مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 27/06/2012

روجيه غارودي في الميزان

مقالات

روجيه غارودي في الميزان
د. محمد سعيد رمضان البوطي
من كتاب شخصيات استوقفتني
متى عرفت غارودي:
عرفت روجيه غارودي، وهو في أوج عنجهيته، زعيماً ماركسياً، ورسول تجديد للاشتراكية المادية، لا في فرنسا وحدها، بل في أوربا كلها..
كان ذلك في الملتقى الفكري الذي عقد بتمرّاست في جنوب الجزائر..
ثم عرفته ورأيته، وهو في أبرز مظاهر تبتّله وعبوديته لله عز وجل، مستسلماً لشرعته وسلطانه !.. وكان ذلك في الملتقى الفكري الذي عقد في قسنطينة بالجزائر أيضاً. لقد أتْبعتُه بصري يومها، وقد خرج ضيوف الملتقى مع الغروب من قاعة المحاضرات في جامعة قسنطينة، في أعقاب يوم حافل، ورأيته انفرد عنهم، وقد اتجهوا جميعاً مسرعين إلى الحافلات التي تنتظرهم لتعود بهم إلى مقرّهم في الفندق الذي يقيمون فيه. وتلفَّت هو، يبحث عن المسجد الذي يجتمع فيه الطلاب للصلاة !.. واندمج الرجل في فلول الطلاب مُتجهاً معهم إلى المصلى الكبير المتواضع لأداء صلاة المغرب.
وفي المصلى، وقع نظري عليه، وكان يتقدمني بصف. وأخذت أرقبه وأتأمل في صلاته، وهو بين ذلك الحشد من الطلاب .. استزاد بعد الفريضة من النوافل ما شاء، وراح يطيل القيام والركوع، ولما هوى ساجداً، لبث في سجوده طويلاً لا يرفع رأسه .. ونظرت إلى وجهه بعد ان استقرّ جالساً وقد تضرج بحمرة قانية !.. كان واضحاً أنه لم يكن يحفل بشيء مما حوله، وأنه مندمج في صلاته مع الله عز وجل، اكثر من أكثر الذين يصلون حوله، ولعلّي واحد منهم.
كان هذا المشهد المتبتل بعد تلك العنجهية المتعجرفة – وقد رأيت المشهدين وليس بينهما اكثر من عامين – ذا دلالة كبيرة في عقلي وتأثير عظيم في نفسي !... ومهما استعنت بالقلم والبيان، فلن أبلغ إلى التعبير عن معشار هذا التأثر الذي أخذ بمجامع كياني كله !.. ثم إني رأيت هذا المشهد دليلاً لا يقبل الريب عندي على ان الرجل صادق مع نفسه في الإسلام الذي اعتنقه، بمقدار ما كان صادقاً مع نفسه من قبل في العنجهية التي كان مأخوذاً بها.
ثم تعارفنا وتلاقينا بعد ذلك، في عدد من المؤتمرات والملتقيات. وتباحثنا في أمور الدين ومشكلات الحضارة، دون أن أفاجأ خلال ذلك بما يريبني منه أو يشككني في إسلامه.
غارودي ومجلة (المجلة):
غير أني اطلعت، منذ حين، على حوار أجرته معه مجلة (المجلة)، استوقفتني فيه آراء وأفكار نسبت إليه، ليس لها أي وجه من الصحة، ولا تتفق مع ما أعرفه من صدق إسلام الرجل، كما لا تتفق مع ما رأيته من سلوكه !..
لقد داخلتني الريبة في ان يكون الرجل قد آل أمره فعلاً إلى أن ينتكس في فهمه للإسلام وتعامله معه وتطبيقه له إلى هذا الحد !... ثم ازدادت الريبة لديّ عندما رأيت الصحافي المحاور ينقل على لسان غارودي أن مشادة قامت في إحدى الملتقيات بينه وبين الشيخ يوسف القرضاوي في الجزائر، كان من نتائجها أن احتج القرضاوي وغادر القاعة مغضباً !...
ثم إن الريبة تحولت، فداخلتني من امر هذا الحوار كله، عندما علمت أن روجيه غارودي أعلن أنه لا علم له بالكثير مما نسب إليه من خلال الحوار الذي اجرته معه مجلة (المجلة) !..
ثم إن الريبة ازدادت لديَّ، عندما تبين ان توقيت هذا الحوار جاء متزامناً مع مواقف غارودي المعلنة من الصهيونية العالمية وإسرائيل، والتي أفرزت كتابه (الخرافات المؤسسة للسياسة الإسرائيلية).
المهم، أن شائعة سرت، بعد موقف غارودي هذا، في أوساط كثيرة، بانه قد ارتدّ عن الإسلام !... وقال قائلون: إن الرجل تظاهر بالإسلام ليفسده من داخله، وكأن موقفه العدائي المعلن من الصهيونية العالمية، هو الدليل على رغبته في أن يفسد الإسلام من داخله !...
ثم تناقلت الشائعة ألسنةٌ وأقلام، وصيغت تعليقات كثيرة ومتنوعة في حقّ الرجل، على هذه الشائعة التي انطلقت تنتشر في الأوساط منذ ذلك الحين!
إنني لا أنكر ان تعامل غارودي مع الإسلام، صاحبَه كثير من الأخطاء، ربما في فهمه .. ولكن المسلمين الذين بالغوا في الاهتمام بإسلامه والاحتفاء بفكره الديني، يتحملون مسؤولية كثير من هذه الأخطاء !...
ذلك لأن الرجل ما إن أعلن إسلامه، حتى أخذ كثير من المؤسسات والجهات الإسلامية ينظر إليه على أنه تحول فجأة من منظّر ماركسي إلى منظّر إسلامي كبير .. وراحت هذه المؤسسات تتسابق إلى دعوته إلى مؤتمرات وندوات فكرية إسلامية، لتفيد من فكره الإسلامي الفذّ، ومن معارفه الإسلامية التي قد تساهم في حلّ مشكلات المسلمين، وكأنّ الرجل قد خُلِق للتوّ واحداً من كبار المتخصصين بالإسلام وعلومه.
وللحقيقة أقول: إن غارودي لم يكن ينظر إلى نفسه على هذا الاعتبار .. بل قد كانوا يدعونه محاضراً معلّماً، فيستجيب دارساً ومتعلماً .. وكان واضحاً أنه يحاول الاستفادة من كل ما يسمع، حاملاً أوراقه، عاكفاً على تقييد كل ما يسمعه من معارف وفوائد لا علم له بها، أثناء المحاضرات والمناقشات.
ومن جهة أخرى، فقد رأت بعض المحاور السياسية المتنافسة في منطقتنا العربية والإسلامية، أن الرجل باسمه العالميّ الكبير وتوجهه الإسلامي الجديد، يمكن أن يكون مبعث كسب سياسي، ومصدر سمعة إعلامية مفيدة لها، لو تمّ استغلال توجهه الإسلامي بدقة متناهية .. فكان أن تسابقت هذه المحاور إليه، تخطب ودّه، وتعلي من شأنه، وتعرض عليه خدماتها، وتوحي إليه أن ينوّه بشأنها وأن يسير على نهجها !..
وللحقيقة أيضاً أقول: كان من اليسير لهذا الرجل أن ينتهز فرصة تسابقهم إليه، ابتغاء تحقيق مصالحه، كما انتهزوا فرصة إسلامه ابتغاء السعي إلى مصالحهم .. ولكنّ شيئاً من ذلك لم يظهر في طريقة تعامله معهم. فقد ظل يحشد كل اهتماماته الفكرية ونشاطاته المعرفية والسلوكية لخدمة قناعاته الإسلامية التي هيمنت على مشاعره، واحتلت مركز القناعة من عقله، دون ان يفوز أي من تلك المحاور بشيء من الأطماع التي كانت معلقة عليه، ودون أن يطمع هو منها بالوصول إلى أي من المغانم التي يسعى إليها كثير من المسلمين التقليديين، بل يجعلون من إسلامهم مطية ذلولاً إليها.
فكانت النتيجة التي أعقبت خيبة الآمال المصلحية التي كانت منوطة به، أن عاد أصحاب تلك الآمال، فاتخذوا منه موقف المستهين بشأنه، ثم المعادي له، والمشكك في إسلامه، وراحوا يتلمسون له الأخطاء والعثرات ... وكأنهم يستردّون بذلك الثقة التي كانوا قد منحوها إياه !..
***
والآن دعنا نتساءل: ما هي القناعة العقلية والمنطقية التي ينبغي أن ننتهي إليها في أمر إسلام (روجيه غارودي)، على ضوء كل هذا الذي كتب عنه وقيل في حقه، بقطع النظر عن الملابسات المتزامنة الهامة التي أشرت إليها؟
إن ما رأيته بعيني، من تحول غارودي من أقصى درجات عنجهيته إذ كان لا يزال ماركسياً، إلى أقصى درجات التذلل لله عز وجل، في مصلى متواضع ليس فيه إلّا طلبة جزائريون، من الطبقة المتوسطة فما دون، وقد انفضّ العلماء والمحاضرون والدعاة الإسلاميون، إلى بيوتهم أو فنادقهم طلباً للراحة، مترخصين في تأخير صلاة المغرب إلى العشاء؛ أقول: إن هذا التحول الذي رأيته بعيني، لا يمكن ان يفسّر إلا بصدق التوجه إلى الله والإنابة إلى دينه. وإن الذهاب إلى تفسير اندماجه في أولئك الطلبة (الدراويش) الذين لا يعرفه منهم أحد، بأنها مجاملة مصطنعة وتظاهر بخلاف الواقع، لهو لون من الخيال اللاعقلاني الجانح والمجنَّح !..
أما عن استمرار تعامله الفكري والسلوكي مع الإسلام فيما بعد، فانا لا أشك في أن الرجل زُجَّ به في الحديث عن مشكلات تتعلق بالثقافة الإسلامية، بل ربما تتعلق بجذور من القواعد العلمية الإسلامية المعقدة. ومن الطبيعي جداً أن تخونه معارفه الحديثة والقليلة عن الإسلام، وأن يقع من جراء ذلك في تيه من الأفكار والتصورات والتفسيرات الباطلة .. ولقد دعاه المناخ الذي أحيط به، بل الذي فرض عليه، كما سبق أن اوضحت، إلى أن يتحول مباشرة من قائد للفكر الماركسي، إلى قائد للفكر الإسلامي، بالدرجة القيادية ذاتها، فاضطره ذلك إلى أن يتحدث عما كان يطلب منه، من الحديث عن الإسلام وعقائده ومشكلات العالم الإسلامي، وعن أسباب انحسار المدّ الإسلامي الداخلية والخارجية، قبل أن يمضي وقتاً كافياً في دراسة ذلك كله، الدراسة التخصصية اللازمة، التي قد لا يحتاج إليها من يريد ممارسة الإسلام لنفسه، ولكن يحتاج إليها يقيناً ذاك الذي يريد أو يراد منه أن يكون باحثاً إسلامياً، يلجأ إليه عامة المسلمين وكثير من خاصتهم، في حلّ مشكلاتهم الثقافية والاجتماعية المتنوعة.
إذن ليست المشكلة في أن يتحرى واحد مثل روجيه غارودي معرفة الإسلام ودقائق أحكامه، ثم يتورط في بعض الأخطاء الفكرية أو السلوكية، دون قصد منه إلى ذلك أو تعمد، ولكن المشكلة الكبرى هي ان يأتي من يرقى به فجأة، ورغماً عن أنفه، إلى مستوى القيادة الإسلامية العلمية الراشدة، ثم لا يلبث أن يهوي به إلى حضيض الردة والكفر !... وأخطر من هذا الإشكال أن تلعب الخلفيات الصهيونية دوراً مباشراً أو غير مباشر في ذلك.
***
إذن، فأنا أبرّئ الدكتور غارودي من تهمة الردة عن الإسلام، بعد اعتناقه له، ولكني لا أبرّئه من الخطأ في فهم كثير من مبادئ الإسلام وأحكامه.
غير أن العجيب ليس ما يتوهمه بعضهم، من أن يخطئ وافدٌ جديد إلى الإسلام في فهم بعض عقائده وأحكامه ... وإنما العجيب ان يتوهم بأن على هذا الوافد أن لا يخطئ في فهم شيء من هذه العقائد والأحكام، على الرغم من أنه حديث عهد باعتناق الإسلام ومعرفته، وعلى الرغم من كثرة الأباطيل المكتوبة عن الإسلام باسم الإسلام، وبأقلام مشاهير مسلمين.
***
أما الآن فأكرر ما قد قلته في البداية:
إننا لا نملك أان نتهم غارودي في إسلامه وإيمانه، ولسنا ممن يتأبط أي مصلحة تدعونا إلى أن نجازف له بهذا الاتهام، كما أنا لا ندين بأي تبعية لمن قد يحملنا على ذلك.
ولكنا أيضاً لا نملك أن نجعل من إسلامه شفيعاً لأخطائه، بل إن حبّنا له ويقيننا بأخوته الإيمانية يستلزمان ان نحاوره، في حب له وغيرة عليه، ليتأمل في هذه الأخطاء ثم يرجع عنها.
والذي أعرفه من خلق الأخ غارودي أنه موضوعي النظر والفكر، وأنه رجّاع إلى الحق.
ثم إن علينا أن ندعمه في مواقفه العلمية الموثقة ضد الصهيونية، بكل ما نملك، ومعاذ الله ان نكون من الهوان وذل التبعية، بحيث نسير وراء أبطال الدجل الغربي، أولئك الذين يكيلون، ببهلوانية مرذول، بمكيالين متناقضين. إذ يباركون لسلمان رشدي سبابه الساقط المقذع في حق الإسلام ورسوله، ويجرّمون روجيه غارودي في تحقيقاته الوثائقية الأدبية الملتزمة.
[هذا البحث مستل من كتاب شخصيات استوقفتني للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي]

تحميل