلك منه سبحانه تعليم وتربية لنا على تنظيم الأعمال والقيام بها في مواعيدها المحدّدة، قال عز وجل: )فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً ( [النساء: 103].
- وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله r: أيُّ الأعمال أحب إلى الله تعالى؛ قال: (الصّلاة على وقتها).. والصّلاة تتكرر من المسلم والمسلمة في اليوم والليلة خمس مرات، فإذا أدّاها المسلم في أول وقتها كما طُلبت منه، غرست في سلوكه خلق الحفاظ على الوقت، والدقة في المواعيد، والانتباه لتوقيت كل عمل بوقته المناسب له، الموصل إلى الغاية من على الوجه الأتم الأكمل...
- وقد رسم الشرع الحنيف: التوقيت في تكاليف كثيرة غير الصّلاة، فوقّت في أحكام الحج، والزكاة، والصوم، وزكاة الفطر، والأضحية، والسفر، والتيمم، والمسح على الخفين، والرضاع والطلاق، والعدّة، والعقيقة، والحيض والنفاس، وكثيرٌ غيرها.
وما ذلك إلا لمعنىً هام رتب الشرع التوقيت عليه، ولَحظَ المصلحة والنفع به...
- وقد غفل كثير من المسلمين اليوم عن هذا التوجيه الإسلامي الدقيق لهم من جانب الشرع الأغرّ، فجعلوا يأخذون ويتعلمون أهمية ربط الأعمال بالتوقيت المناسب من غيرهم!.. وكأنهم لم يُمَرَّنوا أو يُرَبَّوا على ذلك من أول يوم كُلِّفوا فيه بأحكام الشريعة الغرّاء، وفي أولها الصّلاة..
- فيجب على المسلم أن ينتبه إلى الوقت في حياته، وإلى تنفيذ كل عمل من أعماله في توقيته المناسب، فالوقت من حيث هو معيارٌ زمني من أغلى ما وهبَ الله تعالى للإنسان، وهو في حياة العالم وطالب العلم رأس المال والربح جميعاً، فلا يَسوغُ للعاقل أن يضيّعه سدىً، ويعيش فيه هملاً سبهللاً...
- ومما يبين عظمة وأهمية الوقت والزمن في الإسلام الآيات الكثيرة التي أقسم الله عز وجل فيها بالوقت في مختلف أطواره في كتابه الكريم، إشعاراً منه بقيمة الزمن..؛ فأقسم الله عز وجل بالليل، والنهار، والفجر، والصبح، والشفق، والضحى، والعصر؛ فمن ذلك قوله تعالى: ) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى( [الليل:1-2[
- وقوله تعالى: )وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ( [العصر].
- ويلاحظ أنّ كل ما أقسم الله عز وجل عليه بالزّمن كان هاماً في أعلى درجات الأهمية، وكان قسمه بالزمن في أمرين هامين جداً:
أحدهما: تبرئة الرسول r من أن يكون هجره ربه كما زعم ذلك المشركون والأعداء، وذلك في سورة الضحى...
والمقام الآخر: في بيان أن كل إنسان خاسر وهالك إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذلك في قسم سورة العصر...
وقد قال حبر الأمة وترجمان القرآن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "العصر هو الزمن"...
- وأما السنة المطهرة فالبيان فيها لقيمة الزمن وأهمية الوقت أصرح وأوضح، فقد روى البخاري والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: (نعتمان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).
- فالزمن نعمة جلّى ومنحة كبرى لا يدريها ويستفيد منها كل الفائدة إلا الموفقون الأفذاذ كما أشار إلى ذلك لفظ الحديث الشريف فقال:(مغبونٌ فيهما كثير من الناس)؛ فأفاد أنا المستفيدين من ذلك قلة، وأنَّ الكثير مفرِّط مغبون.. وتمام هذا المعنى: أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون، لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها الشغل، والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلا الهرم لكفى؛ وقد أخرج الترمذي عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟).
- فهكذا يُسأل الإنسان عن عمره، وكيف صرف الأعوام التي عاشها في الدنيا، لأن الجزاء من جنس العمل: وطالما أمهل الله تعالى الناس من قبل، حتى ظنَّ كثير منهم أنه لا جزاء ولا حساب، وعندما يواجهون بالسؤال يوم القيامة سيدركون قيمة الأوقات التي ملؤوها بالأعمال الفارغة، والأشياء التافهة التي تعتبر قتلاً للوقت، وإضاعةً لهذه النعمة العظمى...
- ولئن كان المؤمن يتميز عن غيره من الناس، إنما ينبع امتيازه من حسن تقديره للوقت، واغتنامه للفرص التي تواتيه قبل أن ترحل مولية عنه، فهو يعلم أن الوقت هو مادة الحياة الأساس، وعلى العاقل أن يستخدم حياته فيما يعود بالنفع عليه، وعلى أسرته ومجتمعه..
- وقد قال عليه الصّلاة والسلام: (بادروا بالأعمال سبعاً: فهل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفندا أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمرّ) [رواه الترمذي].
- وقال ابن القيم في مدارج السالكين: "والغيرة على وقتٍ فات! وهي غيرة قاتلة فإن الوقت سريع الانقضاء، أبيُّ الجانب، والوقت عند العابد هو وقت العبادة والأوراد، وعند المريد هو وقت الإقبال على الله، والجمعيّة عليه، والعكوف عليه بالقلب كله، والوقت أعز شيء عليه، يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك، فإذا فاته الوقت لا يمكن استدراكه البتة، لأن الوقت الثاني قد استحقّ ++ الخاص، فإذا فاته وقت لا سبيل له إلى تداركه..".
- وإن الاشتغال بالندم على الوقت الفائت تضييع للوقت الحاضر، ولهذا يقال: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك..؛ وذلك الوقت منقضٍ بذاته، منصرمٌ بنفسه، فمن غفل عن نفسه تصرّمت أوقاته، وعظم فواته، واشتدت حسراته، فكيف حاله إذا علم تحقق الفوت مقدار ما أضاع! وطلب الرجعى فحيل بينه وبين الاسترجاع! وطلب تناول الفائت؛ وكيف يُرَدُّ الأمس في اليوم الجد (وأنى لهم التناوش من مكان بعيد) ؟! ومُنح ما يحبه ويرضيه، وعلم أن ما اقتناه ليس مما ينبغي للعاقل أن يقتنيه، وحيل بينه وبين ما يشتهيه!..
فيا حسراتٌ، ما إلى ردِّ مثلها
سبيلٌ! ولو رُدَّت لها التحسر!
والواردات سريعة الزوال، تمر أسرع من السحاب، وينقضي الوقت بما فيه فلا يعود على المرء منه إلا أثرُه وحكمُهُ، ولهذا يقال للسعداء في الجنة: )كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ( [الحاقة: 24]- ويقال للأشقياء المعذّبين في النار: )ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ( [غافر: 75]
* وقد كان السلف الصالح، ومن سار على نهجهم من الخلف أحرص الناس على كسب الوقت وملئه بالخير، سواءٌ في ذلك عالمهم وعابدهم فقد كانوا يسابقون الساعات، ويبادرون اللحظات ضناً بالوقت وحرصاً على أن لا يذهب منهم هدراً:
- فقد نقل عن عامر بن عبد تيس أحد التابعين والزهاد: أن رجلاً قال: كلمني، فقال له عامر بن عبد تيس: أمسك الشمس. يعني أوقف لي الشمس واحبسها عن المسير حتى أكلمك فلا يضيع حينئذٍ وقتي...
- ويقول الحسن البصري رضي الله عنه: "يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضك"..
- وقد كان الخليل بن أحمد الفراهيدي يقول: "أثقل الساعات عليَّ ساعةً آكل فيها".
- وأما شيخ الإسلام يحيى بن شرف النووي: لم يضع جنبه على الأرض نحو سنتين، فقد حفظ التنبيه في أربع أشهر ونصف، وقرأ ربع المهذب حفظاً في باقي السَّنة على شيخه الكمال إسحاق بن محمد، فكان كل يوم يقرأ اثني عشر درساً مع الضبط والتعليق، منها ما يكون في علم النفس أو الأصول أو النحو أو الحديث أو أسماء الرجال..؛ فكان لا يضيع له وقتاً لا في ليلٍ ولا في نهار إلا في الاشتغال بالعلم، حتى في الطريق يكرر ويطالع، وكان يأكل أكلة واحدة في اليوم، ولا يأكل الفواكه والخيار لئلا يرطب جسمه فينام، وقد ترك مؤلفات كثيرة عظيمة ما قسموه على أيام حياته، فكان لكل يوم فيها أربعة كراريس.. رحمه الله تعالى..
- فاللهَ أكبرُ ما أشد الفناء في العلم عندهم، وما أوقد الغيرة على الوقت لديهم؟!
* أما في زماننا هذا فعموم الناس يدفعون الزمان دفعاً عجيباً! إن طال الليل فبحديث لا ينفع، أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار في الحدائق أو في الأسواق كأنهم في سفينة تجري بهم وما عندهم خبر!!
- والنادر من الناس من فهم معنى الوجود فَهَمَّ في تعبئة الزاد والتهيؤ للرحيل؛ وذلك لأن كثير من الخلق لا يعرف معنى الحياة، ولم يَطَّلع على شرف العرم ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه الله وألهمه اغتنام ذلك، قال تعالى: )وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ( [فصلت: 35].
فبالحفاظ على الوقت تكثر الأعمال، وتطول الأعمار، ويبارك الله تعالى في الأزمان الوجيزة والأعمار القصيرة، والله يؤتي فضله من يشاء وهو ذو الفضل العظيم..
* ثم إن المتأمل لسير الحياة، والمطالع لأحداث التاريخ، يلحظ أن الوقت (أو الزمان) يتميز بجملة الخصائص لا بُدَّ من الإشارة إليها، وإظهارها للعيان ليقف المرء على كبد الحقيقة، ويدرك كيفية التعامل مع نعمة العمر التي وهبها الله تعالى له.
يتبع ...