مميز
الكاتب: أسماء رمضان
التاريخ: 30/08/2012

الوقت

مقالات

الوقت


الكاتبة: أسماء رمضان


 الحمد لله الذي خلق الإنسان، ونعمه نعمة الزمان، وبارك له في الوقت، ودعا إلى الاستفادة منه قبل الفوت...


والصّلاة والسَّلام على سيدنا محمد، خير من دعا إلى الخير والصّلاح، والإحسان والفَلاح، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الكرام الطيبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين... أما بعد:


فإن الوقت ثمين، وهو رأسمال الإنسان الحقيقي؛ الذي به يحيا وينطلق إلى العمل المفيد بنشاط متجدد وعزيمة ماضية؛ فالوقت أساس الحياة، وعليه تقوم الحضارة، ويُسأل عنه الإنسان يوم العرض في الآخرة، لذا فمن واجب الإنسان أن يكون حريصاً على وقته فيوظفه في الدعوة إلى الخير، ونشر الكمال والفضيلة، ويؤسس به دائرة حياته الدينية والدنيوية، فيما يعود عليه بالفائدة، وعلى أمته بالنماء...


وقد أرشدنا الله تعالى في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه العظيم صلى الله عليه وسلم إلى أهمية الوقت والتوقيت في حياتنا وأعمالنا فرسم لنا الأحكام الشرعية، وحدّد لنا أوقاتها ومواعيد أدائها، وحذرنا من التساهل والتجاوز بها عن توقيتها، وفي ذلك منه سبحانه تعليم وتربية لنا على تنظيم الأعمال والقيام بها في مواعيدها المحدّدة، قال عز وجل: )فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً)


وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأعمال أحب إلى الله تعالى؛ قال: (الصّلاة على وقتها).. والصّلاة تتكرر من المسلم والمسلمة في اليوم والليلة خمس مرات، فإذا أدّاها المسلم في أول وقتها كما طُلبت منه، غرست في سلوكه خلق الحفاظ على الوقت، والدقة في المواعيد، والانتباه لتوقيت كل عمل بوقته المناسب له، الموصل إلى الغاية من على الوجه الأتم الأكمل...


وقد رسم الشرع الحنيف: التوقيت في تكاليف كثيرة غير الصّلاة، فوقّت في أحكام الحج، والزكاة، والصوم، وزكاة الفطر، والأضحية، والسفر، والتيمم، والمسح على الخفين، والرضاع والطلاق، والعدّة، والعقيقة، والحيض والنفاس، وكثيرٌ غيرها.


وما ذلك إلا لمعنىً هام رتب الشرع التوقيت عليه، ولَحظَ المصلحة والنفع به...


وقد غفل كثير من المسلمين اليوم عن هذا التوجيه الإسلامي الدقيق لهم من جانب الشرع الأغرّ، فجعلوا يأخذون ويتعلمون أهمية ربط الأعمال بالتوقيت المناسب من غيرهم!.. وكأنهم لم يُمَرَّنوا أو يُرَبَّوا على ذلك من أول يوم كُلِّفوا فيه بأحكام الشريعة الغرّاء، وفي أولها الصّلاة..


فيجب على المسلم أن ينتبه إلى الوقت في حياته، وإلى تنفيذ كل عمل من أعماله في توقيته المناسب، فالوقت من حيث هو معيارٌ زمني من أغلى ما وهبَ الله تعالى للإنسان، وهو في حياة العالم وطالب العلم رأس المال والربح جميعاً، فلا يَسوغُ للعاقل أن يضيّعه سدىً، ويعيش فيه هملاً سبهللاً...


ومما يبين عظمة وأهمية الوقت والزمن في الإسلام الآيات الكثيرة التي أقسم الله عز وجل فيها بالوقت في مختلف أطواره في كتابه الكريم، إشعاراً منه بقيمة الزمن..؛ فأقسم الله عز وجل بالليل، والنهار، والفجر، والصبح، والشفق، والضحى، والعصر؛ فمن ذلك قوله تعالى: )وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى(، وقوله تعالى: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)


ويلاحظ أنّ كل ما أقسم الله عز وجل عليه بالزّمن كان هاماً في أعلى درجات الأهمية، وكان قسمه بالزمن في أمرين هامين جداً:


أحدهما: تبرئة الرسول صلى الله عليه وسلم من أن يكون هجره ربه كما زعم ذلك المشركون والأعداء، وذلك في سورة الضحى...


والمقام الآخر: في بيان أن كل إنسان خاسر وهالك إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذلك في قسم سورة العصر...


وقد قال حبر الأمة وترجمان القرآن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "العصر هو الزمن"...


وأما السنة المطهرة فالبيان فيها لقيمة الزمن وأهمية الوقت أصرح وأوضح، فقد روى البخاري والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: (نعتمان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).


فالزمن نعمة جلّى ومنحة كبرى لا يدريها ويستفيد منها كل الفائدة إلا الموفقون الأفذاذ كما أشار إلى ذلك لفظ الحديث الشريف فقال: (مغبونٌ فيهما كثير من الناس)؛ فأفاد أنا المستفيدين من ذلك قلة، وأنَّ الكثير مفرِّط مغبون.. وتمام هذا المعنى: أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون، لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها الشغل، والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلا الهرم لكفى؛ وقد أخرج الترمذي عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟).


فهكذا يُسأل الإنسان عن عمره، وكيف صرف الأعوام التي عاشها في الدنيا، لأن الجزاء من جنس العمل: وطالما أمهل الله تعالى الناس من قبل، حتى ظنَّ كثير منهم أنه لا جزاء ولا حساب، وعندما يواجهون بالسؤال يوم القيامة سيدركون قيمة الأوقات التي ملؤوها بالأعمال الفارغة، والأشياء التافهة التي تعتبر قتلاً للوقت، وإضاعةً لهذه النعمة العظمى...


ولئن كان المؤمن يتميز عن غيره من الناس، إنما ينبع امتيازه من حسن تقديره للوقت، واغتنامه للفرص التي تواتيه قبل أن ترحل مولية عنه، فهو يعلم أن الوقت هو مادة الحياة الأساس، وعلى العاقل أن يستخدم حياته فيما يعود بالنفع عليه، وعلى أسرته ومجتمعه..


وقد قال عليه الصّلاة والسلام: (بادروا بالأعمال سبعاً: فهل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفندا أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمرّ)


وقال ابن القيم في مدارج السالكين: "والغيرة على وقتٍ فات! وهي غيرة قاتلة فإن الوقت سريع الانقضاء، أبيُّ الجانب، والوقت عند العابد هو وقت العبادة والأوراد، وعند المريد هو وقت الإقبال على الله، والجمعيّة عليه، والعكوف عليه بالقلب كله، والوقت أعز شيء عليه، يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك، فإذا فاته الوقت لا يمكن استدراكه البتة، لأن الوقت الثاني قد استحقّ الخاص، فإذا فاته وقت لا سبيل له إلى تداركه..".


وإن الاشتغال بالندم على الوقت الفائت تضييع للوقت الحاضر، ولهذا يقال: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك..؛ وذلك الوقت منقضٍ بذاته، منصرمٌ بنفسه، فمن غفل عن نفسه تصرّمت أوقاته، وعظم فواته، واشتدت حسراته، فكيف حاله إذا علم تحقق الفوت مقدار ما أضاع! وطلب الرجعى فحيل بينه وبين الاسترجاع! وطلب تناول الفائت؛ وكيف يُرَدُّ الأمس في اليوم الجد  (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ)؟! ومُنح ما يحبه ويرضيه، وعلم أن ما اقتناه ليس مما ينبغي للعاقل أن يقتنيه، وحيل بينه وبين ما يشتهيه!..


فيا حسراتٌ، ما إلى ردِّ مثلها

سبيلٌ! ولو رُدَّت لها التحسر!


والواردات سريعة الزوال، تمر أسرع من السحاب، وينقضي الوقت بما فيه فلا يعود على المرء منه إلا أثرُه وحكمُهُ، ولهذا يقال للسعداء في الجنة: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ( ويقال للأشقياء المعذّبين في النار: (ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ) 


وقد كان السلف الصالح، ومن سار على نهجهم من الخلف أحرص الناس على كسب الوقت وملئه بالخير، سواءٌ في ذلك عالمهم وعابدهم فقد كانوا يسابقون الساعات، ويبادرون اللحظات ضناً بالوقت وحرصاً على أن لا يذهب منهم هدراً:


فقد نقل عن عامر بن عبد تيس أحد التابعين والزهاد: أن رجلاً قال: كلمني، فقال له عامر بن عبد تيس: أمسك الشمس. يعني أوقف لي الشمس واحبسها عن المسير حتى أكلمك فلا يضيع حينئذٍ وقتي...


ويقول الحسن البصري رضي الله عنه: "يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضك"..


وقد كان الخليل بن أحمد الفراهيدي يقول: "أثقل الساعات عليَّ ساعةً آكل فيها".


وأما شيخ الإسلام يحيى بن شرف النووي: لم يضع جنبه على الأرض نحو سنتين، فقد حفظ التنبيه في أربع أشهر ونصف، وقرأ ربع المهذب حفظاً في باقي السَّنة على شيخه الكمال إسحاق بن محمد، فكان كل يوم يقرأ اثني عشر درساً مع الضبط والتعليق، منها ما يكون في علم النفس أو الأصول أو النحو أو الحديث أو أسماء الرجال..؛ فكان لا يضيع له وقتاً لا في ليلٍ ولا في نهار إلا في الاشتغال بالعلم، حتى في الطريق يكرر ويطالع، وكان يأكل أكلة واحدة في اليوم، ولا يأكل الفواكه والخيار لئلا يرطب جسمه فينام، وقد ترك مؤلفات كثيرة عظيمة ما قسموه على أيام حياته، فكان لكل يوم فيها أربعة كراريس.. رحمه الله تعالى..


فاللهَ أكبرُ ما أشد الفناء في العلم عندهم، وما أوقد الغيرة على الوقت لديهم؟!


أما في زماننا هذا فعموم الناس يدفعون الزمان دفعاً عجيباً! إن طال الليل فبحديث لا ينفع، أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار في الحدائق أو في الأسواق كأنهم في سفينة تجري بهم وما عندهم خبر!!


والنادر من الناس من فهم معنى الوجود فَهَمَّ في تعبئة الزاد والتهيؤ للرحيل؛ وذلك لأن كثير من الخلق لا يعرف معنى الحياة، ولم يَطَّلع على شرف العرم ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه الله وألهمه اغتنام ذلك، قال تعالى: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).


فبالحفاظ على الوقت تكثر الأعمال، وتطول الأعمار، ويبارك الله تعالى في الأزمان الوجيزة والأعمار القصيرة، والله يؤتي فضله من يشاء وهو ذو الفضل العظيم..


ثم إن المتأمل لسير الحياة، والمطالع لأحداث التاريخ، يلحظ أن الوقت (أو الزمان) يتميز بجملة الخصائص لا بُدَّ من الإشارة إليها، وإظهارها للعيان ليقف المرء على كبد الحقيقة، ويدرك كيفية التعامل مع نعمة العمر التي وهبها الله تعالى له.


خصائص الوقت:


1- أنه يمضي بسرعة عجيبة والعمر يتقدم، وكل يوم ينقضي ينقص من حياتنا.. قال الشريف المرتضى:


وكل يوم من الأيام يعجبنا

فإنما هو نقصان من العمر


ومهما عاش الإنسان عمراً مديداً، وطوى آماداً طويلة، فلا بد أن يلاقيه الموت يوماً ما، لتصبح الحياة لحظة عابرة، ثم تتلاشى في أعماق الأفق، فالحياة قصيرة، والزمن يجري كالريح، وسواء عشنا أيام فرح أو ترح، والسعيد من أدرك هذا وعمل لدنياه وآخرته..


2- أنّ ما انقضى منه لا يمكن أن يعود مرةً أخرى، ولا أن نعوَّضه، لأن الوقت إذا فات مات، وإذا ذهب فإنما تضيع فُرَصُهُ وتنصرم لحظاته..


قال مجاهد: "ما من يوم إلا ويقول: ابن آدم! قد دَخلْتُ عليك اليوم، ولن أرجع بعد اليوم، فانظر ما تعمل فيَّ "..


ولطالما سادت شعوبٌ ثم بادت، بسبب تضييعها للوقت، واستهتارها بقيمة الزمن، فوالت عليها الضربات الواحدة تلو الأخرى حتى اندثرت معالم حضارتها، وزالت قواعد بنيانها، والعلاج لمثل هذه المخاطرة القاتلة: صقل الذهن لإدراك قيمة الوقت،  من عبر التاريخ، ودروس الأحداث، والسعيد من وعظ بغيره...


3- أنه ذو أهمية كبرى ومكانة لا توصف في واقع الفرد وحياة الشعوب، والوقت في حقيقة الأمر هو حياة الناس ومحورها الأساس؛ ومنشأ مشاكل العالم ينبع من تضييع الوقت فيما لا ينفع، ولا يعود بطائل نتيجة الغفلة لنعمة الوقت، وعدم اغتنامها فيما يعود بثمار النجاح، وقطوف الخير على الأفراد والمجتمعات..


وحياتنا التي نعيش فيها هي غراس لحياة أكبر تعقبها، والذين يضيِّعون أوقاتهم ويهدرونها هم المفلسون بلا شك في الدنيا قبل الآخرة.. قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)


فمن جهل قيمة الوقت وهو يملك أن ينتفع به فسيأتي عليه حينٌ يعرف قيمته وقدره، ولكن بعد فوات الأوان فيعتصر الندم قلبه، وما أشد ساعة الندم.. بل وما أقساها من لحظات مضطربة! تلك التي يحياها المرء ساعة الاحتضار بينما شريط عمره وصور أعماله تترى بسرعةٍ فائقة في مخيِّلته، فتتلاحق صور الأعمال وتتتابع تصوّرات وآمال وأمانٍ لا تحصى، ولكن هيهات هيهات ولات ساعة مندم!!..


قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)


ويوم القيامة يندم العاصي على ما فرّط في نياه، وما ضَيَّع من أوقات كان ينبغي أن يوظفها في الخير، لكنه أساء في التقدير، وسوّف في العمل، فكانت النتيجة أسفاً على ما فات وحسرةً تأكل قلب الظالم.. قال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً(


وبعد الحساب يدخل المؤمنون الجنة، ويخلد الكافرون في النار، وهناك وسط الجحيم والعذاب الشديد يتمنى العصاة لو تتاح لهم الفرصة ليعودوا مرة أخرى إلى الدنيا، فيعملوا الصالحات، وينتبهوا لنعمة الوقت الممنوحة لهم، ولكن هيهات هيهات لما يأملون.. قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ)


فعلى العاقل أن يهتم دائماً بمستقبله الديني والدنيوي فيحتاط لغده ويعمل لمستقبله، ويتخذ من قوله تعالى: شعاراً له يسير عليه في منهاج حياته، فيغتنم كل لحظة في حياته، وخاصةً ما كان من الأوقات المباركة والفترات الأكثر إنتاجاً من غيرها، فمرحلة الشباب مثلاً يكون فيها الإنسان أكثر عطاءً وأوفر نشاطاً مما بعدها، وساعات السحر أكثر خيراً من غيرها من باقي ساعات النهار..


وكثير من مواسم العام كلية القدر وأيام عشر ذي الحجة والأشهر الحرم تفضل على غيرها بسبب ما خصّها الله عز وجل دون سواها بالفضل والبركة وسعة الرحمة وعظيم الثواب وجعلها مواسم للعبادة وفعل الخيرات والتطهر من السيئات؛ وقد وزعها الله عز وجل على مدار العام ليجدِّد للمؤمنين عزائمهم في التزوُّد من البر والتقوى...


هذا، وإن تحري الأوقات الفاضلة دليلٌ على يقظة الإنسان وترقّبه للزمن الفاضل، والحال المرضيّ، والمكان الأكثر أجراً، وفي هذا رصدٌ للوقت، واعتبار لنعمة العمر، ليكون المرء راضياً عن نفسه، وعن عمله، طالباً وجه الله تعالى ورضاه...


قال صلى الله عليه وسلم: (اطلبوا الخير في دهركم كله، وتعرّضوا لنفحات رحمة ربكم، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده).


 أهم واجبات الإنسان تجاه الوقت:


أ- الحرص على الاستفادة التامة من الوقت؛ قال أحد الحكماء: "لا تمضِ يومك في غير منفعة، فالعمر أقصر من أن يَنْفَذَ في غير المنافع، والعاقل أجلُّ من أن يفني أيامه فيما لا يعود عليه نفعه وخيره".. وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: "إني لأكره أن أرى الرجل فارغاً لا في عمل دنيا ولا آخرة".


فالوقت نعمة أعظم من أن يُفرّط بها فيما لا ينفع ولا يفيد...


ب- ومن واجبات الإنسان تجاه الوقت: ضرورة اغتنام الفرصة السانحة فإنها لا تعود؛ وأكبر فرصة ممنوحة للإنسان هي مدة عمره في الدنيا، فالعبد من اغتنم فرصة حياته، فصنع الخير، واتبع الحق؛ والشقي الخاسر من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني...


قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إنكم في ممر الليل والنهار، في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتةً، فمن زرع خيراً فيوشك أن يحصد رغبةً، ومن زرع شراً فيوشك أن يحصد ندامةً"...


ثم إن اغتنام الفرص لا يعني أن يشغل الإنسان نفسه بالتوافه والصغائر من الأمور، وليس المهم ملء الفراغ بأيّ شيء، بل المهم حسن اغتنام الفرص بالمبادرة إلى فعل الخير، واتباع الحق ونشر الفضيلة...


وحتى يكون الانتفاع بالوقت كاملاً يجب على الإنسان تحديد هدفه في هذه الحياة بحيث يتجه نحو ما يريد القيام به على هدى وبصيرة فينتفع بوقته كاملاً، ويكون إنتاجه مرضياً، وخاصةً إن استطاع أن يوزع أعماله الدينية منها والدنيوية على مدار وقته في حياته اليومية توزيعاً منظماً، فيجعل لأدواره وأذكاره أوقاتها المخصوصة، ولأعماله الدنيوية أوقاتها المحددة، ولطلبه العلم ودراسته وقته المحدد، ولزياراته عند أقاربه وأرحامه من لهم حقٌ عليه وقتها المحدد، وكذلك ل حاسبته لنفسه وقته المحدد..؛ وذلك لأن العمر هو الدُّرة الثمينة في يد الإنسان، فلابد أن يتصرّف بهذه الجوهرة لإنجاز المهمة الملقاة على عاتقه، ويؤدي الأعمال المترتبة عليه وينفذ الواجبات المكلَّف بها على أتم صورة وأكمل وجه ممكن..


وقد ورد في صحيح البخاري أن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال لأبي الدرداء رضي الله عنه: (إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه؛ فأتى النبي r فذكر ذلك له فقال r: صدق سلمان)..


ولا نعني بتنظيم الوقت: أن يستهلك الإنسان كل وقته في طلب العلم، والعمل، والجد؛ بل لا بأس بتخصيص جزء بسيط من الوقت للراحة والترويح عن النفس، كالترفيه المباح، إذ لكل شيء حق في هذه الحياة.. قال صلى الله عليه وسلم: (إن لزوجك عليك حقاً، ولزورِك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً) وقال r: (روحوا القلوب ساعة فساعة)؛


ولكن هذا لا يعني أن نضيِّع الكثير من أوقاتنا بحيلة أننا نروِّح عن نفوسنا، فكل شيء عندنا في الإسلام بمقدار..


الآفات القاتلة للوقت:


أولاً الغفلة: وقد ورد آيات كثيرة تذم الغفلة عن الله عز وجل وتدعو إلى دوام الذكر، والمعرفة، والخشية من الله تعالى، قال تعالى: )وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ) وقال عز وجل: )وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) ؛ ذلك أن الغافل فاقد لمعاني الأشياء وعواقب الأمور، والغفلة عاقبتها الهلاك، وأول منازل العبودية الحقّة لله عز وجل (اليقظة) وهي انتباه القلب الدائم، والبعد عن مضلات الغفلة وسكراتها..


ثانياً التسويف: وهو ذنب عظيم وآفة كبرى تخاصم العمل، وتصيب الفرد والمجتمع بأسقام مختلفة، وتبعد النفس عن رحاب التهذيب، ومرابع الأخلاق والفضائل؛ ذلك أن التسويف يقضي على الانتفاع بالوقت قضاءً مبرماً، ويقف حجر عثرة في وجه الاستفادة من نعمة العمر المتاحة.. وقد روى ابن أبي الدنيا: قال ابن عمر رضي الله عنهما: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والشمس على أطرف السعف فقال: (ما بقي من الدنيا إلا كما بقي من يومنا هذا في مثل ما مضى منه).


وقد حذَّر العلماء والحكماء من آفة التسويف، ودعوا إلى المبادرة والمسارعة في فعل الخير، والاهتمام بالوقت، فهو زاد الإنسان النفيس..


قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "إياك والتسويف! فإنك بيومك، ولست بغدك، فإن يكن غدٌ لك، فكن في غدكما كنت في اليوم، وإن لم يكن لك غَدٌ لم تندم على ما فرَّطتَ في اليوم".


ثالثاً انقطاع الفرد عن إتمام أيِّ عمل بدأ به بعد أن قطع شوطاً في إنجازه: إذ يخسر  حينئذ كل ما بذله من جهد ووقت في سبيل إتمام ذلك العمل بسبب عدم صبره إلى أن يتمَّه،.. وهذا مما نهانا الله عنه فقال سبحانه وتعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ(


ومما يدخل في ذلك أيضاً: من يقوم بأداء النوافل والعبادات الكثيرة المتنوعة وتلاوة القرآن المكثفة، ثم ينقطع فلا تبقى له تلاوة ولا نافلة ولا أوراد.. وقد ورد عن الإمام البخاري عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيعون فإن الله لا يملّ حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قلَّ)...


رابعاً إضاعة الوقت فيما لا خير فيه و لا فائدة من قول أو فعل، أو فيما هو معصية لله تعالى:


 فأما الأول: فلأنه سبب في قسوة الوقت وتبديد للوقت دون ثواب، وقد نهينا عن ذلك بصريح القرآن والسنة.. قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)


 وقال تعالى: (قدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(


 وفي سنن الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)..


وأما الثاني: وهو إضاعة الوقت في المعاصي وهو شر آفات إضاعة الوقت وذلك لأنه سببٌ في غضب المولى سبحانه وتعالى وخسارة العبد في الدنيا والآخرة..


خامساً سبُّ الدهر: وهذه أيضاً من أنواع الغفلة التي لا ينتبه لها كثير من الناس أنهم يسبون الدهر، ويلقون بالملام عليه، وكأنه خصم معاند، أو شيء يقف أمام مطامحهم، فنسمع أحدهم يرغي ويزبد ويثور لاعناً زمانه، وما درى هذا الخائن أنّ الزمن – كوقتٍ أو مدة – لا علاقة له بما يصيب الإنسان من ربح أو خسارة، أو تقدم أو إخفاق، بل على الغالب أنّ ذلك مرتبط بالأخذ بالأسباب أو تركها – وقد دعا الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم إلى التوكل عليه: )فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)


فالقوة الفاعلة في هذا الكون هي قوة الله تعالى، وإليها يكون التوجه، وعليها يكون التوكل، بعد اتخاذ العدّة، وتعليقها بقدر الله تعالى؛ ذلك أن سنة الله تعالى تجري بترتيب النتائج على الأسباب، ولكنّ الأسباب ليست هي التي تنشىء النتائج، فالفاعل المؤثر هو الله، والله يرتب النتائج على الأسباب بقدره ومشيئته، ومن ثَمَّ فعلى الإنسان أن يؤدي واجبه، ويفي بالتزاماته، وبقدر ما يوفي بذلك كله يرتب الله النتائج ويحققها، وهكذا تظل الأسباب والعواقب متعلقة بمشيئة الله وقدره؛ هو وحده الذي يأذن لها بالوجود حين يشاء، وكيفما يشاء، وهكذا يتوازن تصور المسلم وعمله، فهو يعمل ويبذل ما في طوقه، وهو يتعلق في نتيجة عمله وجهده بقدر الله ومشيئة، ولا حتمية في تصوره بين النتائج والأسباب، فهو لا يحتم أمراً بعينه على الله...!


والتوكل على الله لا يعفي الناس من اتباع المنهج، وطاعة التوجيه، والنهوض بالتكاليف وبذل الجهد... إذاً:


إنْ تصوًّر إنسانٌ أن الدهر ظالم، أو حاكم جائر فقد جنح عن الصواب، وخبط خبطَ عشوا في ليل بهيم، لأن الدهر هو الله، لقوله صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم! يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار)


ويقول الأستاذ حسن البنّا رحمه الله تعالى: "من عرف حق الوقت فقد أدرك الحياة؛ فالوقت هو الحياة" ..


وإن أهم ما يساعد على اغتنام الوقت: تنظيم الأعمال، والانحياش عن المجالس الفارغة الهاوية، وترك الفضول في كل شيء ومصاحبة المجدِّين النبهاء الأذكياء المتيقظين للوقت والدقائق، وقراءة أخبار العلماء كالذين تكلمنا عنهم..


وعلى المرء أن يحاسب نفسه دائماً ويراقبها فينظر هل هي تسير دائماً في طريق البر والإحسان؟! فإن وجد خطأً ألق وعزم على ألّا يعود إليه، وإن وجد خيراً حاول المثابرة عليه.. قال تعالى: وبذلك يكون المرء مستفيداً من جميع أوقات فراغه بالأعمال الصالحة، وما يرضي المولى سبحانه وتعالى، فيكون ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (خيركم من طال عمره وحسن عمله)..


 ورحم الله ابن الجوزي إذ قال:


والوقت أنفس ما عنيت بحفظه

وأراه أسهل ما عليك يضيع!


وفقنا الله جميعاً إلى حفظ الوقت، وملئه بالعمل الصالح والعلم النافع، وجعلنا من الذين يعرفون قيمة الزمن والحياة فلا يغبنون أنفسهم ولا أمتهم وبلادهم.. وألئك هم الراشدون.


وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


والحمد لله رب العالمين..


المراجع:


قيمة الزمن عند العلماء للأستاذ عبد الفتاح أبو ندة رحمه الله تعالى..


أهمية الوقت في حياة الفرد وبناء المجتمع، تأليف: يوسف علي بديوي..


 

تحميل



تشغيل