مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 01/08/2012

الصحابي الجليل زهير بن قيس البلوي 76 هـ / 695 م

مشاركات الزوار
الصحابي الجليل
زهير بن قيس البلوي
76 هـ / 695 م
الباحثة نبيلة القوصي
والبلوي نسبة إلى بلِيّ (كعلي) وهي قبيلة من قضاعة.
بعد أن فتحت مصر على يد عمرو بن العاص سنة 21 هـ، كان من الطبيعي أن يمتد هذا الفتح باتجاه المغرب في "برقة" و"طرابلس"... باعتبارهما الامتداد الطبيعي للمنطقة، ورغبة من المسلمين الفاتحين تخليص شعوب المنطقة من قبضة المستعمر، ولإتاحة الفرصة لانتشار الدين الإسلامي.
وهنا ... بدأت المرحلة الثانية للفتح الإسلامي بعد عمرو بن العاص، مرحلة "عقبة بن نافع" الذي بنى "القيروان"، وجعلها قاعدةً عسكرية ومركزاً لأعماله القادمة "25 - 55" هـ.
وعين زهير بن قيس البلوي أميراً على "برقة" وأخذ بإرسال سرايا الفتح من مدينة "القيروان" يدعو الناس للإسلام، فدخل الكثير من البربر وسكان البلاد في الإسلام، مع زعيمهم البربري "كسيلة"، وهكذا حتى بلغ عقبة بن نافع شاطئ الأطلسي، وقال قولته المشهورة: "اللهم اشهد أني بلغت المجهود، و لولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بِكَ حتى لا يَعْبُدَ أحداً دونك"... ولكن أثناء عودته وقع في كمين مدبر من "كسيلة" الذي استعان بالروم البيزنطيين واستشهد "عقبة بن نافع" ومن معه عام 63 هـ.
وصل الأمر الجلل إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين، حيث اجتمع أكابر المسلمين ينعون استشهاده ورفاقه، وسألوه أن يخلص "القيروان" والمسلمين من يد "كسيلة" ويرد الإسلام عزيزاً كما كان، فقال لهم: "لا يصلح للطلب بدم عقبة من المشركين وكفرة البربر إلَّا من هو مثله في دين الله".. فاتفق رأيهم على "زهير بن قيس البلوي" وقالوا: هو صاحب عقبة وأعرف الناس بسيرته، وأولاهم بطلب ثأره. وقد كان زهير مقيماً في "برقة" ومرابطاً فيها مع أهل من إفريقيا بأمرٍ من عقبة. وجَّهَ إليه عبد الملك بن مروان خِطاباً يأمره بالخروج على أعنَّة الخيل لإنقاذ "القيروان" والمسلمين من همجية البربر والروم، فكتب إليه زهير بن قيس يستمده الرجالَ والأموال، فوجه إليه ما يريد.
أحدث استشهاد القائد "عقبة بن نافع" ومن معه من أبطال المسلمين أثراً سيئاً في نفوس المسلمين المقيمين بالقيروان، وزاد شعورهم بزحف كسيلة وجنوده إليهم، خاصةً بعد أن تعرفوا إلى الإسلام و سماحته وهديه، ولاقى صدىً رائعاً في نفوسهم، حزنوا حزناً شديداً. ولكن...
أقبل زهير بن قيس البلوي ومعه الجنود في عسكرٍ عظيم، ولما دنى من القيروان سنة 67 هـ أخذ يبث روح الشجاعة والإقدام في نفوس الجنود قائلاً: "يا معشر المسلمين إن أصحابكم قد دخلوا الجنة، وقد من الله عليهم بالشهادةِ فاسلكوا سبيلهم، ويفتح الله لكم دون ذلك".
ثم أقبل هذا البطل القائد ليلاً وصلى مغلساً ثم زحف إلى القتال، وأقبل "كسيلة" البربري الخائن المرتد والتحموا في القتال، وكثر القتل بين الطرفين، ولم يزالوا هكذا حتى انهزم كسيلة وقُتِلْ، وقُتِلَ رجال من الروم والبربر عدد كبير، ففزع من معهم من أهل إفريقيا واشتد خوفهم وهربوا، وأقبل زهير بن قيس ورأى في إفريقيا ملكاً عظيماً فخاف الإقامة وقال: "إني قد قدمت إلى الجهاد، وأخاف أن تميل بي الدنيا فأهلك، ولستُ أرضى بملكها ورغد عيشها"، وقد عُرِفَ عن زهير بن قيس البلوي بأنه من رؤساء العابدين وكبراء الزاهدين، رضي الله عنه، وقد شُهِدَ له بالصحبة، ومن خيرة من عمل تحت إمرة عمرو بن العاص وصولاً لعقبة بن نافع، رضي الله عنهم جميعاً.
نعود لقصة البطولة لهذا القائد العظيم الذي استطاع هزم الروم والبربر شر هزيمة، في تلك الأثناء... استغلَّ الروم خروجه مع جيشه من "برقة" وقاموا بمباغتة المدينة وسقطت بأيديهم واستولوا على السبايا والأموال والأسرى، وأخذ المسلمون ينشدون النجدة من بطلنا، بلغت الأنباء مسمع زهير بن قيس فأسرعَ وجنوده لنجدة المدينة، والتحم القتال بينهما حيث نادى زهير بن قيس على الجنود: "النزول رحمكم الله" نزلوا ونزل إليهم وأسفر ذلك عن هزيمة المسلمين واستشهاد القائد البطل "زهير بن قيس البلوي" وذلك لعدم تكافؤ العدد بينهما وعندما علم عبد الملك بن مروان باستشهاده، شعر بالمصيبة لذلك تماماً كمصيبة استشهاد عقبة بن نافع... رحمهم الله.
ولكن هذا البطل "زهير بن قيس" ببطولته المشَرِّفة هذه، ستبدأ المعركة الحاسمة تجاه الروم والبربر على يد البطل موسى بن نصير الذي تعلم من سلفه الصالح فنون الشجاعة والإقدام لنصرة دين الإسلام وترسيخ معالمه في المغرب العربي - رضي الله عنهم جميعاً - نسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يجعلنا خير خلف لخير سلف.
وتقول المصادر أن زهير بن قيس البلوي هو جد زاهر بن قيس بن زهير بن قيس البلوي، والذي كان والي "برقة" في عهد هشام بن عبد الملك وقبره موجود فيها حيث كانت له سيرة حسنة بين القوم، رضي الله عنهم جميعاً.
وهكذا... يا إخوتي قام أهالي تلك المنطقة في ذلك العصر البعيد والقريب من عهد النبوة والصحابة، بدفن هؤلاء الأبطال زهير بن قيس وجنوده الذين بلغوا حدود السبعين، وقالت المصادر إن للشهيد زهير بن قيس بطلين بارزين أبلوا معه بلاءً حسناً في قتال الروم الذين كانوا يقتلون الرجال ويسبون النساء، وهما: عبد الله بن القيس، وأبو منصور الفاسي، دفنوهم بأضرحة ثلاث، والجنود في المغارة، وهذه الأضرحة كانت عنواناً لسيرتهم العطرة... حيث تتوالى العصور والقرون... وتمر الأجيال وتسأل: من هؤلاء؟ ليسمعوا ببطولتهم وليعتبروا ولتقع في قلوبهم الموعظة، وموعظة القلوب هي أشد تأثيراً على الإنسان إن نسي... ليتعلموا أن حب الله عزَّ وجلَّ والجهاد في سبيله هو أرقى وأسمى أنواع الحب... ليقرؤوا الفاتحة بوقفة احترام وتقدير... وبتعاهد النفس مع الله عز وجل للتوفيق في السير على خطاهم.
***
ولكن وللأسف..... اليوم نقف وقفة اعتذارٍ شديد للشهيد زهير بن قيس ولأصحابه... عمَّا فعل السفهاء منَّا. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ربَّنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منَّا.
لقد جاءَ قضاة القلوب ونفَّذوا حكم تدمير مقام وقبر سيدنا زهير بن قيس البلوي، تحت عنوان محاربة الشرك، فمن خوفهم علينا من الشرك؛ دمَّروا القبر بمن فيه دون مراعاةٍ لحرمة القبور والأموات...
ألا يعلم هؤلاء - قضاة الجهل والغلظة في الدعوة إلى الله عزَّ وجلّ - بمقولة النبي صلى الله عليه وسلم للحِب بن الحِب أسامة بن زيد وهو يعاتبه عندما حكم ونفذ القتل لمشرك بعد أن قال: لا إله إلا الله، إحمرَّ وجه النبي صلى الله عليه وسلم وعاتبه عتاباً شديداً وقال: (هلَّا شققت على قلبه) ثمَّ تبرَّأ من عمله إلى الله عزَّ وجلّ.
وهؤلاء للأسف حكموا وقرروا أن من زار هذه البقعة ومن فيها فهو مشرك والعياذ بالله... مايدريكم مايدريكم مايدريكم؟!... نحن نقف أمام الآثار وليس القبور فقط للعبرة والاعتبار ولنتعلم من السلف الصالح، صالِحَ أعمالهم ونلتمس من سيرتهم المواقف التي توقظ القلوب... ياللأسف... بأي جرأة استطاعوا أن ينصبوا أنفسهم مكان الله عزَّ وجلّ - والعياذ بالله -
ألا إنها جرأة الجهل والغلظة والفظاظة والهوى، صلى الله عليك يا سيدي ويا حبيبي يا رسول الله، رسول الرحمة والحب، وقد امتدحك الله عزَّ وجلّ بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾.
نحتاج إلى تعليمٍ وفهمٍ جديد لسيرته العطرة الشريفة، والتي سار عليها من بعده من صحابته الكِرام، رضي الله عنهم جميعاً، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً.
وبهذه المناسبة ننبه إخواناً لنا من خطر هذا التطرف الداهم والقادم إلى الشام والذي صرح به بعضهم ..
ففي إحدى قنوات الفتنة (صفا)، وجه أحدهم نداء قائلاً:
"يا أحفاد الأمويين يا أتباع معاوية ويزيد يا عناصر الجيش الحر عليكم بهدم معبد السيدة زينب وهدم معبد السيدة رقية في دمشق وهدم كل قبر من هذه القبور".
بل قالها أحد دعاتهم وبكل وقاحة:
@DrDimashqiah: أشهد الله أن هدم كل ضريح من الأضرحة التي صارت وثناً يعبد يزيد من رضا الله عنكم وهذا من أعظم الوسائل في تقريب النصر. لأن التوحيد دواء كل داء.
@DrDimashqiah: نداء إلى الجيش السوري الحر: النصر يقترب أكثر بهدمكم للأضرحة المعبودة من دون الله إن استطعتم وبدون فتن تفتح عليكم بابا تنشغلون به عن حربكم.
وهذا يدل على خطر ومصيبة كبيرة يجهز لها أتباع ابن عبد الوهاب .. لأن الأمر لن يقتصر على الحجر والشجر وإنما هي فكر متطرف يريدون أن ينشروه في الشام التي ما عرفت إلا بالمنهج العلمي الوسطي السليم الخالي عن مثل هذه الطامات التي جاؤونا بها .. فمن تكفير إلى تبديع إلى زرع للفرقة والشقاق إلى تنفير من الدين .. وهي مفاسد أكبر بكثير من مصالح موهومة أمام هذه المفاسد.
وأختم بهذه الصرخة التي أهيب بها كل عاقل في هذه البلدة المباركة أن يتمتع بالوعي ضد كل من يريد لشامنا الانزلاق فيما انزلقت به العديد من الدول الأخرى كليبيا مثلاً. ولن يفلحوا بسر بشارة النبي صلى الله عليه وسلم للشام عندما قال: (إن الله تكفل لي بالشام وأهله).
ضريح الصحابي قبل الهدم
ضريح الصحابي بعد الجريمة التي لم يراعوا فيها حرمة لقبر .. ناهيك عن كونه قبر صحابي جليل
جسد الصحابي الجليل وقد بدا بعد 14 قرناً من استشهاده ..
ترى هل ستكون هذه الصورة التي تقشعر لها الأبدان عبرةً ورادعاً لهم عن جرائم أخرى من هذا القبيل

تحميل



تشغيل